التكامل بين العبادة والحميمة بين الزّوجين (1)

التكامل بين العبادة والحميمة بين الزّوجين (1)

التصنيف: ركن الشباب
الجمعة، ٢٥ محرم ١٤٤٨ هـ - ١٠ تموز ٢٠٢٦
45

إنّه لمن المؤسف حقّا أن نعتقد نحن المسلمين أنّ هناك تنافرا وتعارضا بين السّموّ الرّوحي وممارسة المتعة الجنسيّة فضلا عن الرقيّ العاطفي الجميل، وعندنا هذا النّبيّ العظيم، فكلّ سلوكاته توجيه للخير والكمال والسّمو، فالاقتداء به تحبّب إليه وقرب من الله تعالى.
حتّى أنّه عدّ التواصل الجنسيّ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع زوجاته من لطائف معجزاته، وهذا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ". قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: "كُنَّا نَتَحَدَّثُ ‌أَنَّهُ ‌أُعْطِيَ ‌قُوَّةَ ‌ثَلَاثِينَ"(1)، وفي رواية الإسماعيلي: "قوّة أربعين".
وجاء في جامع الأصول 2/255: "فإنّ الأنبياء عليهم السّلام زيدوا في النّكاح بسبب نبوّتهم، فإنّه إذا امتلأ الصّدر بالنّور، وفاض في العروق، التذّت النّفس والعروق، فأثارت الشّهوة وقواها، وريح الشّهوة إذا قويت، فإنّما تقوي من القلب والنّفس فعندها القوّة".
هذا وقد وجه العلامة المناوي في فيض القدير ذلك فقال: "فإن قلت: هل للتمدّح بكثرة الجماع للنبي صلى الله عليه وسلم من فائدة دينية، أو عقلية لا يشاركه فيها غير الأنبياء من البرية؟ قلت: نعم، بل هي معجزة من معجزاته السنية، إذ قد تواتر تواتراً معنوياً، أنّه كان قليل الأكل، وكان إذا تعشَّى لم يتغدّ وعكسه، وربما طوى أياماً، والعقل يقضي بأن كثرة الجماع إنما تنشأ عن كثرة الأكل، إذ الرحم يجذب قوة الرجل، ولا يجبر ذلك النقص إلا كثرة الغذاء، فكثرة الجماع لا تجامع قلة الغذاء عقلاً ولا طباً ولا عرفاً، إلاّ أن يقع على وجه خرق العادة، فكان من قبيل الجمع بين الضدين، وذلك من أعظم المعجزات فتدبر، والله أعلم"(2).
فمتى نعي معنى العبادة الحقّة وسعة شمولها؟، والإخلاص فيها في كلّ حركة من حركات حياتنا؟ ونجعل وجهتها هو إرضاء الله تعالى، لنعرف أسرار الحياة، وما خبأه الله لنا فيها من المتع والنعيم.
لذلك فمن عرف السّرّ في وجود النّساء لم يزهد في حبّهنّ، بل من كمال العارف بالله حبّهنّ فإنّه ميراث نبويّ وحبّ إلهي، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «حبّب إليّ من دنياكم: النّساء والطيب وجعلت قرّة عيني في الصّلاة»(3)، فذكر النّساء، أترى حبّب إليه ما يبعده عن ربّه؟، بل حبّب إليه ما يقرّبه من ربّه، وقوله: "حبّب إليّ" فلم ينسب حبّه فيهنّ إلاّ إلى الله تعالى وليس إلى نفسه(4).
حتّى أنّ هذا الحبّ قد يتعب المحبّ ويرهقه، ومع ذلك فكلّ الأسقام يطلب منها الشفاء ويبحث لها عن الدّواء إلاّ سقم واحد؛ وهو الحبّ الصادق، لذلك قال الودود سبحانه يرشدنا إلى الصّواب في هذا المقام: "رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ" [البقرة:286]، فلماذا تحرم نفسك وتحرمين نفسك هذه المتعة واللّذّة بسبب بعض التفاهات!.
والآن انظر بحصافة إلى هذا الترتيب العجيب في الحديث: ذكر النّساء أولاً، ثمّ الطيب، ثمّ الصّلاة، التي أصبحت بعد النّساء والطيب قرّة عين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وذلك لأنّ حبّ النّساء والتمتع بحبّهن يحدث في النّفس امتلاءً وإشباعاً عاطفيّاً، يؤدّي إلى استقرار وهدوء النّفس والأهواء والغرائز، لأنّ المرأة سكينة للرّجل وكذلك الرّجل سكن لها، لقوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَّيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الرّوم:21].
