وهبة الزحيلي.. عَلَمُ الفقه

وهبة الزحيلي.. عَلَمُ الفقه

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
58

وهبة الزحيلي.. عَلَمُ الفقه وسادنُ موسوعته المعاصرة
سعةُ العلم وبركةُ العمر في رحاب الفقه والتفسير والأصول


تمرُّ الأعوام على رحيل العلماء، لكنها لا تمرُّ على آثارهم بالمقدار نفسه؛ فثمة رجالٌ ينتهي حضورهم بانتهاء أعمارهم، وثمة علماء تبدأ بعد الرحيل حياةٌ أخرى لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12]، وتتسع هذه الحياة وبركاتها كلما قُرئت كتبهم، وتتجدد كلما انتفع بعلمهم طالب، أو رجع إلى اجتهادهم باحث، أو استضاء بمنهجهم مفتٍ وفقيه، ومن هؤلاء العلامة الفقيه المفسر الأصولي الأستاذ الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي، الذي رحل عن الدنيا قبل ست سنوات كاملة، بعد عمر حافل بالعلم والتعليم والتأليف والفتوى، وبقي حاضرًا في مكتبات الجامعات، ومدارس الفقه، ومجالس التفسير، وبحوث الشريعة، وفي أيدي أجيال من الطلاب والباحثين في أنحاء العالم الإسلامي.
وليس الإنصاف في الحديث عن وهبة الزحيلي أن نحصي كتبه، ولا أن نستعرض مناصبَه وشهاداتِه، ولا أن نضع أمام اسمه سلسلةً طويلة من الأوصاف العلمية؛ فكل ذلك، على أهميته، لا يكشف وحده عن حقيقة الرجل؛ لأن السؤال الأجدر بالتأمل هو: كيف استطاع عالم واحد أن يجمع هذا القدرَ من العلوم، وأن يُنتج هذا الكمَّ الهائل من المؤلفات، وأن يحضُرَ في الفقه والأصول والتفسير والقانون والعلاقات الدولية والقضايا المعاصرة، وأن تتحول بعضُ كتبه إلى مراجع تكاد لا تخلو منها مكتبة شرعية؟ وأين يكمنُ السرُّ في مشروعه العلمي الذي تجاوز حدودَ بلده ومذهبَه وجامعتَه، ليغدو واحدًا من أكثر المشروعات الفقهية المعاصرة انتشارًا وتأثيرًا؟
إن قراءة حياة الزحيلي من هذه الزاوية تكشف أن وراء ذلك الإنتاج الكبير بناءً متراكمًا بدأ منذ الطفولة، وأن الموسوعية التي انتهى إليها لم تكن وليدة كثرة القراءة وحدها، وإنما ثمرة اجتماع عناصر قلَّ أن تجتمع في رجل واحد: بيت صالح، وتكوين شرعي مبكر، وشيوخ كبار، ودراسة أزهرية وقانونية، وعقل مقارن، وانضباط مذهل في الوقت، وورع في الفتوى، وشعور برسالة العلم ووظيفته في الحياة.


أولًا: من بيت القرآن وفي ظلاله بدأت الحكاية
وُلد وهبة مصطفى الزحيلي سنة 1351هـ/1932م في بلدة دير عطية من ريف دمشق، ولم تكن بدايته العلمية منفصلة عن البيئة الإيمانية التي نشأ فيها؛ فقد فتح عينيه في بيت كان القرآن جزءًا من نظام حياته، وكان التدين فيه ممارسةً يومية لا ثقافةً نظرية، كان والده الحاج مصطفى الزحيلي حافظًا لكتاب الله، معروفًا بالعبادة والصيام والتمسك بالسنة، عالي الهمة، حريصًا على أن يسلك أبناؤه طريق العلم، وكانت والدته امرأة صالحة شديدة الورع والتمسك بالشريعة، وبين أب يحمل القرآن ويعيش به، وأم تجعل التقوى خُلُقَ البيت، تلقَّى الطفلُ أولَ دروسه قبل أن يعرف المدارس والجامعات.
ومن اللافت أن صلتَه بالعلم بدأت من القرآن نفسه؛ إذ توجه في طفولته إلى أحد كتاتيب بلدته، فتلقى القرآنَ على يد امرأة حافظة صالحة وأتقن تلاوته وتجويدَه، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية الرسمية في دير عطية وأتم دراسته فيها، وهكذا اجتمع في تكوينه المبكر مساران لم يريا نفسَيهما متناقضين: الكتّاب والمدرسة، والقرآن والتعليم النظامي، وسيظل هذا الجمع بين الموروث والمعاصر سمة ظاهرة في شخصيته العلمية فيما بعد.
ولم تكن دير عطية لتتسع لطموح الفتى العلمي طويلًا، ففي سنة 1946م، وكان في الرابعة عشرة من عمره، انتقل إلى دمشق لمتابعة دراسته، والتحق بالثانوية الشرعية التي كانت تسمى كلية الشريعة، وأمضى فيها ست سنوات، ثم تخرج سنة 1952م متصدرًا جميع المتقدمين، ولم يكن هذا التفوق حدثًا عابرًا في سيرته؛ إذ تكشف المراحل اللاحقة أن الرجل كان منذ شبابه يتعامل مع التحصيل العلمي بوصفه مشروع حياة لا مرحلة تعليمية تنتهي بشهادة.
ومن دمشق بدأت الرحلة الكبرى إلى مصر، وكانت القاهرة في ذلك الزمن ملتقى مدارس علمية متعددة: الأزهر بتراثه الشرعي واللغوي، والجامعة المصرية بمناهجها الحديثة، ومدرسة الحقوق بما تفتحه من أبواب المقارنة بين الشريعة والقانون، ولعل هذه المرحلة تفسر جانبًا كبيرًا من تكوينه اللاحق؛ فالزحيلي الذي سيكتب بعد عقود في الفقه المقارن، وأصول الفقه، والنظريات الفقهية، والعلاقات الدولية، والحقوق، والمعاملات، والسياسة الشرعية لم يتكون في مسار معرفي أحادي، بل التقت في عقله منذ شبابه علومُ الشريعة وفنونُ اللغةُ ومجالاتُ القانون.
