موقف المسلم من مصائب الأمّة (17)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (17)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ١١ محرم ١٤٤٨ هـ - ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
20

المبحث الخامس: الدعاء
ولنجعل مدخلنا إلى هذا المبحث تلك الآيات المشار إليها من آل عمران، لاشتمالها على عنصر الدعاء في مواجهة الأزمات، الذي يعتبر من أهم مكونات موقف المسلم من مصائب وابتلاءات الأمة. وهي قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}

وقفات مع الكلمات الربانية:
وقبل أن ننطلق في آفاق ودلالات الدعاء فإني أحب أن نتلبث قليلاً للغوص في أعماق الكلمات ودلالات الجمل في الآيات المتقدمة، فأقول:
ـــــــــــــــــــــ
أولاً: أما قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ} فإن كلمة " َكَأَيِّنْ " تقوم في المعنى مقام "كم\" التكثيرية، كأنه يقول: كم من نبي.. والمعنى: كثير من الأنبياء قاتل مع كل منهم ربيون كثير.

ثانياً: وأما قوله: {قَاتَلَ مَعَهُ} فقد قرئت هذه الكلمة في قراءات أخرى متواترة بلا ألف، على صيغة المبني للمفعول هكذا: {قـُتِل معه}، وهي قراءة قوية من حيث المناسبة، فقد نزلت هذه الآيات في مناسبة غزوة أحد التي قتِل فيها سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهي على هذا المعنى تشجيعٌ للمؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم على الاستبسال في خدمة الدعوة وتبليغها والذود عنها، وإغراءٌ لهم بالاقتداء بمن سبقهم من خيار أتباع الأنبياء، على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
وأما قراءة {قاتل} فهي قوية من حيث عموم الفضل، لأنه إذا أثنى على من قاتل، كان من قـُتِل داخلاً في الثناء من باب أولى، أما إذا أثنى على من قـُتِل، فلا يدخل فيه من قاتل ولم يـُقـْتل.

ثالثاً: وأما قوله: {رِبِّيون} فهو جمع مفرده: "رِبِّي" بكسر الراء ويجوز ضمها، وقد حُملت ياء النسب فيه على معنيين:
الأول: أنها نسبة إلى الرِّبة، وهي الجماعة، والمعنى على هذا: وكم من نبي قاتل معه جموع غفيرة وألوف كثيرة، وإلى هذا ذهب ابن كثير والأكثرون، وعليه اقتصر صاحب القاموس.

الثاني: أنها نسبة إلى الرَّب سبحانه، وعلى هذا المعنى فالرِّبي هو المتّبع لشريعة الرّب. مثل (الربّاني) والمراد بهم هنا أتباع الرسل وتلامذة الأنبياء.

رابعاً: في قوله تعالى: {فَمَا وَهـَنـُوا لِمَا أَصَابَهُمْ..} إشارة إلى أنَّ الابتلاء بالمصائب سنة الله تعالى في أهل الإيمان، وذلك أن الله تعالى ذكر أولئك المقاتلين بالمدح والثناء، فهم مقاتلون في سبيل الله، وهم أنصار أنبياء الله، ومع هذا فقد أصابهم على أيدي أعدائهم ما أصابهم من القتل والقرح، وذلك ليُختبر إيمانهم، وتعظم بالصبر أجورهم، وتعلو عند الله درجاتهم.

خامساً: في قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} تعليم للمسلمين أن يأخذوا أنفسهم بعبادة الدعاء والضراعة إلى الله تعالى في الشدائد، لا يُذهلهم عن ذلك رهبة ولا شدة، ولا رغبة ولا رخاء.

سادساً: يلاحظ في دعائهم هذا أنهم قدَّموا فيه الدعاء بالمغفرة على سؤال الثبات والنصر، وفي ذلك معان وفهوم:
الأول: فيه إشارة إلى أن السلامة من الذنوب أولى وأحق أن يُعتنى بها من الحرص على إحراز النصر والظفر، وذلك لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن فوات النصر يعني غالباً مصيبة في الأنفس أو الأموال أو الديار ونحوها، أو كلِّ ذلك مجتمعاً، وكلُّ ذلك من قبيل المصائب في الدنيا، وأما الذنوب فهي مصيبة في الدين، ومعلوم أن للمسلم عزاءً عن مصيبة الدنيا بما يرجوه من الأجر على الاحتساب والصبر، وأما مصيبة الدين فلا عزاء عليها، ولذلك فقد جاء في الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكثر همنا ولا مبلغ علمنا) (1).

