شيء من تاريخ علم التخريج في القرن الماضي.. والرد على  خطأ شائع متعلق به

شيء من تاريخ علم التخريج في القرن الماضي.. والرد على خطأ شائع متعلق به

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ٩ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ - ٢١ آب ٢٠٢٦
22

عبر زمان طويل ممتد ضارب في القدم حفل تاريخ العلوم في الإسلام بمراحل مختلفة كانت العلوم تزدهر فيها حينا ويخفت بريقها حينًا آخر ويظهر بعضها في فترات في ذات الوقت الذي يقل الاهتمام ببعضها الآخر لأنها في النهاية وليدة تفاعل للجهد البشري وهو بدوره يتأثر بعوامل مختلفة يطول شرحها ولسنا هنا في معرض تناول هذا الأمر بالذات وإن كانت هذه مقدمة لازمة لتبيين أن ضعف الاهتمام ببعض العلوم لا يقدح في ماهية هذه العلوم ولا يقدح في البيئات التي يضعف فيها هذا العلم بالضرورة لأن هذا الضعف قد يكون وليد ظروف كثيرة معقدة تفضي إلى هذا الضعف .
أما علوم الحديث فقد كان لها زمان تطور فيه التصنيف فيها وحجم الاهتمام بها حتى في العصور التي قيل أنها شهدت بدايات الضعف العلمي والانحدار في القرن السابع و القرن الثامن الهجريان حيث عاش الذهبي والمزي والحافظ العراقي وابن حجر و ومن بعدهم جاء السخاوي والسيوطي والديمي و المناوي وكما هو ظاهر باد كان علم الحديث في الشام ومصر زاخرًا بنشاط حافل إلى الحد الذي ذاعت فيه المقولة المشهورة ( هل نضج علم الحديث واحترق ؟ )
ثم تغيرت الأمور وجرى في مياه النهر ما جرى وبدأ الاهتمام بعلم الحديث يقل ويضعف وإن لم تمت مظاهره أو يختفي بالكلية وقد أشار إلى هذا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في ( سبيل التوفيق ) والشيخ الكوثري في مقالاته (1) ولكن هل ما هي طبيعة هذا الضعف وما هي مظاهره وما كانت حدوده بالضبط ؟ لا يمكن الإجابة بالتفصيل على هذه الأسئلة وإن كان هناك من حاول الإسهام بجهد ما للكتابه فيها مع بعض الملاحظات على هذا الجهد.
ويبقى إدعاء متكرر يظهر بين الحين والآخر حول كون علم التخريج قد غاب الاهتمام به في البيئة العلمية بمصر والشام حتى أصبح استعمال العلماء له استعمالا تقليديا ليس فيه إلا تقليد جهود ابن الأثير في كتابه جامع الأصول والسيوطي وغيرهما , بل وبالغ بعضهم وذكر أن علم التخريج كان ميتا طوال 300 عام حتى قيض الله له من أحياه في أواخر القرن الهجري الماضي ..فهل هذه الدعاوي لها نصيب من الصحة ؟

في الواقع كما سبق ذكره لا ينكر أحد أن الزخم الذي كانت عليه علوم الحديث قد قل وخفت منذ القرن العاشر الهجري حتى أدى إلى غياب الكثير من المفاهيم العلمية لهذا العلم (2) ولكن لا يعني ذلك أن هذه العلوم قد غيبت بشكل كامل بدليل استمرار التأليف فيها وعدم انقطاعه حتى في عصور التأخر (3) وحتى علم تخريج الحديث الذي يذكر البعض بشكل متكرر أنه غاب عن اهتمام العلماء في بلاد المشرق العربي لم تكن الحال بالنسبة له كما يظن الكثيرون ولعل الجهد العلمي الذي قام به الشيخ أحمد بن الصديق الغماري و تركيزه على علوم الحديث بشكل عام و الاعتناء بتخريج الحديث بشكل خاص يكفي لنقض دعوى موات علم التخريج حتى نهايات القرن الهجري الفائت وقد كان الشيخ معتنيا بعلوم الحديث مشتغلا بالبحث والتصنيف فيها وعد له صاحب ( تشنيف الأسماع ) 161 مؤلفًا جاءت جلها في علوم الحديث إلا قليلا وتنوعت ما بين البحث في تصحيح الأحاديث أو تضعيفها و الكلام عن طرق بعض الأحاديث و المستخرجات و الشروح وتخريج الحديث الذي ألف فيه الشيخ أحمد ومنها :