حصل سنة 1956م على الشهادة العالية في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة بالأزهر بتقدير ممتاز، ثم نال سنة 1957م إجازة التخصص بالتدريس من كلية اللغة العربية بالأزهر، وفي السنة نفسها حصل على إجازة الحقوق من جامعة عين شمس، ولم يتوقف عند ذلك، بل واصل الدراسات العليا في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، قسم الشريعة، فنال الماجستير سنة 1959م، ثم أعد أطروحته للدكتوراه بعنوان "آثار الحرب في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة"، وحصل بها سنة 1963م على الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى، والعنوان نفسه دال على الوجهة التي ستتبلور في مشروعه: فقه مؤصل، ودراسة مقارنة، ووعي بالقانون، وانشغال بقضايا تتجاوز أبواب العبادات والمعاملات التقليدية إلى العلاقات بين الدول والمجتمعات، فلقد كانت البذرة التي ستثمر بعد ذلك عشرات الكتب والبحوث قد أخذت شكلها منذ مرحلة التكوين.


ثانيًا: بين شيوخ الشام وأعلام مصر.. اجتماع العلم والعمل
إذا كان البيت قد منحه الجذر الإيماني، والجامعة قد منحته أدوات التخصص، فإن الشيوخ هم الذين منحوا شخصيته العلمية ملامحَها الإنسانية والمنهجية، وربما كان من أعظم حظوظ وهبة الزحيلي أن الله هيأ له طبقة استثنائية من العلماء في الشام ومصر؛ رجالًا لم يكونوا ناقلي معلومات فحسب، وإنما كانوا يمثلون مدارس كاملة في العلم والتربية والدعوة والإصلاح.
في دمشق درس الفقه على الشيخ محمد هاشم الخطيب، خطيب الجامع الأموي وأحد رجال التربية والتعليم، وتأثر به في فهم الإسلام وتوجيه الناس إليه، كما أخذ الفقه عن الشيخ عبد الرزاق الحمصي، الذي تولى الإفتاء في الجمهورية السورية، ودرس الحديث على الشيخ محمود ياسين، والفرائض والأحوال الشخصية على الفقيه الحنبلي الشيخ حسن الشطي، والتفسير على الشيخين حسن حبنكة الميداني وصادق حبنكة، وأخذ البلاغة والأدب عن الشيخ صالح الفرفور، وأصول الفقه ومصطلح الحديث عن الشيخ محمد لطفي الفيومي، والعقائد والكلام عن الشيخ محمود الرنكوسي.
وليست القيمة في كثرة هذه الأسماء وحدها، وإنما في تنوع الحقول والمدارس التي تمثلها؛ فقد تلقى الفقه والحديث والتفسير والعقيدة والأصول والفرائض واللغة والأدب على رجال مارسوا العلم والتعليم والدعوة والعمل العام، ولم يكن العلم في المدرسة الشامية منفصلًا عن السلوك؛ فالشيخ الذي يدرِّس الفقه هو نفسه الذي يعظ الناس ويربيهم، والعالم الذي يشرح النصوص يحمل هم المجتمع ويشارك في مؤسساته.
ثم جاءت المدرسة المصرية لتضيف إلى هذا التكوين بعدًا آخر؛ ففي مصر التقى الزحيلي جيلًا من كبار المجددين في الدراسات الفقهية والأصولية، وفي مقدمتهم الإمام محمد أبو زهرة، أحد أبرز فقهاء القرن العشرين، بل إمام عصره بلا منازع، الذي يظهر أثره بوضوح في طريقة الزحيلي في الكتابة الفقهية: تحرير المسألة، واستعراض المذاهب، وإقامة الأقوال على أدلتها، ثم المقارنة والترجيح بلغة علمية واضحة بعيدة عن التعقيد.
كما تلقى عن الشيخ محمود شلتوت، الفقيه المصلح وشيخ الأزهر، وعن الشيخ عبد الرحمن التاج، والشيخ عيسى منون، والعلامة الفقيه محمد علي الخفيف، الذي جمع هو الآخر بين الفقه والقضاء والدراسة القانونية، وكان اجتماع هؤلاء في مرحلة تكوينه ذا أثر عميق في بناء ذلك العقل الذي سيحاول لاحقًا أن يصل الفقه الموروث بالحياة المعاصرة، والمذاهب بعضها ببعض، والشريعة بالقانون، والنص بالواقع.
وقد لخص الزحيلي بنفسه الفرق والتكامل بين المدرستين في عبارة بالغة الدلالة حين قال: "أخذت عن شيوخ مصر العلم، وتعلمت من شيوخ الشام العمل بالعلم والورع".
وهذه العبارة تصلح مفتاحًا لفهم جانب كبير من شخصيته؛ فهي لا تقيم مفاضلة بين المدرستين بقدر ما تكشف عما أخذه هو من كل منهما: في مصر ازداد رسوخًا في الصناعة العلمية، والمقارنة الفقهية، والدراسة المنهجية الحديثة؛ وفي الشام عاش نموذج العالم الذي لا تنفصل معرفته عن عبادته وورعه وسلوكه.
ومن هذا المزيج نشأت واحدة من أهم خصائص الزحيلي: "الموسوعية المنضبطة"، فلم يكن انفتاحه على المذاهب ذوبانًا فيها، ولا معرفته بالقانون تبعيةً له، ولا اشتغاله بالقضايا المعاصرة قطيعةً مع التراث، ولكنه كان يتحرك بين هذه الدوائر وفي يده ميزان الفقيه الأصولي، ولهذا استطاع أن يخاطب طالب العلم التقليدي، والباحث الجامعي، والقانوني، والمفتي، والقارئ العام، دون أن يفقد لغته العلمية وهويته الشرعية.


