موقف المسلم من مصائب الأمّة (18)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (18)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ١٨ محرم ١٤٤٨ هـ - ٣ تموز ٢٠٢٦
17

الدعاء خصوصية للأمة.
الدعاء عُدّة عظيمة في مواجهة البلاء ومواجهة الأعداء، يملكها اليوم المسلمون وحدهم، دون غيرهم من صنوف الأعداء وملل الكفر، اللهم إلا في حالة الاضطرار، فإن الله تعالى امتن مراراً على المشركين بإجابة دعائهم عندما يحدق بهم الهلاك، فقال سبحانه: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)} [العنكبوت].
ومثلها في كل من يونس(1) ولقمان(2) والإسراء(3) وغيرها.
والسر في ذلك، والله أعلم، توافر الإخلاص من المشركين في لحظة الاضطرار، كما شهد لهم بذلك القرآن في الآيات المشار إليها. فلله در الإخلاص ما أعظم شأنه!

أما فيما سوى حالة الاضطرار فإن الدعاء ميزة استراتيجية فريدة يتمتع بها المسلمون وحدهم، ولا سبيل لغيرهم من أعدائهم أو مخالفيهم إلى أن يجاروهم أو يدانوهم فيها، بل إن دعاء أهل الباطل لأنفسهم بالنصر على أهل الحق، يؤول إلى دعاء منهم لأهل الحق على أهل الباطل، أو بعبارة أخرى: يؤول إلى دعاء منهم على أنفسهم لصالح المؤمنين.
جاء في تفسير الآيات التي نزلت في قصة غزوة بدر من سورة الأنفال: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}: كان المستفتِحَ أبو جهل، فإنه قال حين التقى القوم: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فاحْنِه(4) الغداة. فكان ذلك استفتاحَه، فأنزل الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} إلى قوله: {وأن الله مع المؤمنين} اهـ(5)

أجل الدعاء ميزة استراتيجية فريدة يتمتع بها المسلمون، ولكن المسلمين اليوم يزهدون في هذه الميزة، ولا يَقدرونها قدرها، ولا يُنزلونها منزلتها التي تليق بها، ولا يستثمرونها الاستثمار الأمثل في مواجهة ظلم أعدائهم، وجورهم الفاحش، وعدوانهم المنكور.
ولعل السر في هذه الزهادة التي يبديها المسلمون، في هذه العُدة التي تَدفع عنهم في وقت الشدة، أنها ليست من العُدة المادية المحسوسة التي تستقطب اهتمامات القادة والمخططين الذين تحتم عليهم دراساتهم وحساباتهم المادية أن يُعْنـَوا بإعداد وحشد القوة المادية التي تكافئ قوة العدو، فيذهَلون عن هذه العُدة الإيمانية المعنوية الهائلة الجبارة، وهي الدعاء.
ونقول: إن الدعاء عدة وقوة جبارة، لأنه في الحقيقة استعداء جبار السماوات والأرض على عدونا، واستنصار به سبحانه، على ذلك العدو.
ومن ذا الذي يستطيع أن يقاوم قوة من له القوة جميعاً، سبحانه؟!

الجمع بين العُدتين.
نعم، الدعاء عُدة معنوية جبارة، ولكنها لا تغني شرعاً عن الإعداد المادي، كما أن العدة المادية مهما كانت ضارية وضاربة، ومهما كانت عظيمة كمّاً ونوعاً، فإنها لا تغني عن العدة الإيمانية، فلا بد للمسلمين من الجمع بينهما في درء كيد وعدوان الأعداء.
هكذا علمنا القرآن، وبهذا أتت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل سيرة إخوانه من الأنبياء السابقين الذين قال الله عنهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}. [الأنعام:90]

إن القرآن الذي أمرنا الله تعالى فيه باستقصاء المستطاع في إعداد العدة المادية في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60].. قد أمرنا الله تعالى فيه أيضاً أن نقرن ذلك بلزوم العُدة المعنوية المتمثلة بصلة القلوب بالله، ذكراً ودعاءً وضراعة وطاعة، وصبراً ومصابرة، واحتسابَ أجر واتقاءَ وزر، وأن نتـَمَثـُّلِ هذه المعاني والمقاصد في النيات والضمائر، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)} [الأنفال]

وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (200) [آل عمران]
وقال سبحانه: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)} [الأحزاب].
وقال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)} [التوبة].
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)} [الصف].
وقد أسلفنا كيف أن الله تعالى قد أخبرنا عن جهاد المجاهدين من الأنبياء السابقين وخيار أممهم، وكيف أنهم جمعوا بين العُدتين، المادية والإيمانية.
فأما العُدة المادية فبحشد وتجييش الجموع الغفيرة والألوف الكثيرة التي دل عليها قوله سبحانه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران:146]
وأما العُدة المعنوية، فبالصبر والتوبة والدعاء والذكر الذي دل عليه قوله: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)} [آل عمران] .