وبعد هذا الامتلاء والسّكينة يأتي دور الطيب والعطر الذّكي الذي يحدث انتعاشة في الرّوح تدفعها إلى السير نحو منشئها الأصلي، إلى بارئها سبحانه، فتقف بين يديه تناجيه في أتمّ سعادة وأشدّ لذّة، لأنّها بذلك تقف مع الكمال الجمال الحبيب الأوّل «إنّ الله جميل يحبّ الجمال»(5)، فالجمال في الكمال، والكمال في هدوء وسكينة العواطف وانتعاشة الرّوح وخفتها، فالكمال إلى الكمال المطلق أميل، والجمال إلى الجمال المطلق أقرب، والكمال المطلق والجمال المطلق هو الله سبحانه.
لذلك لا تعارض بين الجنس والعبادة، بل تكامل وارتقاء، قال أبو إسحاق: أتيت الأسود بن يزيد، وكان لي أخا أو صديقا، فقلت: أبا عمرو، حدثني ما حدثتك أم المؤمنين عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قالت: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِي آخِرَهُ، فَرُبَّمَا كَانَتْ لَهُ الْحَاجَةُ إِلَى أَهْلِهِ [أي رغبة جنسيّة]، ثُمَّ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ مَاءً، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ وَثَبَ، - وَمَا قَالَتْ: قَامَ - فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ - وَمَا قَالَتْ: اغْتَسَلَ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ -، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ»(6).
وهذا متواصل في كلّ اللّيالي حتّى في ليالي رمضان، حيث قال الحقّ سبحانه وتعالى: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ" [البقرة:187]، فلا تعارض بين العبادة والاستمتاع مع الزوج.
فالمرأة التي لا تفي بحاجة زوجها في ليالي رمضان؛ آثمة، والرّجل الذي لا يقدّر معاناة زوجته في رمضان؛ ظالم، والتوفيق بين المعاناة والحاجة كمالُ رشدٍ ودينٍ.
ولا أروع من التمازج الرائع بين العبادة والاستعداد لها وبين حميميّة رائعة تعين على زيادة الأجر والثّواب، ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الرّجل إذا نظر إلى امرأته ونظرت إليه نظر الله إليهما نظر رحمة، فإذا أخذ بيدها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما"(7). وأيضا يحصل هذا في يوم من أفضل أيام الأسبوع؛ يوم الجمعة، فعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَغَدَا، وابْتَكَرَ، فَدَنَا، وَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ، كَأَجْرِ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا»(8). وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سُئِلَ مَكْحُول "من غسّل واغتسل"؟ فَقَالَ: غسل رَأسه وَجَسَده. وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز: قَوْله: "غسّل" أَي جَامع امْرَأَته فأحوجها إِلَى الْغسْل، وَذَلِكَ يكون أَغضّ لطرفه إِذا خرج إِلَى الْجُمُعَة واغتسل هُوَ بعد الْجِمَاع. وقول سعيد أقرب للصّواب وأعمق في الفهم عن رسول الله. وهو قول الإمام أحمد وآخرون فقد ورد في فتح الباري لابن رجب قوله: وأنّه يستحب لمن له زوجة أو أمة أن يطأها يوم الجمعة، ثم يغتسل، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وحكاه عن غير واحد من التابعين، منهم: هلال بن يساف، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما. وروي عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة؛ لأنهم قد أمروا أن يغتسلوا، وأن يُغَسِّلُوا. وهو قول طائفةٍ من الشافعية، وحملوا عليه - أيضاً - حديث أوس بن أوسٍ، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: "من غسل يوم الجمعة واغتسل"، الحديث(9).
