قوله تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [ آل عمران :66 ]
السؤال الأول:
قال هنا في الآية (66): (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) وكذلك في آية النساء (109 )، بينما قال: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ) في آية آل عمران (119 )، وآية طه (84 )، فما الهدف من تكرير (هاء التنبيه) أو حذفها؟
الجواب:
1ـ الخطاب في آل عمران (66) في أهل الكتاب وفي النساء (109 ) في الذين يختانون أنفسهم، فأراد الله أنْ يقرّعهم ويزيد في تنبيههم ولومهم؛ لأنهم جادلوا بالباطل وهم يعلمون، فكرّر التنبيه مرة قبل الضمير ومرة قبل اسم الإشارة، فقال: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) زيادة في التنبيه والوعظ.
بخلاف آية آل عمران (119) فإنه خطاب للمؤمنين حيث لا يحتاج إلى زيادة في التنبيه واللوم، فالموقف هنا مختلف وليس فيه تقريع ولا لوم.
2ـ وقد لا يحتاج الموقف إلى التنبيه فلا يذكره نحو قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام مخاطبا ربه في آيات طه : (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: 83-84] فلم يأت بالتنبيه؛ لأنهم غير حاضرين ، وهو أيضاً من أدبِ موسى مع ربه .
فالتنبيه هو بالقدر المناسب فقد يكرر أو لا يكرر، أولا يذكر التنبيه بحسب الحاجة إليه. ( لمزيد من التفصيل انظر آية طه 84 ) .
3 ـ ذمّ الله في القرآن أربعة أنواع من الجدل:
آ -الجدل بغير علم : (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) [آل عمران: 66].
ب ـ الجدل في الحق بعد ظهوره: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ) [الأنفال: ٦].
ج-الجدل بالباطل: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) [غافر: ٥].
د-الجدل في آياته: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) [غافر: ٤].
السؤال الثاني:
ما دلالة رسم كلمة (تُحَاجُّونَ) بالألف في هذه الآية وغيرها من المواضع ، بينما رسمت كلمة(حَجَجْتُمْ) بدون ألف في نفس الآية ؟
الجواب:
1 ـ كلمة (المحاجّة) إذا صَاحَبَها اللينُ والهدوءُ وضربُ الأمثلة لجذب وإقناع الخصم ، وتكون على علمٍ من صاحبها كما جرى مع نبينا إبراهيم عليه السلام في آية الأنعام (80) فتكتب بدون ألف ، قال تعالى : ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 80]. وقوله : (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [آل عمران: 66].
2 ـ وأما إذا صَاحَبَها الجهلُ والشدةُ التي تؤدي إلى التنافر فتكتب مع الألف مثل كلمة (تُحَاجُّونَ) و (لِيُحَاجُّوكُمْ) و(وَحَاجَّهُ) و(أَتُحَاجُّونِّي) كما في آيات [ البقرة 76 ، 139 ـ آل عمران 20 ، 73 ـ الشورى 16 ] فقد جاءت كلها بالألف . قال تعالى :
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 76].
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: 139].
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20].
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 73]
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: 16].
والله أعلم .
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