التأصيل الإيماني للدعاء.
التأصيل الإيماني للدعاء ينطلق من يقين المؤمن بأن مقاليد السماوات والأرض ومن فيهن وما فيهن وما بينهن، بيد الله سبحانه.
وأن كل خير ترتجيه فأمره إلى الله، وأن كل شر أو عدو تتقيه فأمره بيد الله، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
وأنه سبحانه قادر على أن يجعل من عدوك اللدود ولياً حميما ونصيراً وظهيراً، وكم قد فعل.
وها نحن نقرأ في كلام الله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة 7]
ولا يصح أن يشوب هذا اليقين أي شائبة من شك، ولا أن يتسلل إلى هذه القناعة أي قدر من تردد.
وإياك إياك أخي المسلم أن يمنعك من الدعاء بالشفاء من مرض عضال مثلا، أو باليسار بعد فقر مدقع، أو بالعلم والفتح بعد جهل مطبق، أو بالنصر والعزة بعد هزيمة منكرة وذل مهين، أو بالهداية بعد ضلال بعيد.. لا يمنعنك من الدعاء بشي من ذلك ونحوه توهُّـمُك أن ذلك بعيد المنال.
نعم هو بعيد المنال إذا نسبته إلى قدرتك وأدواتك وإمكاناتك، فأما إذا نسبته إلى قدرة الله فلا حدود ولا قيود، وذلك من منطلق اليقين بأنه سبحانه على كل شيء قدير.
وإن من سوء الأدب مع الله سبحانه أن تستكثر على قدرته ما تستكثره على قدرتك، كأنك تظن به العجز عما تعجز أنت عنه، وإن من حرمان العبد من الإجابة، بل من سوء الأدب في الدعاء أن يدعو بما يستبعد إجابته في قرارة نفسه.
وقد روى أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (... فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة)(6)
وهذا الحديث وإن كان في سنده مقال، فإنه يتقوى بما رواه الترمذي في سننه بسند حسن، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)(7)
ثم إن المعنى صحيح ثابت في حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلاَ يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ. وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيءٌ أَعْطَاهُ).(8)

فمنطلق الدعاء اليقين بأن الله تعالى بيده ملكوت كل شيء، وقدير على كل شيء، وفعال لما يريد.
هذا بالإضافة إلى اليقين بأنه سبحانه يحب أن يُدعَى، ويأمر بذلك ويَعِد الإجابة.
قال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر60]
وقال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة 186]
بل قد جعل الله سبحانه من حقيقة سماعه للدعاء وقدرته وحده على الإجابة، دليلاً وحجة عل المشركين في بطلان شركائهم المزعومين الذين لا يسمعون ولا يستجيبون، فقال سبحانه: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر 13،14]

غرائب الوقائع في إجابة الدعاء
أفلا تغري كل هذه الحقائق المسلمين بالإقبال على الدعاء والاجتهاد فيه، وخصوصاً عندما يواجه المسلمون، أو يواجه المسلم من الشدائد ما تحار فيه حيلته، أو من البأس ما تعجز عنه قدرته، أو من الهم ما يضيق عنه صدره، أو من العوز ما يقصر عن سده دخله، أو من المرض ما ييأس من شفائه طبيبه وطبه، فعندئذ ليس له إلا أن يقول: يا رب، يا الله...
فإذا صدقت بالدعاء لهجته، وانفعلت به مهجته، وصحت به عزيمته وعظمت به ثقته، فإنه سيجد من عجائب الإجابات ما يزيده بربه حباً وقرباً ويقيناً، حتى يرى عِياناً أن الله سميع بصير، وأن الله على كل شيء قدير، بعد أن كان يعلم ذلك من قبل علماً فحسب.
فتنقله إجابة الدعاء من رتبة علم اليقين إلى رتبة عين اليقين. وليس الخبر كالعِيان.

وقد حكى لنا القرآن من غرائب وقائع إجابة العليم القدير سبحانه، دعاءَ الأنبياء والمرسلين وغيرهم من عباد الله الصالحين، ما يحفز كل مسلم على أن يجتهد في الدعاء ويستكثر منه ما استطاع، متوسلاً به إلى كل أمر وكل منفعة، دينية أو دنيوية، خاصة أو عامة، سواء أكان ذلك من قبيل الاستنصار على الكافرين، أو كان من قبيل سائر مصالح الدنيا والدين.

