سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((33))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((33)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٠ صفر ١٤٤٨ هـ - ٢٤ تموز ٢٠٢٦
22

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((33))

سورة البقرة - الدرس (31)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (5)


إن من أشهر سنن الله تعالى التي نزلت في اليهود من بني إسرائيل:


11_ تشديد الأمر عليهم وتقريعهم لتَعَنُّتِهم وتحايلهم على أمر الله تعالى في قصة ذبح البقرة وإحياء القتيل بإذن الله.
فلما بيَّن سبحانه وتعالى في الآيات السابقة خشونتهم في حقوقه العامة والخاصة؛ أتبعه ببيان غلظة قلوبهم وعنادهم في مصالح أنفسهم (1)، فقال ﷻ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)﴾.
هذا وقد سميت أطول سورة في القرآن الكريم باسم "سورة البقرة"؛ لما ذكر فيها من غرائب وأحداث تلك القصة العجيبة، وظهور ما كان عليه اليهود من التمرد والمكابرة والابتعاد عن الاستسلام والإذعان لأمره سبحانه وتعالى. ولعل هذا هو المقصود وبيان ما فعلوا بموسى من معارضةٍ وقولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93]، فساق جل جلاله هذه القصة كي تفيد منها أمة الإسلام، فيستسلموا لأمر الله ويعلموا أن اليهود أخطر عدو لهم.

*ما قصة ذبح هذه البقرة؟
روي أنه كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لا يولد له، وكان له مال كثير، فكان ابن أخيه وارثه، فقتله ليستعجل الميراث، ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يَدَّعيه عليهم حتى تسلَّحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي منهم والنُّهى: "عَلام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم؟"، فأتَوا موسى فذكروا ذلك له، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قَالُوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}. حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها.
فقال: "والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً"، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها، ثم ضربوه ببعضها _ قيل بلسانها أو بذيلها_، فقام القتيل، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا _لابن أخيه_ ثم مال ميتًا، فلم يُعط من ماله شيئًا، فلم يورث قاتل بعد(2).


*من دلالات سنته تعالى في هذه القصة.
_ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: 67]، أي: اذكروا _يا بني إسرائيل_ نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل وإحياء الله للمقتول، ونصه على من قتله منهم(3).
وفي هذا تقريعٌ آخر لأخلاف بني إسرائيل _بتذكير بعض جناياتٍ صدرت عن آبائهم _، فكأنه يقول لهم: "اذكروا جناية أسلافكم، وكثرة تعصبهم ونقاشهم لموسى حين أمرهم بذبح بقرة"، فقالوا _مستكبرين_: "أتجعلنا موضعًا للسخرية والاستخفاف!" فردَّ عليهم: "أستجير بالله أن أكون من المستهزئين"(4).

*ما صفات البقرة التي أُمروا بذبحها؟
بيَّنتِ الآيات كيف تحاجُّوا ولم يستجيبوا لله سريعاً.
ففي أول الأمر: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: 68] وفيه دليل على شدة تَصَلُّبِهِم وابتعادهم عن الانقياد لله عز وجل والإذعان لأمره.
فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (فَلَوِ اعْتَرَضُوا أدنى بَقَرَة فَذَبَحُوهَا لأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)، وما قاله ابن عباس متفق عليه بين مفسري السلف.
واليهود كانوا يسلكون هذه الطرق في غالب ما أمرهم الله به(5).
ولذلك لمَّا تنطعوا بكثرة السؤال عن صفة البقرة؛ أثقلَ الله تعالى عليهم الأمر بتعيين صفاتٍ معينة فيها، مما صَعّب وشقّ عليهم وجودها، حتى بلغت خمس صفات رئيسية: "السن، اللون، وهل تعمل، السلامة من العيوب، اللون الخالص"، وذلك كما جاء في الآيات الآتية.


1_ الصفة الأولى في قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [68] "الفارض" هي الطاعنة في السن والهَرِمة، وقال الكسائي: الفارض: الكبيرة العظيمة، و"بقرة بكر" أي: فتية لا تحمل، و"العَوَان": الوسط التي بين الفارض والبكر، أو بين المسنة والشابة، أو: لا صغيرة ولا كبيرة.
_ قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [68] أي قال لهم موسى عن الله تعالى: "افعلوا ما أمرتكم به بلا لَجَاجة ولا مُرَاوغة، ولا محاولةٍ للإفلات من أمر الله تعالى".


