
.....(رجل فقدناه)......
ولد محمد علي دولة في بلدة (الكسوة )التي تقع في غوطة دمشق الغربية،وهي البوابة الجنوبية للعاصمة دمشق على طريق درعا كبرى مدن حوران.
وكان مولده في ربيع عام 1358هج=1938م،ﻷبوين فاضلين هما:الشيخ سليم دولة وعائشة السكري.
نشأ وترعرع في حجر والديه،وأخذ عنهما طيب النفس وسماحة الخلق ونداوة اليد وعفة اللسان وحسن الظن بالناس وحب الخير لهم. وشارك أترابه من أبناء الريف الدمشقي حياتهم الطفولية،وشهداحتفاﻻت جﻻء الفرنسيين عن سورية سنة 1946 وما رافقها من عراضات وأناشيد وأهازيج،وعمره آنذاك (7)سنين.
حرص الشيخ سليم على أن يتعلم ابنه تﻻوة القرآن فألحقه (بالكتاب)،وفيه قرأ الغﻻم القرآن الكريم وأتقن تجويده وحفظ بعض سوره على الشيخ(توفيق المغربي)،وكان معه تربه وصديق عمره محيي الدين مستو الذي ﻻيزال حيا ،وهو صاحب دار نشر ومؤلف ومحقق معروف.
وفي عام(1947م)انتظم محمد علي في مدرسة الكسوة اﻻبتدائية الرسمية،ومبناها تحت الجامع الكبير،ومديرها المربي الجاد محمد علي شحادة.
وكان الفتى يتردد على هذا المسجدللصلاة ويحضر خطبة الجمعة لشيخ البلدة الفقيه الشافعي حسين سمارة،ويلزم درسه الذي يعقده بعد صﻻة الجمعة.
أتم محمد علي الدراسة اﻻبتدائية ومدتها(5)سنوات وحصل على الشهادة اﻻبتدائية(السرتفيكا).
وقد ترك الرجال الثﻻثة:توفيق المغربي ومحمد علي شحادة وحسين سمارة بصمات طيبة راسخة في عقل الفتى وشخصيته وأخﻻقه.
وفي سنة(1948) فجع محمد علي بوفاة والده الشيخ سليم وشقيقه اﻷكبر علي؛فأضحى يتيما،وتولت اﻷم أعباء تربية اﻷسرة والقيام بشؤونها.
قام أكابر علماء دمشق بعناية ومتابعة الشيخ الجليل القدوة محمد علي الدقر وبالتعاون مع اﻷعيان والتجار:بتأسيس(الجمعية الغراء لتعليم أوﻻد الفقراء)؛والتي انبثق عنها مدارس للبنين والبنات،ومعهدالعلوم الشرعية.
وقد أصرت والدة محمد علي على أن يتابع ابنها تعليمه؛فتمكنت بوجاهة أحد أقاربها-وكان يعمل موجها بالمعهد الشرعي-من تسجيل ابنها فيه،وتم له ذلك سنة1953م. ومدة الدراسة(6)سنوات للمرحلتين اﻹعدادية والثانوية؛يحصل الطالب بعدها على شهادة تخوله الدخول في كلية الشريعة بجامعة دمشق والتي أسست-أعني الكلية- عام 1954.
**انتظم الطالب محمد علي في المعهد وأخذ علوم الشريعة وعلوم اﻵلة عن مشايخ أجﻻء وعلماء أفذاذ،واقتبس منهم العلم مع العمل وفق منهج تربوي تعليمي صارم أقيم عليه المعهد.
1-أحمد المقداد البصروي،درس عليه الفقه الشافعي.
2-الشيخ المربي الرباني عبد الكريم الرفاعي؛تلقى عنه أصول العقيدة.
3-العﻻمة النحوي خالد الجباوي،درس عليه النحو والبﻻغة.
4-الشيخ الفقيه أحمد الطيبي الزعبي. مدرس التفسير والحديث.
5-العلامةالمتقن الزاهد نايف العباس،وكان يدرس الفرائض والسيرة النبوية والتاريخ اﻹسﻻمي.وهو أحب اﻷشياخ لﻷستاذ محمد علي وأقربهم إلى قلبه وأعمقهم أثرا فيه.
6-العﻻمة اللغوي اﻷديب عبد الغني الدقر،أستاذ اﻷدب واللغة العربية.
تخرج اﻷستاذ محمد علي من المعهد في عام(1959)، والتحق بكلية الشريعة في جامعة دمشق في سنة(1960) وكانت هذه الكلية منارة للعلم والثقافة والفكر والدعوة مع جامعها الذي اعتلى منبره أكابرالعلماء وجهابذة المفكرين والخطباء.
ومن أشهر أساتيذه الذين أثروا فيه وأثروا معارفه وعلومه:
1-مؤسس الكلية العﻻمة الداعية مصطفى السباعي.
2-الدكتور محمد المبارك الذي كان يدرس مادة (نظام اﻻسﻻم).
3-الدكتور المؤرخ الناقد يوسف العش،أستاذ التاريخ اﻻسﻻمي.