الثاني: وأيضاً ففي تقديم الاستغفار على طلب النصر إشارة إلى أن النصر لا يُطلب بمعصية الله تعالى، وإنما يُطلب بطاعته. فعلى المسلمين أن يتخذوا من التوبة من المعاصي والتنزه عنها سبباً لإحراز النصر، فإن ذنوب المسلمين أعوان لأعدائهم عليهم، ولكـَم قد أتِي المسلمون من قِبَل كثرة ذنوبهم قَبْل أن يؤتـَوا من قِبَل كثرة وقوة عدوهم.
ورضي الله عن سيدنا عمر بن الخطاب الذي كتب إلى أمير جيش القادسية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول: أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله عز وجل أفضل العُدَّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدَّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم ولا عُدَّتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإن لا نـُنصرْ عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شر منَّا ولن يسلَّط علينا وإن أسأنا. فرُبَّ قوم سُلط عليهم شرٌ منهم، كما سُلِّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله، كفرةُ المجوس فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولا، اسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم." (2)

الثالث: وأيضاً، ففي تقديم الاستغفار على طلب النصر إشارة أخرى ذات أهمية، وهي أن يذكر المقاتل أنه في ساحة الوغى وسوق المنايا، وأنه حتى ولو كانت نهاية المعركة نصراً للمسلمين، فقد لا يدرك تلك النهاية ولا يرى ذلك النصر، إذ قد يُقتل قبل ذلك. فليكن من أهم هَمِّه أن يستعد للقاء ربه بالتوبة والاستغفار والاستكثار من زاد الآخرة.

وهذا يذكرنا بما كان من الصحابي البدري سَواد بن غَزيّة رضي الله عنه، عندما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفى يده سهم يعدل به القوم، فمر بسَواد بن غزيّة رضي الله عنه وهو متقدم عن الصف، فطعن في بطنه وقال: "استو يا سَواد" فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني. - يعني أمكني من القصاص منك - فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال: استقد. قال: فاعتنقه فقبّل بطنه.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا يا سَواد؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير.
(3)
أجل هكذا يجب أن يكون المقاتل حريصا على زاد الآخرة وقد توافرت أسباب المنية. ولا يَتـَّكِلن على أجر الشهادة، فإن المؤمن الحريص الحصيف يخاف ألَّا يدرك ذلك الأجر، وأهل الخوف لا يألون جهداً ما احتاطوا.
فهذا أبو عامر الأشعري رضي الله عنه، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بعد حنين على سرية يتعقب بعض فلول هوازن، وبعث معه في السرية ابن أخيه عبد الله بن قيس، المشهور بـ: أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه.
قال أبو موسى: فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جُشَمِي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني. قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته. ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. قال: يا ابن أخي أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: استغفر لي. قال: واستخلَفَني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات. فرجعتُ فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرمل(4) وعليه فراش، قد أثـَّر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقوله: قل له استغفر لي. فدعا صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعُبيدٍ أبي عامر. ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس.
قال أبو موسى: فقلت: ولي فاستغفر. فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مُدخلا كريما. (5)
فهكذا يستعد المقاتل المسلم اليقظ للقتل دائماً، وذلك بالاستغفار من كل صغيرة وكبيرة، حتى إذا ما قـُتِل لقي الله تعالى على توبة واستغفار.
ذلك ما يوحي به قول أولئك الداعين من المقاتلين مع الأنبياء في الآيات التي نحن بصددها: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي الصغائر. {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} أي ما كان وراء الصغائر من الكبائر والموبقات.

سابعاً: يلاحظ في تلك الآيات التي تعلمنا الدعاء في الشدائد، أن ذلك الدعاء لم يكن دعاء قاعدين، وإنما كان دعاء مقاتلين.
ومن المهم ملاحظة ذلك، حتى لا يتكل الناس على الدعاء ويدَعوا العمل، ويتقاعسوا عن الإعداد للجهاد كما أمر الله.
ولو شاء الله سبحانه لنصرهم بالدعاء وحده من غير جهاد، بل لو شاء لنصرهم من غير دعاء ولا جهاد، ولكنه سبحانه ابتلى المؤمنين من عباده بجهاد عدوهم ليُمحِّص ما في صدورهم ويرفع درجاتهم، ويُخرج من بين ظهرانيهم المنافقين المندسين في صفوفهم، ويكرم من شاء بالشهادة في سبيله، كما قال سبحانه في آل عمران: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)}

وكما جاء في سورة " محمد " التي تسمى سورة " القتال " حيث حرَّض الله تعالى المؤمنين على حسن البلاء في عدوهم مبيناً تعليل ذلك، فقال سبحانه: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)}

دعاء المقاتلين ودعاء القاعدين.
وليس معنى قولنا: إن دعاءهم كان دعاء مقاتلين. أنه لا يقبل إلا دعاء المقاتل، وإنما المقصود أن تحييَ الأمة شِرعة الجهاد، وأن ينفر النافرون في سبيل الله، فإذا رفعت راية الجهاد، ونفرت من كل فرقة من المؤمنين طائفة، فعلى كل من النافرين والقاعدين عندئذ الدعاء، بل على كل مسلم ألَّا يبخل عن الذائدين عن حياض الأمة بالنصر والاستنصار، بالدعاء وغير الدعاء من المستطاع.
وإن الله سبحانه جاعل في دعاء المجاهدين لأنفسهم، وفي دعاء القاعدين للمجاهدين خيراً عظيماً. ولكل منهما أصل أصيل في صريح القرآن وصحيح السنة وعمل الصالحين من سلف هذه الأمة.
فأما دعاء المجاهدين لأنفسهم بالثبات والنصر فهو سنة ثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم في مواطن المواجهة، كدعائه صلى الله عليه وسلم يوم بدر، الذي جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى في الأنفال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} [الأنفال]
وفي مواطن أخرى غير بدر يأتي تفصيلها في ثنايا هذا البحث إن شاء الله.