حتّى أنّ المالكيّة قالوا: "إذا طهرت المرأة من حيضتها (تطهّرت مكانها) أي وجب عليها الاغتسال؛ إن ضاق وقت الصّلاة التي رأت علامات الطّهر في وقتها، أو طلب زوجها مواقعتها في ذلك الوقت، - ولو دعاها أبواها أو أحدهما - إلى ما يوجب تأخير غسلها؛ فإنّه يجب عليها برّ زوجها قبل برّ أبويها، لأنّ حقّ زوجها أوْكَد عليها فتقدّمُه على حقّهما؛ لأنّه في مقابلة عوض"(10). بمعنى؛ يجب عليها أن تغتسل إذا ضاق الوقت الاختياري للصّلاة، كما يجب عليها أن تغتسل إذا دعاها زوجها لمعاشرتها - فإنّها تلبي زوجها ولو دعاها أحد والديها - ما دام في الوقت متّسع. فتلبية الزّوج أوجب مقدّم على الوالدين؛ لأنّه في مقابل عوض.
وقد كان من هدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلّ يوم - إلاّ نادرا - أن يجالس أزواجه ويلاعبهنّ ويلامسهنّ. وذلك لأجل إفراغ القلب من أخطر الشواغل وأملكها للقلب وهي "الشهوة الجنسيّة"، حتّى يتفرغ قلبه لله دون شاغل يشغله عن حبّه الأسمى، قالت عائشة رضي الله عنها: «مَا كَانَ يَوْمٌ أَوْ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ مَا دُونَ الْوِقَاعِ، فَإِذَا جَاءَ إِلَى الَّتِي هِيَ يَوْمُهَا ثَبَتَ عِنْدَهَا»(11). فإذا انهى مدّة القسمة وقبل البدء من جديد ربّما كان أحيانا يطوف عليهنّ فيجامعهنّ كلّهنّ في مرّة واحدة بغسل واحد، أو إذا جاء من سفر(12)، فعن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ» قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ «أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلاَثِينَ»(13).
وعلى هذا نفهم قول أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها في تأخيرها قضاء صيام رمضان إلى شعبان: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ [وفي رواية: إن كانت إحدانا]، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ. الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(14)، وفي رواية مسند إسحاق بن راهويه، وذلك: «حَيَاة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّهُ»(15)، ومعنى (من رسول الله أو برسول الله): أنّ كلّ واحدة منهنّ كانت مهيئة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترصّدة لاستمتاعه في جميع أوقاته إن أراد ذلك، ولا تدري متى يريده. ولم تستأذنه في الصّوم مخافة أن يأذن وقد يكون له حاجة فيها فتُفَوِّتَها عليه، وهذا من حسن الأدب. وأمّا في شعبان فإنّه صلى الله عليه وسلم كان يصومه فلا حاجة له فيهنّ حينئذ من النّهار، فتتفرغ عائشة وبقيّة زوجاته لقضاء الصوم. فقد قالت رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ رَمَضَانَ. وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ»(16).
ولعلّ هذا أيضا من أدب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنّه يترك لأزواجه فرصة لقضاء ما عليهنّ من رمضان الماضي، مع ما في شعبان من أسرار أخرى كرفع الأعمال.
وهذا حَنْظَلَةُ بْنُ سَبْرَةَ بْنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ (نَجْبَةَ)، يروي عَنْ عَمَّتِهِ، جُمَانَةَ، - وَكَانَتْ تَحْتَ حُذَيْفَةَ - قَالَتْ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ [الصبح] فِي رَمَضَانَ، فَيَدْخُلُ معها في لحافه، وَيُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ، وَلَا يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَيْهَا، تَعْنِي وهي حائض(17).
أيّ رقيّ هذا الذي تجسّده صورة التحنّن بأن يتلو رسول الله كلام ربّه واضعا رأسه في حجر زوجته، وهي حائض، فعن منصور بن عبد الرحمن، عن أمّه، عن عائشة، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا، فَيَتْلُو الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ»(18).
وأيّ رقيّ هذا الذي تجسّده تلك الصورة الجميلة التي تصوّرها عائشة رضي الله عنها حين يضع رسول الله رأسه الشريف في حجرها، وهي حائض، في أخصّ عبادة (الاعتكاف) فترجّل رأسه وهو على عتبة حجرتها - فالحائض لا يحلّ لها دخول المسجد - فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، ‌يُنَاوِلُهَا ‌رَأْسَهُ»(19).