- الهداية في تخريج أحاديث البداية ) بداية المجتهد لابن رشد)


- فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب ( مسند الشهاب القضاعي ) و ألف الغماري أيضًا منحة الوهاب لتخريج أحاديث نفس المسند


- الاكتفا بتخريج أحاديث الشفا وهو تخريج لكتاب ( الشفا ) للقاضي عياض


-عواطف اللطائف في تخريج احاديث عوارف المعارف للسهروردي


- تخريج على أحاديث حلية الأولياء (4)


واللافت للنظر هنا أن جهود الشيخ الغماري قد جانبت التقليد والتكرار فلم يقنع الشيخ بوجود من صنف في تخريج أحاديث الشهاب كأبي العلاء إدريس بن محمد بن حمدون العراقي الفاسي (١١٨٣ )و محمد بن جعفر الكتاني ت (1345) ونفس الأمر بالنسبة لتخريج أحاديث الشفا الذي ألف فيه السيوطي قبل الشيخ أحمد و تخريج احاديث الحلية التي سبقه للتأليف فيها الحافظ السخاوي فلو كان التصنيف في التخريج تقليدا وإعادة اجترار لما كلف الغماري نفسه بإعادة العمل على هذه التصانيف وتخريج ما فيها ولا يقال أن الغماري لم يكن يسمع بهذه الجهود التي سبقته فقد كان من أسرة علمية وكان معروفا عنه سعة الإطلاع مع دوام الاتصال بالعلماء وقد امتد هذا الاهتمام بعد ذلك لأخويه الشيخ عبد الله والشيخ عبد العزيز ولم يكن الشيخ أحمد الغماري هو الوحيد في الاهتمام بالتخريج فقد صدر للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي تحقيق لكتاب (شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح ) تضمن تخريجا للأحاديث الواردة فيه ولما كان تحقيق الأستاذ عبد الباقي يتضمن كثرة من الملاحظات تعقبه الشيخ المعلمي اليماني في رسالة ضمن مجموع رسائل في التحقيق (5) وقد كانت هذه التعقبات والملاحظات من الكثرة بحيث جعلت عمل الشيخ اليماني بمثابة تخريج جديد لأحاديث كتاب ابن مالك كانت نشرة الأستاذ في الخمسينات و كان تعليق الشيخ اليماني عليها في أواخر الخمسينات وفي نفس هذه الفترة كان هناك جهود حديثية مبرزة ومعلومة للشيخ محمد الحافظ التيجاني وكان منها تخريجه على أحاديث الكشاف الذي طبع منه جزآن وتأمل جليا في متابعة الشيخ الحافظ التيجاني لجهود العراقي وابن السبكي والمرتضى الزبيدي في التعاقب على تخريج أحاديث الكشاف ..


ولم يقتصر هذا الاهتمام على مصر وبيئتها العلمية فحسب وإنما كان موجودا في مناطق أخرى فقد صنف الشيخ الحجوجي تخريجا على أحاديث الشمائل النبوية للترمذي وكان له هو أيضًا تخريج على أحاديث مسند الشهاب وقد سلف منا ذكر عمل الشيخ محمد جعفر الكتاني في تخريج احاديث الشهاب ..


أما علم التخريج نظريا فقد كان لا وجود له فعلا ولكن أول ما ألف فيه كان ثلاثة خرجت مؤلفاتهم في وقت متزامن تقريبا :


1- كتاب الشيخ عبد الموجود عبد اللطيف ( كشف اللثام عن أسرار تخريج أحاديث خير الأنام صلى الله عليه وسلم)


-2 وكتاب الشيخ عبد المهدي عبد القادر ( طرق تخريج الحديث ) وهو أسبق طباعة من الأول كما ذكر الشيخ إبراهيم المرشدي في كتابه عن المحدثين في الأزهر الشريف و كلا الكتابين صادر في أواخر السبعينيات (6)


3- كتاب ( أصول التخريج ) للدكتور محمود الطحان وألفه في أواخر السبعينيات .