ثالثًا: مشروع بحجم مكتبة.. موسوعية العلم ووحدة المشروع
ربما تكون أكثر الصور اختزالًا لحياة وهبة الزحيلي تلك التي رواها أحد تلاميذه عنه: الفقيه الدكتور أسامة الحموي؛ إذ ذكر أنه كان كثير الزيارة له في بيته، وأن الشيخ أخبره بأنه قد يجلس للتأليف ست عشرة ساعة في اليوم، لا يقوم خلالها إلا للصلاة أو الطعام، وحين توضع هذه الساعات إلى جوار عقود ممتدة من العمر، يصبح من الممكن أن نفهم كيف استطاع رجل واحد أن يترك وراءه إنتاجًا يقترب من عمل مؤسسة علمية كاملة.
فقد بلغت مؤلفاتُه وبحوثه ومقالاته مئاتِ الأعمال، وتجاوزت كتبُه ورسائله المطبوعة وحدها المئة والثلاثين، فضلًا عن بحوث الموسوعات، وأعمال المؤتمرات والمجامع الفقهية، والتحقيقات، والمقالات، غير أن الوقوف عند الرقم قد يحجب ما هو أهم منه؛ لأن قيمة الزحيلي ليست في أنه كتب كثيرًا فحسب على أهميته وغزارته، وإنما في أن هذا الإنتاج، على اتساعه، ينتظم في مشروع يمكن تبين معالمه.
في مركز هذا المشروع يقف الفقه الإسلامي، وقد أدرك الزحيلي أن الفقه المذهبي الذي تراكم عبر قرون يملك ثروة هائلة، لكن هذه الثروة تحتاج إلى إعادة عرض تجعلها متاحة لطالب العصر وباحثه، من غير أن تفقد عمقها أو صلتها بأدلتها، ومن هنا جاء عمله الأشهر "الفقه الإسلامي وأدلته"، الذي لم يكن كتابًا في مذهب واحد، ولا موسوعة تجمع الأقوال جمعًا آليًّا، وإنما محاولة واسعة لعرض الفقه الإسلامي عبر مذاهبه وأدلته، مع المقارنة والترجيح وربط كثير من مسائله بالواقع القانوني والمعاصر.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه جسَّد عمليًّا الفكرة التي حكمت جانبًا كبيرًا من مسيرته: أن المذاهب الفقهية ثروة للأمة، لا جزر متخاصمة داخلها؛ ولذلك لم يكن القارئ مضطرًّا، وهو يقرأ له، إلى أن يغادر مذهبه كي يفهم مذهب غيره، ولا أن يتعصب لمذهب حتى ينتصر له، ولكن كان الزحيلي يضع الآراء على مائدة البحث: يعرض أدلتها، ويبين مناشئ اختلافها، ثم يرجح حيث يقتضي المقام الترجيح.
وإلى جوار الفقه جاء أصول الفقه، فكان كتابه الكبير "أصول الفقه الإسلامي" تعبيرًا عن إدراكه أن الفقه لا يستقيم بلا منهج يولده ويضبطه، ومن هنا لم تكن عنايته بالأصول منفصلة عن عنايته بالفروع؛ فالأصول عنده صناعة للعقل الفقهي، والفقه ثمرة لهذه الصناعة، ثم قدم “الوجيز في أصول الفقه” لتقريب هذا العلم إلى دائرة أوسع من الطلاب والدارسين.
أما الضلع الثالث في مشروعه فهو القرآن الكريم، وقد بلغ فيه ذروة إنتاجه الموسوعي في "التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج"، والعنوان نفسه يكشف تصوره للتفسير؛ فالقرآن عنده ليس مصدرًا للأحكام وحدها، ولا مجالًا للبيان اللغوي وحده، وإنما كتاب عقيدة وشريعة ومنهج وهداية، ثم عاد فقدم “التفسير الوجيز” و “التفسير الوسيط” ، وكأنما أراد أن يقدم خطاب القرآن في مستويات متعددة تناسب اختلاف القراء وحاجاتهم.
غير أن المشروع لا يكتمل بهذه الدوائر الثلاث وحدها؛ فقد كان الزحيلي شديد الانشغال بقدرة الفقه الإسلامي على الإجابة عن أسئلة العصر، ولهذا كتب في نظرية الضرورة، والرخص الشرعية، والضمان والمسؤولية، والعلاقات الدولية، وآثار الحرب، والسياسة الشرعية، وحقوق الإنسان، والشورى، وتقنين الفقه، والمعاملات المالية، والقضايا الطبية والاقتصادية المعاصرة، وشارك في المجامع الفقهية والندوات المتخصصة، فكان علمه يتحرك باستمرار بين الكتاب والواقع، وبين الجامعة والمجمع الفقهي، وبين التأصيل النظري والنازلة المعاصرة.
ومن هنا يصعب اختزال وهبة الزحيلي في وصف "غزير التأليف"، فإن الغزارة تصف كمية الإنتاج، لكنها لا تصف فلسفته، والأقرب إلى حقيقة مشروعه أنه سعى إلى أن يجعل التراث الفقهي العظيم قابلًا للقراءة والاستثمار في العصر الحديث؛ يرتبه، ويقارنه، ويربطه بأدلته، ويفتحه على القانون والنوازل والتحولات الاجتماعية، من غير أن يقطع حبله بأصوله ومذاهبه ومصادره.