إجابة دعوة نوح عليه السلام.
فهذا نوح عليه السلام، طال مكثه في دعوة قومه، وطال صبره على تكذيبهم وصدودهم واستهزائهم، إلى أن أوحى الله إليه: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ}. [هود:36]
فعندئذ دعا نوح على قومه دعوته الشهيرة، وكان مما قال فيها: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر:10]
فجاءت الإجابة العجيبة البالغة من الغرابة غايتها، وعلى الفور، كما يدل عليه العطف بالفاء في قوله: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)} [القمر]

ودعوات إبراهيم عليه السلام.
وهذا خليل الله إبراهيم أبو الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، يأمره الله تعالى وولدَه إسماعيل ببناء البيت، فيبنيان ويدعوان، كما قص الله علينا في قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)} [البقرة]
وجاءت الإجابة العجيبة التي لا تزال قائمة مشهودة، فقد جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، وبعث في ذرية ولده إسماعيل، الرسولَ الذي به تحققت الإجابة، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ابنُ عبد الله الهاشمي القرشي العدناني الذي ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهم وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام.
وقد جاء نبينا صلى الله عليه وسلم بعد دعوة إبراهيم عليه السلام بألوف السنين ليقول عن نفسه: (أنا دعوة أبي إبراهيم)(9)

وقبل ذلك دعا إبراهيم عليه السلام لموضع البيت أن يكون بلداً آمناً مرزوقاً، فقال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة:126]
وما تزال مكة وزوار كعبتها يشهدون بركة هذه الدعوة، حيث يجبى إليها ثمرات كل شيء من أطراف الدنيا، وليست بذات ثمرة.

دعوة أيوب عليه السلام.
وهذا نبي الله أيوب عليه السلام، كان في نعمة ورخاء وحرث ونسل، كثير العيال عريض المال، ثم سُلب ذلك كلَّه، هلك ماله ومات أولاده، ثم ابتلي في جسده بأنواع البلاء، حتى لم يبق منه عضو إلا أصابه من البلاء، إلا قلبه ولسانه يذكر الله تعالى بهما.
وطال عليه البلاء سنين حتى مله الجليس واستوحش منه الأنيس، وجفاه الأقرباء، ولم يبق معه إلا امرأته صابرة محتسبة تقوم على خدمته وتمريضه حتى ضعفت عن ذلك قوتها، وضاقت عنهما نفقتها.
وعند ذلك دعا أيوب ربه فقال كما قص الله تعالى في سورة الأنبياء: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)}
وجاءت الإجابة عاجلة، وعجيبة أيضاً، حيث قال سبحانه في الآية التالية: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)}
فأما أنها استجابة عاجلة، فقد دلت عليها فاء الفورية في قوله: {فاستجبنا}. وذكر ابن كثير في قصص الأنبياء أن أيوب عليه السلام عُوفي من كل داء وسقم فور اغتساله من الماء الذي فجَره له الله سبحانه حين قال له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]
حتى إن امرأته لم تعرفه ساعة لقيـَتـْه، وذلك من تمام عافيته بعد طول عظيم بلائه.

وأما وجه العجب في الإجابة، بالإضافة إلى تلك الفورية، ففي قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} فقد نقل ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن الله سبحانه رد عليه مَن مات من ولده بأعيانهم، وزاده عليهم مثل عددهم.
أجل، إنَّ الله على كل شيء قدير.

دعوة زكريا عليه السلام.
وهذا نبي الله زكريا عليه السلام، تزوج بامرأة عاقر، فعاشا بلا ولد حتى أسنـَّا، فأما زكريا عليه السلام فوهن عظمه واشتعل رأسه شيبا، وأما امرأته فاجتمع عليها العُقر والضعف وتقدم السن.
وكان زكريا عليه السلام قد كفل مريم ابنة عمران التي نذرتها أمها لبيت المقدس، فكان كلما دخل عليها مكان تعبدها يجد عندها فاكهة طرية في غير ميعادها، فيسألها عن ذلك فتقول: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] مما أطمع زكريا عليه السلام، وحرّضه على أن يدعو ربه أن يرزقه الولد ولو مع العجز والعُقر، فإن الذي يرزق مريم بلا وسائط ولا أسباب، قادر على أن يرزقه الذرية ولو من عجوز عقيم.
قال سبحانه في حكاية ذلك في سورة آل عمران: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)} فجاءت الإجابة سريعة وعجيبة أيضاً.
فأما سرعتها فمن فاء الفورية في قوله تعالى في الآية التالية: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)}
وأما غرابتها فلأن زكريا عليه السلام كان حين دعا، طاعناً في السن، وكانت امرأته مثله مع العُقر، حتى ليستعجب إذ بشر بالإجابة ويستفهم فيقول: {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران:40]