4-اﻻستاذ الحقوقي الضليع الدكتور معروف الدواليبي،وكان يدرس:مدخل إلى السنة النبوية،ومدخل إلى علم أصول الفقه.
5-فقيه العصر الجليل مصطفى الزرقا،وكان يدرس طﻻبه كتابه الفذ:(المدخل الفقهي العام).
6-الدكتور الجليل المفوه صبحي الصالح ،ويدرس علوم القرآن.
**وممن تأثر بهم أيضا العﻻمة الزاهد حكيم العلماء وبركة زمانه:أبو الحسن الندوي؛من خﻻل زيارته للمعهد الشرعي ودخوله للصفوف وإلقائه موعظة قصيرة في كل صف وسﻻمه على الطﻻب واحدا فواحدا.ثم بعد ذلك من خلال حضور محاضراته على مدرج جامعة دمشق الكبير؛بدعوة من رئاسة الجامعة،وكانت عن(رجال الفكر والدعوة)سنة(1956)، وقد طبعها اﻻستاذ فيما بعد في(4)مجلدات.
**تخرج اﻻستاذ محمد علي من جامعة دمشق سنة(1963)وحصل على إجازة في الشريعة،وقد نضجت شخصيته وتبلورت عنده أدوات البحث والدرس والتعليم،مترافقا ذلك مع اﻻلتزام والعمل بما تعلمه أقتداء بما اقتبسه من أشياخه وأساتذته.
شرع اﻻستاذ بنشر العلوم التي حصلها خﻻل تلك السنين،وكانت البداية في المدرسة اﻷهلية ببلدته(الكسوة)،فدرس فيهااللغة والتعبير والخطابة والتربية اﻻسﻻمية. وفي عام(1964) تم تعيينه في وزارة التربية؛وكانت البداية في محافظة السويداء لمدة (4)سنوات. ثم انتقل للعمل في ثانوية جودت الهاشمي بدمشق أكبر ثانوية عامة في سورية. ثم درس في ثانوية للبنات في منطقة باب الجابية بدمشق. وأخيرا درس في ثانوية الكسوة للبنين سنة(1973) ؛ وفيها اتصل كاتب هذه السطور باﻻستاذ ؛واستمرت بينها وشائج الحب والعلم حتى وفاة الفقيد الجليل.
**وفي عام 1974 تقدم اﻻستاذ باستقالته من العمل في وزارة التربية؛بغية التفرغ للعلم وإدارة شؤون مكتبته (دار القلم).
ذكرتها في مقالي(نجم تألق ثم رحل).
أسس دار القلم بدمشق سنة 1967 وهو ﻻيزال يعمل مدرسا؛وهدفه اﻷول من وراء ذلك :
أ-توسيع دائرة العلوم والمعارف ونشرها لتستوعب مختلف شرائح المجتمع،وانطﻻقهالتعم البلاد العربية واﻹسﻻمية.
ب-بناء شخصية إسلامية متوازنة ومقاومة اﻻنحرافات والثقافات الوافدة.
**انطلقت الدار بسعي حثيث وعمل دؤوب،وفق منهج واضح وهدف أصيل،واﻻستاذ يستعين بتوجيهات ونصائح شيوخه وأصدقائه وعلى رأسهم الشيخ نايف العباس.ومع مرور الزمن وخﻻل إقامة اﻻستاذ في المملكة العربية السعودية أسس دار المنارة بالتعاون مع اﻻستاذ نادر حتاحت وبعد أن انطلقت وشقت طريقها، أراد اﻻستاذ اﻻستقﻻل بإدارته فترك دار المنارة،وأسس(دار البشير)بجدة. كذلك أسس (الدار الشامية) في بيروت . وأصبحت اﻷخوات الثﻻث:دار القلم ودار البشير والدار الشامية؛تهيمن عليها خطة واحدة وإدارة واحدة؛كبيرها وموجهها اﻻستاذ محمد علي،ويعاونه أنجاله:عماد الدين في بيروت،وعبد الرحمن في دمشق وسيد في جدة. وتكون(الدار الشامية) مركز الطباعة والتوزيع؛ ﻹتقان الطباعة وسهولة النشر والتوزيع
فتشمل مختلف العلوم:التفسير، وعلوم القرآن،والحديث وعلومه، والسيرة النبوية،والتاريخ اﻻسﻻمي،وتراجم الرجال،والقصص،واﻷدب العربي واللغة العربية وعلومها،والفكر اﻹسﻻمي،ومقاومة اﻷفكار الهدامة،وعلوم العصر والطب وغير ذلك.
** وقد بلغ عدد الكتب التي أصدرتها الدار زهاء(ألف)عنوان.
تنوعت قراءات أستاذنا رحمه الله تعالى؛ فهو يقرأ:كتب التفسير وعلوم القرآن؛والحديث الشريف وعلومه،والفقه ،والسيرة النبوية ،والصحابة،والتاريخ اﻻسﻻمي،والفكر اﻻسﻻمي والغربي،واللغة العربية وعلومها ،وتاريخ اليهود بجميع ملفاته القديمة والحديثة،والصحف والمجﻻت والدوريات... إلخ.