وهو أيضاً سنة قديمة للأنبياء الذين استجابوا لربهم فيما كلفهم به من جهاد عدوهم، كالذي رأيناه في الآيات التي أدرنا حولها الوقفات من آل عمران، وفيها: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)} فإن الله تعالى قال بعدها: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

ومثلها ما حكاه الله تعالى في سورة البقرة، عن دعاء جيش طالوت في مواجهة جيش عدو الله جالوت، فقال: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)} فإن الله تعالى قال بعدها: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ}.

نقل ابن عساكر في ترجمة العابد الزاهد الفقيه الثقة: محمد بن واسع المتوفى سنة 123هـ، عن أحمد بن سيّار قال: محمد بن واسع الأزدي بصري الأصل.. وكان أحد المعدودين في العبادة ممن يستنصر به ويرجى مشهده.. وذُكِـر لنا أنه غزا مع قتيبة بن مسلم، فأصابتهم شدة حتى خافوا على أنفسهم الهلاك. قال قتيبة: ويلكم انظروا محمد بن واسع. فطـُلب فلم يُقدر عليه، حتى وجدوه في صحراء قائما على ركبتيه يدعو ويشير بأصبعه. فأخبـِر بذلك قتيبة، فقال: احملوا على القوم، فإن الله لا يضيع جيشا فيهم محمد بن واسع. فقال بعض رؤساء العسكر: إنا لم نر عند هذا الرجل الذي طلبتَ كثيرَ قوة، إنما كان يدعو ويشير بأصبعه.
فقال: لَأصبعُه الذي أشار أحَب إلي من ألف فارس.(6)
هذا، وأما دعاء القاعدين لإخوانهم المجاهدين فإنه يُذكرنا دعاء المسلمين في المدينة لجيش مؤتة الذي سيَّره النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة من الهجرة، بقيادة زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى ناحية البلقاء من أرض الشام.
كانت عِدة جيش مؤتة نحواً من ثلاثة آلاف، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فيه، لأنه كان عبارة عن سرية لها هدف محدد هو أن يؤدبوا قتلة الحارث بن عمير الأزدي الذي كان يحمل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عظيم بُصرى.
فلما تحرك الجيش إلى وجهته خرج الناس في وداعه، فكان مما قال المودِّعون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين.

قلت في نفسي وأنا أطالع هذا الدعاء: لقد كان لهذا الدعاء بركة ظاهرة للعيان، فقد صحبهم الله بالنصر والعناية، ودفع عنهم ما لا قبل لهم بدفعه، وردهم إلى المدينة صالحين سالمين.
وذلك أن الجيش المبارك البالغ ثلاثة آلاف، لقي عدواً يبلغ نحو مائتي ألف من الروم ونصارى العرب.
وما ثلاثة آلاف في مائتي ألف إلا كمركب في لجة يعلوه موج من فوقه موج، ولكنها ثمرة صدق عزائمهم، ويقين قلوبهم، وثبات أقدامهم، ودعوات مَن وراءهم.
ووقع القتال، وخاض المسلمون المعركة على مدى يومين، وانتهى اللقاء نهاية لا تزال أعجوبة الدهر في عالم المواجهات العسكرية، فقد كانت خسائر المسلمين لا تعدو اثني عشر شهيداً، في حين لا يُعلم عدد القتلى في أعدائهم، وحسبنا أن نعلم أنه قد اندقت في يد خالد بن الوليد رضي الله عنه، تسعة أسياف، كلما كَلَّ في يده سيف أو انكسر تناول آخر.
أجل إنها بركة الدعاء: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين .
الله سبحانه هو الذي تولاهم ودفع عنهم وردهم صالحين سالمين.

وللحديث إن شاء الله صلة في الجزء التالي.



هوامش:
(1) رواه النسائي في السنن الكبرى، والترمذي وحسّنه، كلاهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
(2) عن كتاب ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) للنويري
(3) انظر السيرة النبوية لابن كثير 2/410، وغيرها من كتب السيرة، في أحداث غزوة بدر.
(4) ضبطها النووي في شرح صحيح مسلم: (مُرْمَل) بإسكان الراء وفتح الميم. وضبطها ابن حجر في الفتح: (مُرَمَّل) بفتح الراء وتشديد الميم المفتوحة. ومعناه فيهما: السرير الذي نُسج بالسَّعَف وشُدَّ بالحبال ونحوها.
(5) القصة في الصحيحين، انظر صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب مِنْ فَضَائِلِ أَبِى مُوسَى وَأَبِى عَامِرٍ الأَشْعَرِيَّيْنِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا.
(6) تاريخ دمشق، لابن عساكر، ( 56/142)



بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...