سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((31))
سورة البقرة - الدرس (29)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (3)
ومن تتمة سنن الله تعالى في اليهود:
7_ تتابع تذكيرهم بما امتن به عليهم من السقيا والطعام، وكفرهم به ونزول سنة الله فيهم من العذاب وضرب الذلة والمسكنة أبداً.
وقد جاء هذا في أمرَين:
أ_ نعمة السقيا بعد العطش والحر الشديد:
قال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)﴾ أي: اذكروا نعمة الله عليكم حين أصاب بني إسرائيل العطش وهم تائهون في صحراء سيناء، فأراد سبحانه أن يبين لهم صدق نبوة موسى عليه السلام، وأن يزداد إيمانهم باللّه ورسوله، فاستغاث موسى عليه السلام بربه أن يمنَّ على قومه بالماء، فأوحى إليه أن يضرب بعصاه حجرًا(1) في تلك الصحراء، فينفجر الماء من اثني عشر مكانًا فيه _بعدد أسباط بني إسرائيل وهم القبائل من ذرية أبناء النبي يعقوب عليه السلام الاثني عشر_ فعرف كل سبط العين التي صارت خاصة بمشربه، منعًا لما عساه أن ينشب بينهم من التنازع على الماء(2).
فسقاهم الله تعالى بأمر خارق للعادة ليكون لهم ذلك آية، فيلزموا الإيمان والطاعة(3).
*وقفة: العبث أشد الفساد، وفي هذه الآية معجزة لموسى عليه السلام، حيث كان نبع الماء من الحجر، وأعظم منها معجزة رسولنا محمد ﷺ حيث نبع الماء من بين أصابعه، فروي منه الجم الغفير(4).
ب_ إنزال أفضل الطعام عليهم وطلبهم استبداله بما هو أدنى.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [61].
أي: واذكروا نعمتي عليكم مما رزقناكم من طعام المن والسلوى، طعاماً طيباً هنيئاً مريئاً، واذكروا ضجركم وسأمكم منه، وطلبكم استبداله بما هو أدنى منه(5).
فبطِرتم النعمة كعادتكم، وأصابكم الضيق والملل، فقال لهم سبحانه:
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾. أي: اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة، _وقيل مصر والأرجح الأول_؛ تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق.
ولمَّا هبطوا تبيَّنَ لهم أنهم دائماً يُقَدِّمون اختيارهم ويُؤْثِرون شهواتهم على ما اختاره وأراده الله تعالى لهم(6).
*فماذا كانت سنة الله تعالى الأبدية فيهم؟.
_ إنزال العقوبة الخالدة عليهم وعلى ذراريهم بعدما توارثوا مخالفة أمره تعالى واحتقار نعمه سبحانه وتعالى، قال عز وجل: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)﴾، فعاشوا قرونًا مستعبَدين عند مختلف الأمم، وأورثهم هذا الاستعباد ذلة وفقرًا في النفس مما جعلهم لا يفرقون بين الحياة الكريمة والحياة الذليلة.
_ قال العلماء: ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه؛ جازاهم من جنس عملهم فقال: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} التي تُشاهد على ظاهر أبدانهم، {وَالْمَسْكَنَةُ} بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة، ولا لهم همم عالية، بل أنفسهم أنفس مهينة، وهممهم أردأ الهمم، {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}(7).
وقيل: معنى لزوم الذلة والمسكنة لليهود: أي أنهم فقدوا البأس والشجاعة وبدا عليهم سيما الفقر والحاجة مع وفرة ما أنعم الله عليهم، فإنهم لما سئموها صارت لديهم كالعدم، ولذلك صار الحرص لهم سجية باقية في أعقابهم(8).
_ هذا وإن قيام دولة(9) لليهود أيضاً لا يصادم هذه الآية التي تقرر إلحاق الذّل والهوان بهم؛ لأن مقومات الدولة الحقيقية غير متوافرة لهم، وهم في أمسّ الحاجة دائماً إلى الشعور بالطمأنينة والاستقرار، مما أحوجهم إلى الدعم المستمر غير المتناهي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً من الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا(10).
*لماذا أنزل الله تعالى عليهم هذه العقوبة القاسية؟
_ لأنهم كما قال جل جلاله: ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)﴾.
وكما جاء في الحديث الشريف: عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ"(11).
والشاهد هو قتل اليهود لأنبيائهم، ولذلك ضرب عليهم الخزي الأبدي، ورجعوا بغضب من الله تعالى(12).
* ومن خلال ما سبق من الآيات نرى أن الله عزَّوجلَّ مرة بعد مرة يذكرهم بأفعالهم وبسوء أخلاق أسلافهم، من عدم الصبر والتعنت والجهل والرعونة وغيرها...
*فما الحكمة من تذكيرهم بكل هذه الاِبْتِلَاءَات في عصر النبوة ؟.
_ مما قيل في حكمة ذلك:
أ_ تشبيههم في جحودهم معجزات النبي ﷺ بأسلافهم، مع مشاهدتهم عظم تلك الآيات الظاهرة.
ب_ تنبيهاً على أنه تعالى إنما لم يظهر على النبي ﷺ مثلها؛ لعلمه بأنه لو أظهرها يجحدنوها، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم(13).
ت_ التذكير من أجل أن يتعظوا ويشكروا فيؤمنوا بنبيه محمد ﷺ، ويدخلوا في دينه وينجوا مما حاق بهم من الذلة والمسكنة والغضب في الدنيا، ومن عذاب النار يوم القيامة(14). والله أعلم.
***
يتبع
هوامش:
(1) معيناً أو غير معين، على قولين في ذلك.
(2) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي: 1/145_146. تفسير البغوي: 1/99، ومختصر الخازن: 1/34.
(3) أيسر التفاسير للجزائري: 1/63.
(4) مختصر الخازن: 1/34.
(5) تفسير ابن كثير: 1/420.
(6) ينظر: التفسير الميسر: 1/9.
(7) تفسير السعدي: ص53.
(8) تفسير ابن عاشور: 1/528.
(9) ولعل كيانهم المؤقت هو الإفساد الثاني المعني في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]. فإنه لم تقم لهم دولة ثانية بعد هلاكهم على يد بختنصر إلا الآن.
(10) التفسير المنير: 1/147.
(11) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 6/431، رقم: (3868)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، وآخرون. وهو حديث حسن، وقال المنذري: إسناده جيد. قوله: "وممثل من الممثلين": أي مصور.
(12) ينظر: الجواهر واللآلئ المصنوعة في تفسير القرآن، لعبد القادر التليدي: 1/50.
(13) ينظر: تفسير الرازي: 3/518.
(14) أيسر التفاسير _مرجع سابق_: 1/63.
بقلم: د.خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