2_ الصفة الثانية في قوله تعالى: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: 69].
فاقع: من الفُقُوع، وهو الصُّفرة الواضحة، قال ابن عباس: شديد الصفرة.
_ وبعد كل هذا التفصيل والتعيين فيها قالوا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70]، وفي قولهم هذا تأكيد الإثارة في الحيرة، مع أنه لا حيرة في الموضوع ذاته، إنما الحيرة في أنفسهم الملتوية التي سرى إليها تقديس البقرة.


3_ الصفة الأخيرة في قوله تعالى: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71].
"ذَلُولٌ" أي: لم يذللها العمل، "تُثِيرُ الأَرْضَ" يعني: لا يزرع عليها، وليست من العوامل بل سائمة، "وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ": أي أنها غير مذلّلة في سقاية الأرض، {مُسَلَّمَةٌ} بريئة من العيوب، {لَا شِيَةَ فِيهَا} لا لون لها سوى لون جميع جلدها، والوشي والشية: خلط لون بلون، وقال عطاء: لا عيب فيها، وقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد(6).


*ماذا فعلوا وكيف قابلوا أمر الله تعالى بعد تبيين كل هذه الصفات؟
_ قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)﴾، أي: فلمَّا سمعوا كل هذه الأوصاف التي لا يبقى بعدها ريب ولا يخالج سامعها شك؛ أقصروا من غوايتهم مضطرين، وانتبهوا من رَقدتهم، وعرفوا مقدار ما أوقعهم فيه تشبثهم وتعصبهم من التضييق عليهم، ثم امتثلوا الأمر الذي كان يسيراً فعسروه، وكان واسعاً فضيقوه، وذلك لِما وقع منهم من التثبط والعناد وعدم المبادرة (7)، ولكثرة لجاجتهم ومراوغتهم وجدلهم(8). وفي الحديث: "وأيم الله لو لم يستثنوا لما بُينَت لهم آخر الأبد"(9).


*وقفة: الجدير بالذكر أن الصراع بيننا وبينهم عقدي لا سياسي، ولأخذ الفكرة: فقد قام اليهود الآن باستقدام بقرة حمراء وجدوها بما يريدون وصفه، أو هي خمس بقرات وجدوها في ولاية تكساس في أمريكا وجلبوها إلى إسرائيل، وأقيم لها استقبال حكومي، وفرحوا أن أسلافهم يبحثون عنها منذ ألفي عام، وأنهم يريدون ذبحها عند ما يزعمون أنه الهيكل، حيث يذبحها أحد مريديهم الأطهار _لأنهم ليسوا أطهاراً_ ثم تحرق وتطحن أجزاؤها، ثم يرمون هذا المستخلص عند ما يزعمون أنه الهيكل، فيهدمون المسجد الأقصى ويقيمون المعبد، وطبعاً هذه خرافات عششت في عقولهم، ليس لها أي أساس من الصحة.
يقول الشيخ عكرمة صبري _خطيب المسجد الأقصى_: إن اليهود فشلوا في إثبات حجر واحد لهم من الأقصى، كما أن هذه البقرة لا علاقة لها ببقرة بني إسرائيل التي كانت معجزة لموسى عليه السلام، وإنما هذا العمل ليزدادوا وضوحاً وإصراراً على جهلهم وحقدهم.
***
يتبع



هوامش:
(1) نظم الدرر: 1/466.
(2) وذكر العلماء روايات أخرى للقصة، وقالوا: وهذه السياقات فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا نصدق ولا نكذب، فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم. ينظر تفسير ابن أبي حاتم: 1/136، وتفسير ابن كثير: 1/294_298، وتوفيق الرحمن في دروس القرآن"، فيصل بن عبد العزيز المبارك: 1/148.
(3) تفسير ابن كثير: 1/293.
(4) تفسير أبي السعود: 1/110، أيسر التفاسير: 1/69، صفوة التفاسير: 1/67_68.
(5) ينظر: فتح القدير للشوكاني: 1/114، الجواهر واللآلئ المصنوعة لعبد الله بن عبد القادر التليدي: ص50_51. وقال: رواه الطبري بسند صحيح.
(6) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي: 1/154_156، زهرة التفاسير: 1/266_268.
(7) وهذا الأرجح، وقيل: إنهم ما كادوا يفعلون لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه الأوصاف، وقيل: لارتفاع ثمنها، وقيل: لخوف انكشاف أمر المقتول، فتح القدير للشوكاني: 1/116، ومختصر الخازن: 1/39.
(8) زهرة التفاسير: 1/268.
(9) أخرجه الطبري في تفسيره: 2/99، وينظر عمدة التفسير: 1/25 لأحمد شاكر.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...