اﻻستاذ من أبرز وأجل من عرفته في حبه للعلماء واحترامهم وإجﻻلهم،وعدم السماح للوقوع بهم في محضره،وبخاصةالعاملين منهم. وكان يشيح وجهه عن أولئك الذين يتأكلون بعلمهم.
ومن أبرز اﻷدلة على ذلك حرصه وعنايته بإصدار سلسلتين عنهم:أعﻻم المسلمين،وأعﻻم ومفكرون معاصرون. وعﻻقته بعلماء عصره متميزة وفي ارفع درجات الحب واﻹجﻻل المتبادل ،كما يشهد بذلك القاصي والداني.
أشهد ويشهد معي كل من تعرف على أستاذنا واتصل به وعمل معه أنه كان مثاﻻ للعالم المسلم الذي يتمثل مايحمله في فكره وقلبه من علم. وقد أحبه عارفوه وأثنوا عليه،وتحدثوا في مجالسهم عن لطفه ووداعته ورقته واهتمامه بشؤون أهله وطﻻبه وعارفيه،وله بين أهل بلده المنزلة الرفيعة والمحبة الغامرة وقد خرج في جنازته الجم الغفير منهم حتى كان الواحد منهم يركض ليلحق بالجنازة!
وقد اهتدى اﻻستاذ في منهجه في التدريس والخطابة ونشر العلم وطباعة الكتب:بهدي النبوة من حيث الاعتدال والوسطية والتؤدة والتودد،وإقامة الحجة والدليل، واللطف بالجاهل،ومعرفة الفضل ﻷهله وإنزالهم منزلتهم.
الذي شهدته وأذكره للحقيقة؛من خﻻل صلتي الوثيقة باﻷستاذ،باعتباري من تﻻمذته ومن المؤلفين كذلك؛وقد نشرت كل كتبي في مكتبة أستاذنا:
أنه كان على درجة رائعة ومعاملة نبيلة وتقدير كبير للعلماء والكتاب؛ويوصل إليهم حقوقهم حيث كانوا في بلدانهم أو مكان إقامتهم. وقد شهد له بذلك كل من تعامل معه،وكان يوصي بنيه بذلك.
وﻻيخلو اﻷمر من بعض الخﻻف فالمثالية في المعاملة بعيدة المنال،وقد شهدت مواقف للخﻻف نادرة جدا ﻻتصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة،وكان اﻻستاذ يترضى المؤلف ويتنازل عن بعض حقهم؛والكمال عزيز.
في سنة 2002م،كان اﻷستاذ يحضر معرض الكتاب الدولي في القاهرة زائرا،ويدير جناح دار القلم ابنه عبد الجبار وابن أخته سامر سعدة،وهناك أصيب اﻻستاذ بجلطة على الدماغ،وقام عبد الجبار وسامر بإسعافه إلى مستشفى القاهرة التخصصي وأدخل العناية المركزة وعولج ،ثم خرج وبعدثلاثة أيام رجع إلى السعودية على كرسي متحرك ويرافقه ابنه عبد الجبار،وأدخل مستشفى الملك عبد العزيز التخصصي ومكث فيه(15)يوما خرج بعدها متماثﻻ للشفاء مع بقاء أثر الجلطة .
وأذكر هنا موقفا ﻻأنساه ؛فعندما وصل مطار جدة طلب أن يكلمني وأنا في دار إقامتي في دبي،وأصابني الذهول وهو يكلمني وﻻأستبين نطقه من أثر الجلطة ؛وقال لي بصوت متهدج:
(ادع لي)!وعلمت مختصر اﻷمر من ابنه.!
واستمرت آثار المرض معه،مع أمراض أخرى،وهويتناول عدة أدوية،ويرافقه أحد أبنائه وأحفاده خشية المفاجآت،وأيضا لتلبية طلباته في إحضار هذا الكتاب أو ذاك،فهو لم ينقطع عن القراءة والكتابة حتى أواخر أيامه؛ مع تراجع في عدد ساعات القراءة والكتابة ﻷنها كانت ترهقه.
وأخيرا وقد حان اﻷجل وحم القضاء واقتربت ساعة لقاء أستاذنا بربه...
ذكر لي ابنه سيد قبل ساعات نقﻻ عن أمه السيدة أم سليم أن اﻷستاذ استيقظ قبل الفجر وسأل زوجته :هل أذن الفجر؟قالت :ﻻ. فتوضأ وصلى ماكتب له من قيام الليل،ثم اضطجع على فراشه ينتظر الفجر الصادق،فسبقه الوعد الصادق ؛ فكانت تلك الركعات آخر عهده بالدنيا...
رحمك الله ياأستاذنا رحمة واسعة؛وهنيئا لك تلك الخاتمة،وتقبلك الله سبحانه بأفضل وأجمل وأرفع ما يتقبل عباده الصالحين والعلماء العاملين....
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين