سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((42))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((42)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
23

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((42))

سورة البقرة - الدرس (40)
بنو إسرائيل بعد موسى.. وسنة الابتلاء (4)


بعد أن أرانا الله تعالى تحقق سنته الكونية في نصر طالوت وأتباعه القِلة المؤمنين على الكثرة الظالمين؛ قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)﴾.
وهذه سنة المدافعة في الصراع الدائم بين الحق والباطل، والأخيار والأشرار إلى يوم الدين، كما جاء في سورة الحج [الآية: 39_40].
وفي كلتا الآيتين بيان أن الله تعالى يرد الكافرين عن المؤمنين المحاصرين، وأنه إذا لم يقم الجهاد لردعهم لفسدت الأرض، وخُرِّبت المساجد والمعابد، أما حين تبقى سليمة فهذا دليل على توفيق الله تعالى للمجاهدين، الذين اكتسبوا الفضائل بحفظ المساجد والأنفس.
قال البغوي وسائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار؛ لهلكت الأرض بمن فيها، أو: لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه.
وقيل: هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا.


وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ عز وجل لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِئَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ البَلَاءَ»(1). فسنة دفع الناس بعضهم ببعض سنة كونية(2). حيث رأينا في اندفاع هذه الفئة القليلة وانتصارها:
1_ تمثيلاً لإرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض، وتمكين الصلاح في الحياة.
2_ مثالاً للغاية العليا في الانتصار، لأنها أمة وسطاً، ستقوم على الناس بهذا المنهج الرباني إلى آخر الزمان.
3_ ذخيرةً حيةً للتجارب، ودرساً عملياً للجماعة الإسلامية في شتى المجالات وشتى الاتجاهات، درساً في التربية والإعداد للدور الخطير القادم، الذي قدره الله لها في الأرض(3).


*ثم جاء ختام هذه القصة بقوله سبحانه:
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ... } أي: تلك الآيات العالية المقام، البعيدة الغايات، يتلوها عليك من يملك حق تلاوتها وتنزيلها وجَعْلها دستوراً للعباد، وليس هذا لغير الله سبحانه.
_ {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)} نورثك ميراث المرسلين أجمعين، فنتلوا عليك هذه الآية ونزودك بتجارب البشرية كلها في جميع أعصارها ومراحلها(4).


*ماذا نستفيد من هذه القصة؟
هناك فوائد جليلة فيها، ومن ذلك:


أ_ ما قاله الإمام القرطبي: في الآية تحريض على القتال واستشعارٌ للصبر واقتداء بمن صدَقَ ربه، وهكذا يجب علينا نحن أن نفعل. لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى أصبح العدد الكبير منا ينكسر قدام اليسير من العدو بما كسبت أيدينا!
فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]، وقال سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40].
فأسباب النصر وشروطه هذه معدومة عندنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا، بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه، لظهور الفساد وكثرة الطغيان وقلة الرشاد، حتى استولى العدو وعمَّت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم الله(5). فكيف لو رأى القرطبي حال المسلمين اليوم، فماذا سيقول؟.


ب_ قال العلماء: إن الله تعالى يقص علينا قصة الملأ من بني إسرائيل لنعتبر ونتعظ، وليس المراد منها حديثاً عن الماضين فحسب، وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، ليكونوا على حذرٍ وعبرةٍ مما وقع فيه غيرهم (6).


ج_ يقول الشيخ البقاعي: لعل ختام قصص بني إسرائيل كان بهذه القصة لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة، لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل، ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العِلْم الأعظم من دلائل التوحيد، فكان ذلك في غاية المناسبة(7). قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: 99].


د_ في هذه القصة نجد أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به؛ أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم.


هـ_ أن الحق كلما عورض وأوردت عليه الشبه؛ ازداد وضوحاً وتميز وحصل به اليقين التام كما جرى لهؤلاء لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك.


و_ أن العلم والرأي مع القوة المنفِّذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها.


ز_ أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر.


ح_ من حكمة الله تعالى وسنته في خلقه تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان، فلم يكن سبحانه ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز حتى بين لهم ما يتقون(8).

*ماذا حصل بعد هذا النصر العظيم:
بعد أن منَّ الله تعالى على الفئة القليلة بالنصر المبين؛ اقتضت حكمته سبحانه أن أعز المؤمنين وأذل الكافرين.
واشتهر داوود عليه السلام بين الناس، وأورثه الله الملك والنبوة بعد طالوت، قال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20] (9). ليكمل مسيرة الأنبياء والرسل من قبله في هداية بني إسرائيل خاصة والبشرية عامة في نقلهم من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان والفوز في الدار الآخرة.
***
يتبع


هوامش:
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير: 13/215 (13940)، عن ابن عمر. وضعفه المنذري وفال الهيثمي: فيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف. فيض القدير للمناوي: 2/262.
(2) ينظر: تفسير البغوي: 1/308، تفسير القرطبي: 3/261، تفسير السعدي: ص108.
(3) ينظر: في ظلال القرآن: 1/ 269، 271، 272.
(4) ينظر: في ظلال القرآن: 1/271.
(5) ينظر: تفسير القرطبي: 3/255.
(6) ينظر: تفسير السعدي: ص107.
(7) نظم الدرر: 3/442.
(8) تفسير السعدي: ص108.
(9) ينظر: التفسير المنير: 2/429.



بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...