لقد كان يبني، كتابًا بعد كتاب، جسرًا بين مكتبة الفقه القديمة وأسئلة الإنسان المعاصر، ولعل هذا هو أحد أسرار الانتشار الاستثنائي لمؤلفاته؛ فلم تبق حبيسة مكتبة المتخصص، بل دخلت الجامعات والمعاهد، ورجع إليها الباحثون والمفتون، وترجم بعضها إلى لغات أخرى، وأصبحت أعمال مثل “الفقه الإسلامي وأدلته” و “أصول الفقه الإسلامي” و “التفسير المنير” من العلامات الأبرز التي اقترن بها اسمه.
لكن الكتب، مهما كثرت، لا تكفي وحدها لتفسير ظاهرة وهبة الزحيلي؛ فخلف هذه المكتبة كان هناك منهجٌ فقهي مخصوص، وورعٌ شديد، وانضباطٌ نادر، وأخلاقُ عالمٍ عاش للعلم كما كتب عنه، وتلك هي الجهة الأخرى من صورته التي تستحق أن تُقرأ.


رابعًا: فقيه المذاهب.. الفقه المقارن ورحابة الاجتهاد
إذا كان اتساع التأليف أبرز ما يلفت النظر في تجربة وهبة الزحيلي، فإن وراء هذا الاتساع سمةً أعمق وأبقى أثرًا، هي طريقته في النظر إلى الفقه الإسلامي بوصفه تراث أمة لا ملكًا لمذهب واحد؛ فقد كان شافعيَّ المذهب في تكوينه الفقهي، لكنه لم يحبس نفسَه داخل حدوده، ولم يجعل الانتماء المذهبي حاجزًا يمنعه من الإفادة من سائر المدارس، بل تحرك في فضاء الفقه الإسلامي الواسع بعقل المقارن، وأمانة الباحث، وروح العالم الذي يدرك أن اختلاف المجتهدين إذا استقام على أصوله ليس تمزيقًا للشريعة، وإنما مظهر من مظاهر سعتها ومرونتها وثرائها.
وهذه السمة ليست موقفًا نظريًّا يعلن في المقدمات ثم يختفي عند التطبيق؛ وإنما يمكن للقارئ أن يراها متجسدة في معظم كتبه الفقهية؛ فهو يبدأ بتحرير المسألة، ثم يعرض مذاهب الفقهاء وأقوالهم، ويذكر أدلتهم ما استطاع، ويناقش وجوه الاستدلال، ثم ينتهي إلى ما يراه أرجح أو أوفق بالمقصد والواقع، من غير تهوين من شأن المخالف، ولا تحويل للخلاف العلمي إلى معركة مذهبية، وهنا تكمن واحدةٌ من أهم مزايا منهجه: أنه كان يعلِّم قارئه كيف يختلف قبل أن يخبره بماذا يأخذ.
ولهذا نفر من التعصب المذهبي، مع احتفاظه العميق بتقدير المذاهب وأئمتها؛ فالتحرر من التعصب عنده لم يكن خروجًا على المذهبية العلمية، كما أن الانتساب إلى مذهب لم يكن عنده استسلامًا للتقليد الجامد، وبين هذين الطرفين شقَّ لنفسه طريقًا يقوم على احترام الاجتهاد الموروث، واستيعاب ثروته، والإفادة من مناهجه، مع إبقاء باب النظر والترجيح والاجتهاد مفتوحًا لمن استجمع آلتَه وتحققت فيه شروطُه.
ولعل هذا المنهجَ يفسر شيئًا من الانتشار الواسع لكتاب “الفقه الإسلامي وأدلته” في بيئات فقهية ومذهبية شديدة التنوع؛ إذ يجد الحنفي فيه مذهبه معروضًا إلى جوار الشافعي والمالكي والحنبلي وغيرهم، ويستطيع القارئ أن يرى المسألة من أكثر من زاوية من غير أن يشعر أن المؤلف يسوقه قسرًا إلى موقف مذهبي سابق على البحث، وبذلك أسهم الكتابُ، إلى جانب قيمته المرجعية، في تشكيل وعي أجيال من الطلاب بفكرة الفقه المقارن نفسه: أن معرفة قولك لا تكتمل أحيانًا إلا بمعرفة قول غيرك، وأن قوة المذهب لا تحتاج إلى إخفاء أدلة مخالفه.
ولم يتوقف حسُّه المقارن عند حدود المذاهب، وإنما امتد إلى العلاقة بين الفقه والقانون؛ فقد أتاحت له دراسته القانونية المبكرة أن يفهم اللغة التي تتحدث بها النظم التشريعية الحديثة، وأن يدرك طبيعة الأسئلة التي تطرحها الدولة والمؤسسات والعقود والعلاقات الدولية والمسؤولية المدنية والجنائية، ولذلك حضرت المقارنة القانونية في عدد من مؤلفاته من غير أن تتحول إلى مرجعية حاكمة على الفقه؛ فالقانون عنده مجال للمقارنة والإفادة والتحليل، أما نقطة الانطلاق والمرجعية فبقيتا للشريعة وأصولها.
وهذه المزاوجة بين التكوين الفقهي والقانوني جعلته مؤهلًا لمعالجة موضوعات كان بعض الدرس الفقهي التقليدي أقل حضورًا فيها؛ من آثار الحرب والعلاقات الدولية إلى الضمان والعقود والسياسة الشرعية وحقوق الإنسان والمعاملات المالية المستجدة، وكانت مشاركاته المتتابعة في المجامع الفقهية والهيئات العلمية امتدادًا طبيعيًّا لهذا الاتجاه؛ لأن فقه النوازل لا يصنعه الانكفاء على الكتب وحدها، وإنما يحتاج إلى معرفة دقيقة بالواقع وإلى حوار بين الفقيه والاقتصادي والطبيب والقانوني وسائر أهل الاختصاص.
