سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((47))
سورة البقرة - الدرس (45)
من أصول العقيدة في سورة البقرة (2)
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
*ما المقصود بالإيمان بالغيب؟ وما الطريق في معرفته؟
لا ريب أن الإيمان بالغيب المجرد قولاً واعتقاداً وعملاً هو التصديق والإقرار به، كي يتميز المؤمن عن الكافر الذي لا يؤمن إلا بعالم الشهادة المحسوس، فالتصديق بالغيب الذي خلقه تعالى هو مما اختص الله به المؤمنين المتقين، سواء كان الخبر عما كان غائبًا في الأزمنة السابقة أو الحاضرة أو المستَقبَلة، لأنهم يقرّون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام قبله بما جاء به الخبر الصادق اليقيني، الذي لا يحتمل الشك، وذلك إما بالفطرة أو بالعقل أو بهما معاً(1).
*ما موقف الجاحدين المكذبين بالغيب؟
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: إن المؤمن بالغيب وإن لم يشاهده هو المسلم الصادق حقَّاً وإن لم يهتد إليه عقله وفهمه، بخلاف الزنادقة _أي والملحدين والجاحدين المكذبين بالأمور الغيبية_ لأن عقولهم القاصرة المقصّرة لم تهتد إليها وتسلّم بوجودها، وفاتهم أنهم قد كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فقصرت عقولهم ومرجت أحلامهم، بينما زكت عقول المؤمنين المهتدين بهدى الله تعالى(2).
ثم إنهم عرفوا أن تصديقهم بالوحي الذي هو الطريق الوحيد للتعريف بحقائق الأشياء الداخلة في عالم الغيب، وأنه ليس للإنسان أن يطلب علم الغيب خارج دائرة الوحي الإلهي، لأنه مرسل من الله الخالق الواهب العليم بما خلق، وما فيه مما استأثر بعلمه، وإلا ما شاء أن يعلِّم شيئًا منه للرسل الذين أرسلهم للبشرية مبشرين ومنذرين، وذلك في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)﴾ [الجن].
وعلى ذلك فالمؤمن الذي أيقن بما أنزله خالقه، وأكد الوثوق له بما أرسله من الرسل الذين أخذوا عن الله تعالى بوحيه الأمين جبريل عليه السلام، فعند ذلك يدرك كاملًا أن:
1_ العقول الراهنة مفتقرة إلى إدراك الغيب وإلى الوحي.
2_ يجب علينا الوقوف من المغيبات عند النص الموحى به (3).
*ما صفة المؤمن المتقي الموقن بالغيب؟
إن المؤمن المتقي الذي ميزه الله تعالى بالعقيدة السليمة التي جعلته موقناً بالغيب هو من يخشى الله تعالى ويخاف منه ويرجوه سبحانه، فيطير بجناحي الخوف والرجاء، كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح جميعاً. قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 49]، وقال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: 11].
وقد نقل المفسّر ابن عادل(4) عن الربيع بن أنس(5) عند قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال أبو مسلم الأصفهاني: أي إنهم يؤمنون بالله تعالى حال الغيبة كما في الحضور، لا كالمنافقين الذين: ﴿إذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14].
*كيف كان حال العرب بالإيمان بالغيب؟
مع أن الله تعالى خصَّ المتقين بهذه الصفة العظيمة؛ إلا أننا نشير إلى أن معظم العرب زمن الرسالة وقبلها كانوا يعترفون بوجود الله تعالى بالغيب، وبعضهم يثبتون وجود الملائكة، ولا يؤمنون باليوم الآخر، ومما قاله أبو سفيان:
وَبِالْغَيْبِ آمَنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا … يُصَلُّونَ لِلْأَوْثَانِ قَبْلَ مُحَمَّدِ(6)
ولكن كان كثير من الناس يأتون العرّافين والكهان ويصدّقونهم بما يخبرونهم من أمور الغيب، وهو ليس من الإيمان في شيء(7).
بينما لا يؤمن هؤلاء الجهال والمتكبرون بالغيب الثابت في عقيدة التوحيد، ومن أشكالهم في زماننا من يسير هذه السيرة السيئة _وبعضهم من المثقفين_ ولا شك أنهم لم يعرفوا القاعدة العقلية القائلة: "إن عدم إدراك الغيب المجهول لا ينفي وجوده في الغيب المكنون"(8).
*هل يعلم الرسل الغيب؟
يجب أن نعلم أن عالم الغيب أوسع كثيرًا من العالم المشهود، ولكن المسلم المؤمن يوقن أنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... ﴾ [الأنعام: 59].
وكذلك فالغيب لا يعلمه الرسل حتى سيدنا محمد عليهم السلام، الذي بيّن الله تعالى أنه لا يعلم هذا الغيب، فلم يعرف متى الساعة _يوم القيامة_، وقال له جبريل في الحديث المعروف عند البخاري ومسلم: "يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا _علاماتها_" الحديث(9). فبيّنها عليه السلام.
وقد قال الله تعالى عنه في القرآن وهو يخاطب القوم: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188].
وكذلك النبي نوح عليه السلام: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [هود: 31]، وكذلك سائر الأنبياء عليهم السلام، وإن هذا مستمر إلا حين ينزل الوحي من الله سبحانه فيعلمهم، كما حكى الله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: 37]. ولا ريب أن الإيمان باليوم الآخر هو من الغيب.
وفي الختام: فإن الغيب ما جاء من عند الله تعالى، وما ورد في صحاح الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوحي الله تعالى إليه، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)﴾ [النجم](10).
***
هوامش:
(1) انظر: تفصيل الكلام عند الطبري في تفسيره: 1/241، 243.
(2) انظر: تفسير السعدي: 1/47.
(3) انظر: العقيدة الإسلامية وأسسها: ص: 25-26، عبد الرحمن حبنكة الميداني.
(4) تفسير اللباب في علوم الكتاب: 1/286.
(5) تفسير الماوردي: 1/68.
(6) انظر: تفسير القرطبي: 1/64، ومسائل نافع بن الأزرق: ص: 260.
(7) انظر: التفسير القرآني للقرآن، د. عبد الكريم الخطيب: 1/127.
(8) انظر: موسوعة فقه القلوب، محمد التويجري: 8/812.
(9) رواه البخاري: (4499).
(10) انظر: الإيمان بالغيب: ص: 30، د. بسام العموش.
بقلم: د.خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


