إنَّ الدفاع عن الجناب النبوي الشريف، وصيانة مقامه عن كل ما لا يليق، ليس من نافلة القول، بل هو من مقتضيات الإيمان وتعظيم رسول الله ﷺ، وقد سجَّل تاريخُنا الإسلامي مواقفَ مشرّفةً لعلماء الأمة، لم يتردَّدوا فيها في إنكار كل تجاوز يمسُّ مقام النبوة، مهما كان قائله أو السياق الذي قيل فيه، ومهما تغلّف بعبارات المدح أو المجاز أو المجاملة.
وأستحضر هنا واقعة مشهورة من تاريخ الأزهر، تُنسب إلى الشيخ محمد شاكر، وكيل الأزهر الأسبق، وتكشف عن مقدار الغيرة التي كان يحملها علماءُ الأمة على مقام النبوة.
ففي عهد السلطان حسين كامل، أُقيم حفل لاستقبال طه حسين بعد عودته من فرنسا، وكان قد حصل على أعلى الشهادات العلمية. وفي أثناء الحفل، أراد أحد الخطباء أن يبالغ في مدح السلطان، فقال في وصفه: «جاءه الأعمى، فما عبس في وجهه وما تولّى»، فعدَّ الشيخُ محمد شاكر هذا التعبير تجاوزًا لا يجوز السكوت عنه؛ لما قد يُفهم منه من عقد مقارنة بين موقف السلطان وموقف النبي ﷺ في القصة التي عاتب الله فيها نبيه ﷺ.
وبغضِّ النظر عن تفاصيل الرواية التاريخية وما أحاط بها من ملابسات، فإنَّ الدرس الذي تستحقُّه هذه الحادثة هو أنَّ العلماء كانوا يعدُّون الأدب مع مقام النبوة أمرًا بالغ الحساسية، لا مجال فيه للتساهل، ولا سيما حين يكون الكلام متضمنًا مقارنة أو تعريضًا يمكن أن يُفهم منه انتقاص مقام رسول الله ﷺ.
وهنا ننتقل من غيرة الماضي إلى واقع الحاضر.
فإذا كان خطيبُ الأمس قد تجاوز حدود الأدب بعبارة قيلت في سياق المداهنة، فإننا نشهد اليوم صورًا أشد جرأة في الحديث عن رسول الله ﷺ، تجاوزت حدود التعبير العلمي الرصين إلى ألفاظ سوقية لا تليق بمقام النبوة، ولا تليق كذلك بمن يتصدرُ للحديث في الشأن الديني أو الفكري.
فقد صدر عن أحد المتحدثين في هذا السياق وصفٌ للنبي ﷺ بأنه كان مجرد «شغّال عند خديجة» قبل البعثة، وهي عبارة شديدة الابتذال في التعبير عن مرحلة من حياة النبي ﷺ، لا تليق بحال من يتحدثُ عن سيد الخلق ﷺ، ولا تنسجم مع ما عُرف عنه من علو المكانة، وسمو الخُلُق، حتى قبل بعثته.
والثابت في السيرة أنَّ النبي ﷺ عمل في مال خديجة رضي الله عنها، وكان يتاجر لها، ولم يكن ذلك مما ينقص من قدره أو مكانته؛ فقد كان معروفًا بين قومه بالصادق الأمين، وكانت خديجة رضي الله عنها قد عرفت من أمانته وصدق حديثه وكرم أخلاقه ما جعلها تختاره لهذه المهمة.
مؤخرًا خرج علينا الشخص ذاته بمقطعٍ مصوَّر في مقابلة حوارية أورد فيها قصة مُختَلَقة بالغة الغرابة، تتضمَّن أنَّ زوج ابنته تفلَ في وجهه الشريف، وأنه لم يغضب لذلك، ثم غضب حين تعرَّض الرجل لابنته.