ومن هنا لم تكن “المعاصرة” عند الزحيلي شعارًا لإزاحة التراث، كما لم تكن “الأصالة” ذريعةً للهروب من الحاضر، كان يبحث عن المعادلة التي تحفظ للشريعة أصولَها، وللاجتهاد حيويتَه، وللواقع حقَّه في الفهم، وقد نجح في مساحات واسعة من مشروعه في تقديم نموذجٍ للفقيه الذي يعيش عصرَه دون أن يكون أسيرًا له، وينتمي إلى تراثه دون أن يكون سجينًا فيه.
ومع ذلك ظل للفتوى عنده مقامٌ خاص، لا يُختزل في استخراج حكم من كتاب، ولا في انتقاء قول من الأقوال؛ فلقد عُرف عنه شدةُ الورع في الفتوى، وكأنما كان يدرك أن وفرة المعرفة لا تخفف من ثقل الكلمة التي تُنسب إلى الشرع، بل تزيد صاحبها إحساسًا بالمسؤولية، فكلما اتسعت أمام الفقيه أبواب الأقوال، ازداد احتياجه إلى التثبت في اختيار ما ينسبه إلى حكم الله في أحوال الناس ودمائهم وأموالهم وأسرهم ومعاملاتهم.
ولم يكن ورعُ الزحيلي في الفتوى يحمله على الصمت حين يرى أن مقام البيان يقتضي كلمةً صريحة؛ فقد كان قويًّا في الحق، مستقلًّا في موقفه العلمي، لا تمنعه مكانةُ المخالف ولا منصبه من إعلان ما يراه حكم الشرع، وقد شهدتُ بنفسي صورةً لافتة من ذلك في مؤتمر "الفتوى في عالم مفتوح بين الواقع الماثل والأمل المرتجى"، الذي عقده المركز العالمي للوسطية في الكويت سنة 2007م؛ ففي أثناء مناقشة مسألة فوائد البنوك، عرض الدكتور علي جمعة، وكان يومئذ مفتي الديار المصرية، رأيه في المسألة بإباحتها وأنها ليست ربا، فاعترض عليه الدكتور محمد سليم العوا وناقشه، ثم تصدى له الدكتور وهبة الزحيلي بقوة ظاهرة كالأسد الهصور والموج الهدور، محتجًّا بأن موقفه الذي يطرحه يومئذ يخالف ما كان قد صدر عنه من قبل في المسألة نفسها قبل توليه الإفتاء، كما يخالف ما استقر عليه رأيُ جمهور من الفقهاء المعاصرين وقرارات المجامع الفقهية الدولية في الفوائد الربوية، وكان الزحيلي في موقفه شديدًا صريحًا، لا يعرف المداهنة فيما يعتقد أنه حكم شرعي يجب بيانه، حتى احتدم النقاش وتوتر جو المؤتمر، وانتهى الأمر إلى تدخل الإمام يوسف القرضاوي وعقد جلسة للمصالحة وتهدئة ما نشأ بين الأطراف، وقد بقي ذلك المشهد في الذاكرة شاهدًا على جانب أصيل من شخصية الزحيلي: أن هدوء العالم وتواضعه ولين جانبه في معاشرة الناس لا تقتضي ولا تعني ضعفًا في الموقف؛ فإذا تعلق الأمر بما يراه حقًّا شرعيًّا، ظهرت صلابةُ الفقيه واستقلاله، ولم يكن للمنصب عنده سلطان على الكلمة العلمية.
ولم تقف صراحته عند حدود الخلاف الفقهي، بل امتدت إلى الموقف من السلطة حين تعلق الأمر بالدماء والظلم، وقد ظل الزحيلي مقيمًا في سورية في سنواته الأخيرة، غير أن بقاءه فيها لم يكن تعبيرًا عن رضاه عما جرى من قتلٍ وقمعٍ وسفكٍ لدماء السوريين، وقد سمعتُ منه في جلسة خاصة موقفًا صريحًا شديدًا من بشار الأسد وما ارتكبه نظامه بحق الشعب السوري، حتى إنه اعتقل في بداية الثورة؛ حيث اعتقله عميد بالسياسية فرع الجُبَّة، وهذا ما لا يعرفه الكثيرون، حتى ذهب رجل دين مسيحي كبير، وطالب بإخراجه وهدد العميدَ، وقال له: "الدكتور وهبة عالم كبير ونحن نحترمه وهو يمثل المسلمين والمسيحيين، ويجب أن يخرج فورًا، ولن أذهب حتى يخرج"، واستجابوا له وأخرجوه بالفعل!
وتحدث إليَّ العلامة الزحيلي في هذا اللقاء بعبارات قوية تكشف مقدار إنكاره لتلك الجرائم وبراءته منها وانحيازه إلى المظلومين، وأتحفظ عن نقل الألفاظ التي سمعتها منه؛ لأنها قيلت في مجلس خاص، لكن معناها وموقفه لم يكونا يحتملان لبسًا: كان رافضًا لسفك الدماء، منكرًا للظلم، متبرئًا مما ارتُكب بحق أبناء بلده، وهكذا لقيَ الله تعالى وقد بقي موقفُه، كما عرفته منه مباشرة، منحازًا إلى حرمة الدم الإنساني وحق المظلوم، غير مبدل في ذلك ولا مداهن.
وهذا الجمع بين سعة الفقه وورع الفتوى ورجولة الموقف هو ما يمنح تجربته دلالة تتجاوز كتبه إلى نموذج العالم نفسه؛ فالفقه ليس استعراضًا لسعة الاطلاع، والفتوى ليست مجالًا لإظهار سرعة الجواب، والاجتهاد لا يستقيم بغير خشية تحمل صاحبه على التريث حين يجب التريث، وعلى الإمساك حين يكون الإمساك أولى من الكلام.


خامسًا: ست عشرة ساعة مع الكتاب.. بركةُ العمر وهمة العلم وأخلاقُ العالم
لا تكفي العبقرية وحدها لصناعة منجز بحجم منجز وهبة الزحيلي، وقد يمتلك المرء ذاكرةً قوية وذكاءً متوقدًا وتكوينًا متينًا، ثم يخرج من الدنيا ولم ينجز إلا قليلًا؛ لأن الفارق بين القابلية والإنجاز تصنعه في الغالب خصلة أخرى: "إدارة العمر".