دعوة يونس عليه السلام.
وليس بأدنى من ذلك غرابة وعَجَباً إجابة الله تعالى دعوة عبده ورسوله يونس عليه السلام، حين التقمه الحوت فلم يكسر له عظما ولم يخدش له جلداً.
ووجد يونس عليه السلام نفسه في ظلمة جوف الحوت في جوف البحر في جوف الليل {فنادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]
فأجاب الله تعالى دعوته إجابة عجيبة عاجلة، فقال في الآية التالية: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88]
وفي قوله: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} إغراء لكل مؤمن بأن يدعو ربه في كل كرب وكل شدة مهما كانت محدقة مطبقة، فإنه سبحانه على كل شيء قدير لا يتعاظمه شيء أعطاه. {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47]

وما أحرانا أن نتعلم من هذا القصص الحق الذي يوثقه القرآن، الاستعانةَ على كل أمر بالدعاء، خصوصا في أوقات الشدائد والمكائد، عسى الله سبحانه أن يبطل كيد الكائدين، ويهلك أئمة الكفر وجنوده، ويجعل الغلبة للمؤمنين، وهو سبحانه على كل شيء قدير.

أجل إن على المسلمين أن يُعِدوا سلاح الدعاء في جملة ما يُعدون لمواجهة عدوان المعتدين وطمع الطامعين وحقد الحاقدين وكيد الكائدين، من مختلف الملل والأقطار والأعراق، الذين ينثالون من كل صوب، ويشعلون في كل جهة جبهة، ويتداعَون تداعيَ الأكلة إلى قصعتها، ويتنافسون فينا، كلٌ يريد أن يكون صاحب الحظ الأوفر من دمائنا وديارنا وثرواتنا، بل ومن قناعاتنا وولاءاتنا.
وكل ذلك يتطلب مضاعفة الجهد في الإعداد من كل صنوف القوة، ومن ذلك صدق اللهجة في الدعاء بهدف تثبيت القلوب عند الفتن، وتثبيت الأقدام عند اللقاء، وإبطال كيد العدو واتقاء شره.
فإذا ما أقبل المسلمون على الدعاء فصدقت فيه لهجتهم، وعظمت به ثقتهم، وحققوا شروطه وآدابه القلبية من حيث حضورُ القلب واليقين بالإجابة، والقولية من قبيل حمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدءاً وختاماً، ومن حيث مجانبة الاعتداء في الدعاء، والعملية من حيث الأخذ بالأسباب التي أمر الشرع بالأخذ بها، ومن حيث تحري أسباب الإجابة في الأوقات والهيئات والأحوال المخصوصة.
أقول: إذا أقبل المسلمون على الدعاء بشروطه وضوابطه وآدابه فليُبشروا بالإجابة، فإن الذي يدْعون رحيم قدير، وقريب مجيب، وهو سبحانه الذي وعد بالإجابة فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]
وهو سبحانه القائل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186]

إجابة دعوات سيد المرسلين. صلى الله عليه وسلم
ولئن كنا قد قصصنا نماذج من تحقيق هذا الوعد الإلهي لثلة من المرسلين السابقين، فماذا عن دعوات سيد المرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم؟.
هلمَّ فلننظر في إجابة دعاء سيد الأولين والآخرين، الذي كان خليلَ الله كما كان إبراهيم خليلا، وكليمَ الله كما كان موسى كليماً، وزاده الله تعالى عليهما فخصه بالرؤية ليلة المعراج كما قرره ابن عباس رضي الله عنهما، ونقله الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى(10)، كما نقله الإمام النووي على أنه القول الراجح عند أكثر العلماء(11).

فقد كان له صلى الله عليه وسلم من الدعوات المستجابات على نحو من السرعة والغرابة، ما يحمل كلَّ مسلم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أسوته الحسنة، على أن يجتهد في الدعاء والصدق فيه ما وسعه الاجتهاد.
وقد جاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام من صالحي أمته، من جيل الصحابة ومن بعدهم، فكان لهم من الدعوات المستجابات ما لا يقل عجبا وروعة وسرعة عما ذكرناه آنفاً عن بعض أنبياء بني إسرائيل.
كما سنرى ذلك إن شاء الله في الجزء التالي.


هوامش:
(1) يونس (22، 23)
(2) لقمان (32)
(3) الإسراء (67)
(4) أي: اهزمه غداة اللقاء.
(5) المستدرك للحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(6) مسند أحمد، مسند المكثرين.
(7) سنن الترمذي، كتاب الدعوات.
(8) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب العزم بالدعاء.
(9) رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد في مسنده، والطبراني في الكبير، وابن حبان في صحيحه.
(10) فتح الباري. جـ8 ص608
(11) شرح النووي على صحيح مسلم. جـ3 ص5


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...