ويتعذر القطع هاهنا بأي هذه المحاولات كان سابقًا على غيره وله الأولوية وإن كان هذا في النهاية يشير إلى تفكير جمعي في التأصيل لعلوم التخريج


على أن أسبق محاولة للتأليف في هذا الفن كانت كتاب الشيخ أحمد بن الصديق الغماري ( حصول التفريج في أصول العزو والتخريج ) لكن تأخر طبعه بعد وفاة مؤلفه بكثير وغلبة الظن بأنه لم يكتمل يُبعد به عن هؤلاء وإن كان لا يخرجه من محل الاستدلال .


فأنت تجد بعد استعراض ما مضى :


1- لم ينقطع التصنيف في علوم التخريج من الأصل ولم يكن هذا التصنيف تقليدا وإعادة تدوير لجهود السابقين بل كان فيه شيء من الاستدراك والنقد و المراجعة .


2- كان هناك نقود ومراجعات على هذه الأعمال كما في تعقبات الشيخ المعلمي اليماني لعمل الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي في تحقيقه لشواهد الايضاح لابن مالك.


3- كان هناك اهتمام متعاقب بوضع أصول جامعة وقواعد يُرجع إليها في علم التخريج كما في تصنيف الشيخ أحمد الغماري ثم كتابات الدكتور عبد الموجود والدكتور عبد المهدي عبد القادر و الدكتور محمود الطحان .


يبقي أمر أخير يتعلق بتتبع نسخ طبعات تخريجات كتب ( الإحياء) و ( الشمائل ) و ( الشفا ) و ( الكشاف) في بدايات ظهور المطابع و النظر على حركة نشر وطبع هذه الكتب بما يفيد أنها كانت متداولة و لها سوق - و إن كان محدودا - مما ينافي الدعوى بموات علم التخريج و غيابه و أيضا تتبع النسخ الشخصية لهذه الكتب عند قدامى علماء الحديث المبرزين في دور الكتب و مكتبات الجامعات و مراكز حفظ التراث بما يعطي صورة أفضل عن طبيعة التعاطي مع هذا العلم في القرون الأخيرة وهي فكرة متاحة لمن شاء أن يمضي فيها من الباحثين..





هوامش:
(1) يُنظر كمثال مقال ( إحياء علوم السنة في الأزهر) ضمن جمهرة مقالات الكوثري المطبوعة بدار السلام .
(2) تحدث الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في كتابه (سبيل التوفيق ) أنه وجد من علماء مصر من لا يعرف ماهية الإجازة .
(3) يُراجع كمثال كتاب ( تزيين الألفاظ بتتميم تذكرة الحفاظ ) للدكتور محمود سعيد ممدوح .
(4) لم يتمه كما ذكر صاحب ( تشنيف الأسماع).
(5) مطبوعة في الأعمال الكاملة للشيخ المعلمي اليماني .
(6) ( المحدثون في الأزهر الشريف) إبراهيم المرشدي ص 186



المراجع:
1- (سبيل التوفيق في ترجمة الشيخ عبد الله بن الصديق) الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري..مكتبة القاهرة الطبعة الثالثة سنة2012م
2- ( مقالات الكوثري ) مقالات الشيخ محمد زاهد الكوثري , دار السلام الطبعة الثالثة سنة 2009م
3- (تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع) د محمود سعيد ممدوح , طبعة بيروت دون ذكر اسم ناشر , الطبعة الثانية عام 1424ه
4- ( تزيين الألفاظ بتتميم ذيول تذكرة الحفاظ ) د محمود سعيد ممدوح طبعة دار البصائر , الطبعة الأولى سنة 2009م
5- ( المحدثون في رحاب الأزهر الشريف ) د إبراهيم المرشدي دار اكشيدة الطبعة الأولى سنة 2014م



نبذة عن الكاتب
الاسم : أحمد متولي محمود السيد
اللقب : أحمد السيد
الجنسية : مصري
العمل : معلم لغة عربية لغير الناطقين بها – مشرف علمي وتربوي في مجال الطلاب الوافدين
تفاصيل أخرى : طالب في الدراسات العليا بكلية دار العلوم قسم الدراسات الإسلامية
رقم الهاتف والواتس : 01019783102
الايميل : [email protected]

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...