وكان الزحيلي من أولئك الذين أدركوا مبكرًا أن الزمن هو رأس مال العالم الحقيقي؛ فلا تكاد أوصاف تلاميذه وعارفيه تخلو من الإشارة إلى محافظته المدهشة على وقته، وصلته المستمرة بالكتاب، وسرعته في القراءة، وصبره الطويل على البحث والكتابة، ومن أبلغ ما رُوي في ذلك شهادة د. أسامة الحموي الذي كان كثير الزيارة له في بيته، فذكر أن الشيخ أخبره أنه يجلس للتأليف ست عشرة ساعة، لا يقوم إلا للصلاة أو الطعام.
هذه ليست حكاية عن كثرة العمل فحسب، وإنما مفتاحٌ لفهم مكتبة كاملة؛ فإذا كان اليوم عند كثير من الناس يتبدد بين الشواغل الصغيرة، فقد كان اليوم عند الزحيلي يتحول إلى صفحات، والصفحات إلى كتب، والكتب إلى مشروع علمي امتد عقودًا؛ ولهذا لم يكن غريبًا أن يخرج من بين يديه ذلك العددُ الكبير من المؤلفات والبحوث والمقالات، وأن يجمع بين التدريس الجامعي، والإشراف والمناقشة، والمشاركة في المؤتمرات والمجامع، والكتابة الموسوعية المتواصلة.
ولعل من أبلغ ما يكشف سرَّ هذه الغزارة العلمية ما سمعتُه منه مباشرة حين التقيتُه في أحد المؤتمرات بسلطنة عُمان: "ندوة تطور العلوم الفقهية" سنة 2014م، فسألتُه عن هذا الإنتاج المتدفق، وكيف يتسنى له أن يقرأ ويكتب بهذا المقدار، فأخبرني أنه وضع لنفسه "نظامًا عسكريًّا" في القراءة والكتابة، لا يكاد ينخرم إلا لسفر أو مرض؛ يبدأ يومه العلمي من بعد صلاة الفجر، ويمتد به إلى ما بعد العشاء، لا يقطعه إلا أداء الصلوات، وتناول الطعام، وما لا بد منه من شؤون الإنسان وحاجاته الشخصية.
عندئذ بدا لي أن سرَّ هذه الموسوعية لم يكن في قوة الحافظة وسعة العلم وحدهما، وإنما في ذلك الانضباط الصارم الذي حوَّل أيامه إلى وحدات إنتاج، وسنواته إلى كتب، وعمره كله إلى مشروع علمي متصل، وما يُرى في رفوف المكتبات اليوم من تفسير وفقه وأصول وبحوث ودراسات لم يكن ثمرة ومضات هامشية من النشاط، بل حصيلة حياة أُخضعت لنظام دقيق، وأُعطي العلم فيها صفوة الوقت وأطول ساعاته، ولعل هذا أحد المعاني العملية لبركة العمر: ألا تكون البركة في امتداد السنين وحده، بل في مقدار ما يُودَع فيها من علم نافع وعمل صالح ونفع باقٍ.
وقد حُبي إلى جانب ذلك ذاكرةً قوية كانت موضعَ إعجاب من عرفوه، ومن الروايات الدالة أنه كان يحضر أحيانًا مناقشة بعض الرسائل الجامعية من غير أن يصطحب مذكراته، ثم يستعرض جوانبها ويشير إلى مواطن الملاحظة فيها، محددًا مواقع النقد اعتمادًا على ما استقر في ذاكرته، وهو ما كان يفعله شيخه الإمام محمد أبو زهرة، كما حكى لنا أساتذتنا، غير أن قوة الحافظة نفسها لم تكن منفصلة عن ذلك الاتصال اليومي بالقراءة؛ فالذاكرة التي تُغذَّى باستمرار تختلف عن ذاكرة تتكل على موهبتها الطبيعية.
وكان سريع القراءة، كثير الملازمة للكتاب، قادرًا على البقاء ساعاتٍ طويلةً بين المصادر من غير ملل، وهنا نقترب من حقيقة ينبغي ألا تضيع تحت بريق الأرقام: لم يترك وهبة الزحيلي مئات الأعمال لأنه امتلك وقتًا أكثر من غيره؛ فاليوم عند الناس جميعًا أربع وعشرون ساعة، وإنما لأنه أعطى العلم من يومه ما لا يعطيه له إلا القليل.
ومع قوة العزيمة لم يتحول الرجل إلى آلة علمية جافة؛ حيث تصفه الشهادات بأنه كان حسن الخلق، طيب المعاملة، دائم البشر، لطيف المعشر، يألف ويؤلف، قريبًا من طلابه، حريصًا عليهم وعلى أوقاتهم، يستجيب لدعواتهم ويشاركهم مناسباتهم، وكان تواضعه تواضع العالم الواثق، فلا يرفعه علمه على الناس كبرًا، ولا يحمله التواضع المصطنع على إسقاط هيبة العلم ومكانة صاحبه؛ بل جمع بين تواضع النفس وعزة العالم.
وكان وفيًّا لشيوخه، لا يكاد يذكرهم إلا بخير، وتلك خصلة لها دلالتها في زمن قد يظن فيه بعض الناس أن إثبات الذات يقتضي التقليل من السابقين، أو تهميشهم وتغييبهم، وهذا لا يفعله "مليء"، بل يقوم به الفارغون من ذوي الصلف الأجوف! أما هو فكان يرى نفسه حلقةً في سلسلة، ويعلم أن العالم لا يبدأ من نفسه، وأن الاعتراف بفضل المعلمين ليس مجاملة أخلاقية بل أمانة علمية.
