سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((45))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((45)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٣ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
6

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((45))

سورة البقرة - الدرس (43)
السنن الكونية في النصر (3)


قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [سورة البقرة: 214].
لمَّا كان بَدَهياً أن دخول الجنة في التصور الإيماني هو الغاية الأسمى لمن آمن بالله تعالى من الأمم السابقة وأمة الإسلام، جزاءً للعمل الصالح بتوفيق الله تعالى وفضله ولطفه، حيث إن الجنة سلعة غالية، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((ألا إنَّ سِلْعةَ اللهِ غاليةٌ، ألا إنَّ سِلْعةَ اللهِ الجَنَّة))(1)؛ فقد جاء الخطاب تعليقاً على سباق هذه الآية فيمن اختلفوا من أهل الكتاب بعد ما جاءتهم البينات، فوفّق الله تعالى المؤمنين لمعرفة الهدى من الضلال بإذنه وإرادته، والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم، وهو طريق الإيمان، إذ صبروا على إيذاء قومهم لهم، فجاء السياق: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ...﴾، أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم.. الآية.
والخطاب للرسول والصحابة الكرام وثلة المؤمنين من الجماعة المسلمة في كل وقت، أنه بغير الاقتداء بمن سبقكم لا يكون نصر ولا دخول الجنة.
ويوضح ذلك قول قتادة والسدي أن أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن سبب نزول الآية هو في غزوة الأحزاب _الخندق وهو الرجح_، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدة والبرد وأنواع الشدائد، وكان كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10].
وقيل: نزلت في غزوة أحد، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].
*فالموضوع عموماً وخصوصاً يعلِّق على ضرورة القيام بالتكاليف التي تعبَّدنا الله عزوجل بها مع الصبر والاقتداء بمن سبقنا كبني إسرائيل، حيث ابتلوا فلم يصبر منهم إلا الذين آمنوا مع موسى عليه السلام ومع طالوت من بعده.
فهذه سنة الله تعالى من الابتلاءات المتنوعة للأنبياء وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين(2).


*من حكمة توجيه هذه الآية:
إن هذه الآية إنما نزلت من أجل تثبيت المؤمنين وتشجيعهم على دوام الصبر في البأساء (أي: البؤس والشدة والحاجة)، والضراء (من المرض والعلل والأوصاب)، وزُلْزِلوا (أي: حُرِّكوا وأصابتهم الهزَّة والرَّجة والاضطراب والخوف والجوع)(3).
وهذه حالة رهيبة وتجربة سابقة على المسلمين أن يتذكروها فيعيشوا محنتها، لأنها الدور المنوط بهم من الحق سبحانه، فيتقنوا التربية الإيمانية بالأحداث السابقة، إذ هم الذين يكلُ الله إليهم رفع الراية، راية الأمانة في الأرض لتنفيذ منهجه الفريد، وإنها لتجربة عميقة تميز الذين اختارهم الله تعالى، وموقفهم من سنته التي لا تتخلف عن المؤمنين (4).
_ هذا وقد بيَّن الله تعالى ووسع كلامه فيما يخص الأحوال التي يجب أن يكون عليها جنوده الربانيون بالاستعداد المستطاع، والذي هو مادِّي عسكري وروحي معنوي، إذ يُهيَّأ لمواجهة الأعداء؛ لأن ما أراده هو المقصود الأساسي، أما ما يأتي بعده من النصر بعد المناجزة المتقنة فقد اختصر الله تعالى البيان فيه، وذلك عند قوله سبحانه: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، إذ هو تحصيل حاصل لما يحدث.


*من معاني النصر:
النصر بمعناه المادي لغة هو: الظفر على العدو، وبمعناه المجازي هو: الإعانة، كقولنا: نصر الغيث الأرض، أي: غاثها وسقاها(5).
وأما معناه في الاصطلاح فهو: التأييد الذي يكون به قهر الأعداء والاستعلاء عليهم(6).
*والذي يتبادر إلى الذهن أن النصر سنة ربانية للأنبياء والمرسلين، فلماذا لا نرى عدم تحقق النصر عاجلاً، مع أن الله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]؟
والجواب كما قال العلماء: إن هذا النصر بحسب الإيمان، ولفهم المعنى أرجع الامام الطبري الأمر إلى وجهين:
الأول: إنا لننصرهم إما بإعلائنا لهم على من كذَّبهم وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظَفَر عليهم كما صار مع داود وسليمان، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر.
الثاني: أي: انتقامنا ممن حادَّهم وشاقَّهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم، كالذي صار بنوحٍ وقومه، من التغريق وإنجائه منهم. أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مَهلكهم(7).
وقال ابن القيم عند قوله تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، قال:
"فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل، كما تسببوا إليه يوم أُحُدٍ بمعصية الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفته (8).
نقول: ويؤيد هذا ما قاله عمر رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قبل معركة القادسية، ففي تصورنا الإسلامي أن النصر إنما يحدث بالإيمان وإعداد العدة والتوكل على الله تعالى.
_ فمن خلال ذلك نرى أن تأخر النصر لا يعني انعدامه، فهو آت لا محالة، ولكن يتأخر لأحد سبين:
الأول: وجود حكمة ربانية، والثاني: حصول الموانع له(9).
_ وعليه فقوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} لا يدل على الشك بنصره، وإنما هو استغاثة عند حدوث العوارض المزعجة، والدعاء مطلوب للمضطر، سواء كان رسولاً أو غيره، ولذلك كان الجواب من الله تعالى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} لمن يستحقه، وقد قام عليه التكليف الشرعي، وهذه بشارة منه تعالى، ليتمكن الثبات في الصفوف، وكما قال أهل العلم: أنه "إذا اشتد الكرب اقترب الفرج"، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 110].
فعلينا نحن المؤمنين أن نستوعب مفاهيم القرآن ومقاصده متدبرين آياته حتى نقف على الجادة الصواب.
***


هوامش:
(1) رواه الترمذي: رقم: (2618)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
(2) ينظر: تفسير الطبري بتهذيب د. صلاح الخالدي: 1/653، وتفسير القرطبي: 3/33، وتفسير البيضاوي: 1/216، وتفسير المراغي: 2/162.
(3) ينظر: تفسير القرطبي: 3/:33، تفسير النسقي: 1/178، أيسر التفاسير: 1/193.
(4) ينظر: في ظلال القرآن: 1/218.
(5) ينظر: مقاييس اللغة ابن فارس: 5/435، وتاج العروس، مرتضى الزبيدي: 14/ 223_235.
(6) ينظر: فتح القدير للشوكاني: 5/509.
(7) تفسير الطبري: 20/344.
(8) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان: 1/101.
(9) ينظر للتوسع: موسوعة شرح أسماء الله الحسنى: 2/431.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...