في سورة آل عمران حديثٌ ضافٍ عن غزوة أُحد، ومعالجات إيمانية ونفسية وتربوية عجيبة للجيل الأول الذي شهد هذه الهَـــزَّة الكبيرة. وما زلنا نقرأ آيات آل عمران غَضَّةً طريَّةً كأنما أُنزلت الساعة، ونقف عند دروسها وعِبَرها كأنما نحن المخاطَبون بها.
لقد كان الصحبُ الـمَرْضيُّون بحاجة إلى تلك النداءات العُلْويَّة ليشتدَّ عودُهم، ويفقهوا السنن، ويواصلوا المسير في ركب الدعوة والجهاد.
في قلب الحديث عن الغزوة ذكر الله جملة من الحكم العظيمة والغايات المحمودة التي كانت فيها، يقول سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 137-143].
المشهد في أحد قاس، والمصاب عظيم تنوء به الجبال الراسيات، فجاءت هذه الآيات الحانية تواسي نفوسهم، وتداوي جراحهم، وتُحيي عزائمهم. وتعلمهم سنن الحياة، وطبيعة الصراع، والاستعلاء بالإيمان.
تبدأ الآيات في تقرير أنَّ ما وقع للصحابة في أُحد ليس خارجا عن السنن والنَّواميس والأصول التي تَحكم الحياة، وتجري وَفْقها الأمور. نعم، لم يزل الأنبياء في سِجال مع أقوامهم، يَغلبون ويُغلبون، ويُصيبون ويُصابون، لكنَّ العاقبة لهم ولأتباعهم، والمشهد الأخير من الصراع لا تعلو فيه غيرُ راية التوحيد والإيمان، والباطل مهما انتفش فإنه مدحور زاهق، وما يُبدئ الباطل وما يعيد.
ثم أرشد سبحانه إلى ما في الآيات والسُّنن المذكورة من البيان والهدى للناس أجمعين، نعم فيها الحق والهدى، لكنْ أين من يختار الحق ويؤثره على زخارف الباطل؟! وأين من يتحمل تبعات ذلك الاختيار فلا تزيده المحن والشدائد إلا صلابة وقوة وثباتا على الطريق؟!
ثم نهاهم عن الضعف والحُزن لـِما أصابهم من القَرح واللَّأواء، إذْ كيف يضعُف من يحمل في قلبه الإيمان؟! وكيف يحزن الموعودُ بالجنة والرضوان؟!
وتستمر الآيات في مواساة المؤمنين وبيان اشتراك الكفار معهم في القَرح والألم والجراح، لكنَّ الفارق العظيم بين الفريقين: أن المؤمنين يرجون النصر والخير وإظهار الدين في الدنيا، والأجر والثواب والجنة والرضوان في الآخرة. وقلوبهم راضية مؤمنة مطمئنة إلى موعود الله، صابرة على ما تلقاه في سبيله محتسبة إياه عنده سبحانه ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، فأين السَّوائم من هذه المعاني التي لا تَبلغها عقولهم ولا قلوبهم؟!
- ثم شرعت الآيات بعد تقرير ما تقدم في ذكر الحكم المترتبة على هذه الإدالة والغلبة، وهي حكم عظيمة جديرة بالتأمل والاعتبار، وإليكها مرتَّبة كما جاءت في الآيات:
- ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وهل يتمايز أهل الإيمان عن غيرهم إلا في معتركات المحن والشدائد؟! ولو كان أهل الإيمان منصورين أبدًا لدخل فيهم من ليس منهم، فتعيَّن الابتلاء للتمحيص والتطهير والتمايز.
والمقصود بالعلم هنا: علم الظهور والمشاهدة الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وإلا فقد سبق هذا كله في علم الغيب عنده سبحانه.
- ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: "وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس؛ ليُنيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم" [تيسر الكريم الرحمن (ص159)].
وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ﴾ "تعبير عجيب عن معنًى عميق.. إن الشهداء لـمُختارون، يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه سبحانه، فما هي رزيَّةٌ إذن ولا خسارةٌ أن يُستشهد في سبيل الله من يُستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص.. إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة؛ ليستخلصهم لنفسه سبحانه، ويخصهم بقربه" [في ظلال القرآن (1/481- ط الشروق "32")].
- ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: والتمحيص هنا له معنيان:
الأول: تمحيص نفوسهم وتخليصها من ذنوبها وآفاتها. والمؤمن في مداولة الأيام وتقلب المحن والشدائد يَعلم نفسه على حقيقتها، ويتبين منها ما لم يتبينه في أوقات السَّعة والعافية، وقد رأينا هذا في حرب غزة الأخيرة (7 أكتوبر 2023)، رأينا كيف تُمحَّص النفوس ويُخرِج الله ما فيها من الدَّخَل والدَّخَن والفساد، والعاقل يعتبر بهذا ويراجع نفسه ويحاسبها ويصفيها من أدناسها وأمراضها.
والثاني: تخليص صفهم من المنافقين، فيتمحَّص من كان يُظنُّ أنه منهم وهو عدوهم.
وهذا المعنى الثاني سبقت الإشارة إليه بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وأكثر المنقول عن السلف في تفسير الآية إنما هو في المعنى الأول.
- ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: ولا أجد هنا أحسن من كلام ابن القيم رحمه الله في سياق حديثه عن الحكم والغايات الكائنة في غزوة أحد، قال: "ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يُهلك أعداءه ويَمحقهم قيَّض لهم الأسباب التي يَستوجبون بها هلاكهم ومَحْقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم: بغيُهم وطغيانهم، ومبالغتُهم في أذى أوليائه، ومحاربتُهم وقتالهم والتسلط عليهم؛ فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر ذلك سبحانه في قوله... " [زاد المعاد (3/257- ط عالم الفوائد].
ونحن اليوم على يقين بقرب هلاك اليهود وحلفائهم وأوليائهم؛ وذلك أنهم بلغوا في الطغيان والإفساد مبلغا لا مزيد عليه، وقد مضت سنة الله تعالى في أمثالهم بالـمَحق والأخذ والإهلاك، عجل الله ذلك بمنه وكرمه.
- وقوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ فيه التنبيه على حكمة عظيمة، وهي أن الجنة لا تنال إلا بالبذل والتَّضحية، ويظهر أن هذه الآية في تمحيص صفِّ أهل الإيمان أنفسهم، وتمييز المجاهدين الصابرين على الجهاد وأعبائه عن غيرهم ممن يدعي ذلك قولا ولا يحقِّقه عملا، بخلاف ما تقدم من التمحيص، فإنه في تخليص صف المؤمنين من المنافقين، والله أعلم.
- وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فيه عتابٌ لطيف للصحابة رضي الله عنهم، وذلك أنهم لما بلغهم ما فعل الله بشهداء بدر من الكرامة تمنوا لقاء المشركين ليُبلوا خيرا ويلتمسوا الشهادة، فلمَّا أشهدهم الله أُحدا تولَّى منهم من تولى ولم يثبت، فعاتبهم الله على ما كان منهم من ذلك.
وفي هذا درس عظيم لأهل الإيمان، حاصله: أن المرء لا يتمنى شيئا حتى يختبر نفسه ويعلم منها القدرة عليه، فالكلام والتمني سهل على النفوس، والامتحان الحقيقي يكون في صبر النفوس وثباتها في ميادين الدعوة والجهاد، وتحمُّل تبعات ذلك ومشاقِّه.
ومجال الكلام في الآيات رحب واسع، وحسبي ما أشرت إليه. وأحسن ما وقفت عليه من الكلام في الحكم والدروس والغايات الكائنة في هذه الغزوة والمستفادة من خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابِه رضي الله عنهم= ما ذكره ابن القيم في "زاد المعاد" (3/253 وما بعدها)، وما ذكره سيِّد في "الظلال" (1/478 وما بعدها)، وكلاهما أطال النفس في تقرير ذلك والوقوف على دواخل النفوس وخباياها، فالله يجزيهما خيرا ويكتب النفع بما سطَّراه، ومن الله استمداد العون والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
بقلم:بسام بن خليل الصفدي
الجمعة 17 رمضان 1447
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