وامتد وفاؤه للعلماء – كما حدثني بعض تلاميذه - إلى من اتخذهم قدوةً وإن لم تتصل بهم صحبته المباشرة؛ فقد نقل عنه الدكتور أسامة الحموي قوله: "قدوتي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشيخ بدر الدين الحسني"، وكان شديد المحبة له، يحتفظ بصورته في غرفة ضيوفه، ويذكر عبادته وعلمه بإعجاب بالغ، ويصفه بـ«عالم العلماء». وهي إشارة كاشفة إلى النموذج الذي كان الزحيلي يعظمه في نفسه: العالم الذي لا تنفصل غزارة علمه عن كثرة عبادته.
وخلف هذا كله كانت هناك صلة روحية تُفسر، في نظره هو، سر النجاح كله؛ فلقد كان يستحضر قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، وكان يقول: “إن سر النجاح في الحياة إحسان الصلة بالله عز وجل".
وتكشف هذه العبارة عن ترتيب الأولويات في وعيه؛ فالكتاب لم يكن بديلًا عن المحراب، وكثرة التأليف لم تكن حجابًا عن العبادة، والعلم نفسه لم يكن مستقلًا عن تزكية صاحبه، ومن هنا يصبح من المفهوم قوله: إن التأليف بقصد نفع الناس وتبصيرهم بدينهم ودعوتهم إلى الله من أجلِّ العبادات بعد أداء الفرائض، لقد كان يرى الكتابة وظيفة رسالية، لا مجرد وسيلة للترقي الأكاديمي أو تكثير العناوين في السيرة الذاتية.
ولم تكن صلته بالله معنى يردده في كلمات الوعظ، بل كانت نظامًا ظاهرًا في حياته اليومية. ويروي تلميذه الدكتور أسامة الحموي أنه ما كان يرى الزحيلي يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل درس أو اجتماع؛ فإذا أذّن المؤذن وهو في اجتماع للقسم قطع الاجتماع وذهب إلى الصلاة، وإذا كان في محاضرته توقف عنها وأدّى الصلاة، كما لم يره يترك سنن الصلاة، وكان يحمل معه في أسفاره سجادةً يصلي عليها؛ فإذا أدركته الصلاة في مطار ولم يجد مسجدًا بسط سجادته وأقام صلاته حيث تيسر له ذلك. وتكشف هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها عن معنى كبير في حياة العالم؛ فقد كان العلم عنده محكومًا بالعبادة، ولم تكن كثرة التأليف والاجتماعات والأسفار تمنحه عذرًا لتأخير الصلة التي رأى فيها أصل التوفيق والبركة.
ويروي الحموي موقفًا آخر لا يقل دلالة على تواضعه وقبوله للنصيحة؛ فقد كان الزحيلي يدرّسه الأحوال الشخصية في السنة الثالثة، وكان يداعبه أحيانًا بلقب «مفتينا». فسأله الطالب يومًا، بعد أن استأذنه في سؤال فيه شيء من الجرأة، عن سبب عدم إطلاقه لحيته، فأجابه بأنه شافعي ويرى أنها سنة عند الشافعية، فقال له تلميذه: لكنها سنة على كل حال. ولم يغضب الأستاذ الكبير من سؤال تلميذه، ولم ير في مكانته العلمية ما يمنعه من مراجعة نفسه؛ بل يذكر الحموي أنه فوجئ في المحاضرة التالية بأستاذه وقد بدأ بإطلاق لحيته، وأن ذلك عظَّم مكانته في نفسه؛ لأنه رأى عالمًا كبيرًا يقبل النصيحة ممن هو دونه سنًّا وعلمًا متى ظهر له وجهها. وليس موضع العبرة هنا في المسألة الفقهية نفسها، وإنما في خُلُق العالم أمام النصيحة؛ فالتواضع للحق أصعب من التواضع للناس، وقبول المراجعة من التلميذ امتحان دقيق لما يتركه العلم في نفس صاحبه.
وإذا صح أن الإنسان هو مجموع ما ينفق فيه عمره، فإن سيرة الزحيلي تقدم درسًا بليغًا لطلاب العلم: أن الموسوعية لا تنشأ من التشتت، بل من الانضباط؛ وأن كثرة الإنتاج ليست ضد الإتقان بالضرورة إذا وُجدت الآلة العلمية وطول النفس؛ وأن البركة التي يبحث عنها العلماء في أعمارهم لا تنفصل عن التقوى، والعمل، وحراسة الوقت من الضياع.


سادسًا: “أحببته كحبي لوالدي".. بقاءُ الأثر بعد رحيل العالم
ربما تكون بعض الشهادات الوجدانية أصدق في الكشف عن أثر العالم من عشرات الألقاب والمناصب، وقد لخَّص الأستاذ الدكتور أسامة الحموي - أحد تلاميذ العلامة وهبة الزحيلي الأوفياء الفقهاء - علاقته به في كلمات قليلة شديدة الدلالة: "أحببته كحبي لوالدي"، ومثل هذه العبارة لا تصنعها الكتب وحدها، ولا تمنحها الرتب الجامعية، ولا تجلبها كثرة المؤلفات؛ وإنما تنشأ حين يتحول العلم في صاحبه إلى خلق، والمعرفة إلى رحمة، والأستاذية إلى أبوة.
لقد كان الزحيلي أستاذًا في جامعة دمشق منذ حصوله على الدكتوراه سنة 1963م، ثم ترقى في درجاتها العلمية حتى الأستاذية، وتولى فيها مسؤولياتٍ أكاديميةً وإدارية، كما درّس في جامعات عربية عديدة، ولا سيما في ليبيا والسودان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وشارك عضوًا وخبيرًا في مجامع فقهية وهيئات علمية ورقابية، وأسهم في مؤتمرات وندوات امتدت موضوعاتُها من الزكاة والمعاملات المالية إلى القضايا الطبية والعلاقات الدولية والفكر الإسلامي.