ومثل هذه الرواية، إذا كانت لا تثبت من جهة الإسناد، فلا يجوز تقديمها للناس وكأنها حقيقة تاريخية ثابتة، فضلًا عن أن تُروى بأسلوب سوقي أو في سياق يوهم انتقاص مقام النبي ﷺ أو الطعن في شخصيته ومواقفه.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: نقد الرواية من الناحية الحديثية، ونقد الطريقة التي تُعرض بها الرواية والمعاني التي يراد تمريرها من خلالها. فليس كل ما نُسب إلى النبي ﷺ يصح عنه، وليس كل رواية غريبة يجوز تداولها لمجرد وجودها في بعض الكتب، فضلًا عن تحويلها إلى مادة للإثارة.
إنَّ مقام النبوة ليس ميدانًا للاستعراض الفكري، ولا مادة لصناعة "التريند"، ولا مجالًا للعبارات الصادمة التي يراد بها لفت الأنظار، أو استمالة فئة من المجتمع.
والباحث أو المفكِّر الذي يتناول السيرة النبوية مطالَب، قبل كل شيء، بالعلم والدقة والأدب؛ لأن الحديث عن رسول الله ﷺ ليس كالحديث عن أي شخصية تاريخية.
ومن هنا، فإنَّ الجهات المختصة مطالبة بالنظر في مثل هذه التجاوزات وفق أحكام الشريعة والقانون، والتحقق من مضمونها وسياقها، واتخاذ ما يلزم إذا ثبت أنَّ فيها مخالفة شرعية أو مساسًا بثوابت المجتمع ومقدساته.
فالسكوت عن كل تجاوز، والتعامل معه باعتباره مجرد "رأي" أو وسيلة لصناعة الجدل، قد يفتح الباب أمام مزيد من التجرؤ على المقدسات، ويحوّل الاستفزاز إلى منهج، والإساءة إلى وسيلة للشهرة.
والمطلوب ليس فوضى في الردود، ولا تجاوزًا للقانون، ولا تحويل القضية إلى خصومة شخصية؛ وإنما موقف علمي وقانوني واضح، يقرر أنَّ حرية التعبير لا تعني إهدار حرمة المقدسات، وأنَّ مقام النبوة له من التعظيم في نفوس المسلمين ما يجعل المساس به أمرًا لا يمكن التعامل معه باستخفاف.
ولعلنا بحاجة اليوم إلى استحضار مواقف علماء الأمة في غيرتهم على مقام رسول الله ﷺ، لا من أجل استنساخ أساليب الماضي، وإنما لاستعادة المعنى الذي كانت تلك المواقف تعبّر عنه: أنَّ لمقام النبوة حرمة، وأنَّ الحديث عن رسول الله ﷺ له أدب، وأنَّ العلم لا ينفصل عن التعظيم، ولا يجوز أن يتحول البحث الفكري إلى ذريعة لإسقاط الهيبة أو تسويق العبارات المستفزة.
وأخيرًا، لا بد من كلمة عتاب إلى الصامتين عن مثل هذه الأحداث، ولا سيما بعض الجهات التي طالما رفعت شعار "محبة النبي ﷺ"، وأقامت المجالس والفعاليات للحديث عن شمائله وفضائله وتعظيم قدره.
أين غيرة هؤلاء اليوم؟ وأين أصواتهم أمام هذا النوع من التجاوز؟
إنَّ المحبة الحقيقية ليست مجرَّدَ أورادٍ تُتلى في المناسبات، ولا أهازيج تُنشد في المحافل، وإنما هي تعظيم صادق يظهر أثرُه في المواقف، وغيرةٌ مشروعة على مقام النبي ﷺ حين يُساء الحديث عنه أو تُنسب إليه الروايات الباطلة، أو تُستخدم سيرته مادة للإثارة أو السخرية.
إنَّ المواقف هي التي تختبر صدق الشعارات؛ وحين يُمس مقام الحبيب ﷺ، ينبغي أن تظهر المحبةُ في صورة علمٍ يرُد، وأدبٍ يَضبِط، وموقفٍ مسؤول، وقانونٍ يأخذ مجراه.
فمقام النبوة خط أحمر، ليس لأننا نرفض الحوار أو النقد العلمي، وإنما لأنَّ رسول الله ﷺ ليس مادةً للابتذال، ولا شخصيته مجالًا للعبث، ولا سيرته ميدانًا لصناعة الشهرة على حساب المقدسات.
د. جمال الباشا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