غير أن المناصب، على كثرتها، لم تكن هي التي صنعت بقاءه؛ فالمناصب تنتهي حين يغادرها أصحابها، أما التعليم والتأليف وتكوين الرجال فلها زمن آخر، وقد انتهت رئاسته لهذا القسم أو عضويته في تلك الهيئة، لكن “الفقه الإسلامي وأدلته” ما زال يُفتح، و “التفسير المنير” ما زال يُقرأ، و“أصول الفقه الإسلامي” ما زال يرجع إليه الطالب والباحث، وبحوثه في النوازل والقضايا المعاصرة ما زالت جزءًا من مادة الدرس الفقهي الحديث.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة في حياة العلماء: يموت الجسد الذي كان يجلس إلى المكتب ساعاتٍ طويلةً، ويبقى ما كتبه في تلك الساعات قادرًا على عبور البلاد والأجيال، وتسكن اليد التي كانت تقلب الصفحات، لكنَّ الصفحاتِ التي خرجت منها تظلُّ تتحرك بين أيدي القراء، وينقطع صوتُ الأستاذ في قاعة الدرس، ثم تستأنف كتبه ذلك الدرس في قاعات لم يدخلها، وبلاد ربما لم يزرها، وأجيال وُلدت بعد رحيله.
وليس معنى هذا أن مشروعه فوق النقد؛ فالعالم مهما اتسعت معارفُه يبقى ابنَ اجتهادِه وزمانه، يُصيب ويخطئ، ويؤخذ من قوله ويرد، وليس الوفاء للعلماء بتحويلهم إلى رموز معصومة، وإنما بمعرفة أقدارهم، وإنصافِ منجزهم، والإفادةِ من صوابهم، والكتابةِ عنهم في رسائلَ علميةٍ وبحوثٍ أكاديمية، ومناقشةِ ما يحتاج إلى المناقشة بأدب العلم، ولعلَّ الزحيليَّ نفسَه، الذي تربى على الفقه المقارن واحترام تعدد الاجتهادات، كان أبعد الناس عن أن يجعل القارئُ كلامَه نهايةً للفقه أو اجتهادَه آخرَ النظر.
لكن التقويم المنصف لتجربته لا يستطيع أن يتجاوز حقيقة كبرى: أن الرجل كان واحدًا من أبرز من خدموا عَرضَ الفقه الإسلامي في العصر الحديث وتقريبَه وإعادةَ تنظيم مادتِه وربطَه بأدلته وأسئلة زمانه، كما كان له إسهامٌ بارز في التفسير والأصول، وفي إدخال قضايا الواقع الحديث إلى دائرة البحث الفقهي الجامعي والمجمعي، وفي تقديم تراث المذاهب بلغة قادرة على الوصول إلى طالب الجامعة والقانوني والباحث المتخصص.
وقد اجتمع له ما لا يجتمع دائمًا في شخصية واحدة: الشيخ والأستاذ الجامعي، والفقيه والقانوني، والمفسر والأصولي، والمؤلف والمفتي، وصاحب التراث والباحث في النازلة المعاصرة، وليس معنى اجتماع هذه الصفات أنه بلغ في كل حقل مبلغَ المتخصص المتفرغ له وحده، وإنما قيمتُه في قدرته على أن يصل بين هذه الحقول ويجعل بعضَها يخدمُ بعضًا داخلَ رؤيةٍ علمية واحدة.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للوصف القائل بأنه كان في عصره شيخ الإسلام في سوريا؛ فمثل هذه الألقاب لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها رتبة رسمية أو دعوى للمفاضلة المطلقة بين العلماء، وإنما بوصفها تعبيرًا عن مكانة علمية واسعة اكتسبها الرجلُ بكثرة علمه، واتساع حضوره، وتنوع خدمته للشريعة، وكثرة من انتفعوا به داخل سوريا وخارجها.
لقد بدأ وهبة الزحيلي حياته طفلًا يتعلم القرآن في دير عطية، ثم خرج منها فتى في الرابعة عشرة يطلب العلم في دمشق، وعبر إلى القاهرة يجمع بين الأزهر والحقوق، وعاد يحمل تكوينًا متعدد الروافد، ثم جلس إلى التدريس والبحث ستة عقود تقريبًا، حتى تحولت حياته إلى مكتبة موزعة بين الفقه والتفسير والأصول والقانون والفكر والدعوة والنوازل، وبين أولِ صفحةٍ قرأها وآخرِ صفحةٍ كتبها امتد عمرٌ كامل عنوانُه: "الاشتغال بالعلم".
وربما كان أجمل ما يُختتم به الحديثُ عنه أن الرجل الذي قال: “إن سر النجاح في الحياة إحسان الصلة بالله عز وجل” قد ترك وراءه ما يُرجى أن يكون من العلم الذي لا ينقطع أجرُ صاحبه بانقطاع عمره، فقد ذهب المؤلف، وبقي التأليف؛ وغاب المدرس، وبقي الدرس؛ وانفض مجلس الفتوى، وبقي فقهُها؛ وانتهت ساعاتُ العمل الطويلة، لكن ثمرتَها لا تزال تعيش في آلاف المكتبات وملايين الصفحات التي تُقلّبها أيدي الطلاب والباحثين.
رحم الله الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله وعن الفقه والقرآن خير الجزاء، وغفر له ما كان من تقصير البشر واجتهاد المجتهدين، وبارك في تراثه النافع، وجعل ما بثه من علم في موازين حسناته، فما كلُّ من عاش عمرًا ترك أثرًا، ولا كل من ألّف كتابًا بنى مشروعًا؛ أما وهبة الزحيلي فقد جعل من عمره رفوفًا من العلم، ثم رحل وبقيت المكتبة مفتوحة بين يدي الأجيال.


بقلم: أ.د. وصفي عاشور أبو زيد

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...