ومن منهجه صلّى الله عليه وسلّم التوسّط في الدّين وكمال الاعتدال وذلك بضبط الأزواج الرجال من الانغماس في الحقّ الفردي الشخصيّ ولو كانت عبادة تلاوة القرآن الكريم - وهي عبادة ذاتيّة قاصرة - مقابل إهمال حقّ الآخر؛ كحقّ الزوجة في الاستمتاع - وهي عبادة متعدّية - لما فيه من ظلم وتعدّ، وهذا ما رواه عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟» فَقُلْتُ: بَلَى، يَا نَبِيَّ اللهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: «فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ «فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»، قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»، قَالَ: «وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ» قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ» قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»، قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ»، قَالَ: «فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(20).
وكذلك أيّما امرأة أحوجت زوجها أن يوازن بين تعبدها وانشغالها بالقرآن مثلا حفظا أو غير ذلك وبين إشباع رغبته؛ فقد وقعت في المحظور الذي قد تأثم فيه. والحكم واحد كما ينطبق على المرأة ينطبق على الرّجل؛ لقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فإنّ لزوجك عليك حقا".
وكذلك في إقامة السنن والغفلة عن الأهل، قال ابن الحاج في "المدخل": بأهمية المداومة على فعل السنن والرواتب وما كان منها تبعا للفرائض قبله أو بعده، وإظهارها في المسجد فهو أفضل من فعلها في بيته إلاّ بعد الجمعة والمغرب فقال: والتنفل في المساجد بتوابع الفرائض أفضل من فعلها في البيوت لئلا يكون ذلك ذريعة لمن لا علم عنده بتأكدها فيقتصر على الفرائض دونها. وهذا كلّه فيما عدا الرّكوع بعد المغرب وبعد الجمعة، فقد كان صلّى الله عيه وسلّم لا يفعلهما إلاّ في بيته؛ فأما بعد المغرب: فحكمة ذلك على ما قاله بعض العلماء أنّه فعل ذلك - عليه الصّلاة والسّلام - على ما علم من عادته الجميلة في رحمته بأمته إذ إن من كان منهم صائما وركع عقب المغرب في المسجد لينتظره أكثرهم حتى ينصرفوا بانصرافه فقد يكون عند بعضهم الأولاد والعائلة فينتظرونه [فهذا من باب اللّطف، والرّحمة، والشّفقة على الأهل؛ لأن الشخص قد يكون صائما فينتظره أهله وأولاده للعشاء ويتشوفون إلى مجيئه، فلا يطوّل عليهم، اهـ(21)] فيكون ذلك مشقة فأزالها - عليه الصلاة والسلام - عنهم بركوعه في بيته(22).


هوامش:
(1) البخاري، كتاب الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه في غسل واحد، رقم:256.
(2) فيض القدير شرح الجامع الصغير، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي (1031هـ)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، حرف الهمزة، رقم:86، 1/99.
(3) في كتاب الزهد للإمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي: "أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن". اللفظ الصحيح: "حبب إلي من دينكم الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة" النسائي 7/61، والحاكم 2/160 من حديث أنس بإسناد جيد. وأحمد في مسنده 3/128 و199 و285. وقال المناوي في فيض القدير 3/371: زعم الزركشي أن للحديث تتمة في كتاب الزهد لأحمد هي: أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن. وتعقبه المؤلف أي: السيوطي بأنّه مرّ عليه مراراً فلم يجده فيه، لكن في زوائد الزهد لابنه عبد الله بن أحمد عن أنس مرفوعاً: «قرة عيني في الصلاة وحبب إلي النساء والطيب والجائع يشبع والظمآن يروي وأنا لا أشبع من النساء». فلعله أراد هذا الطريق.
(4) انظر، الحبّ والمحبة الإلهية، كتاب يجمع أقوال الشيخ ابن عربي في الموضوع، ص36
(5) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم:178.
(6) مسند أحمد، أحمد بن حنبل (241هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، 1421هـ/2001م مسند النساء، مسند الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها، رقم:24708.
(7) أخرجه ميسرة بن عليّ في مشيخته، والرافعي في تاريخ قزوين عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، ورمز السيوطي في الجامع الصغير لصحّته. وانظر فيض القدير، 2/333، وسكت عليه في الجامع الكبير.
(8) مسند أحمد، مسند المدنيين، حديث أوس بن أبي أوس الثقفي وهو أوس بن حذيفة، رقم:16172. قال المحقّق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح. أخرجه أَصْحَاب السّنَن.
(9) فتح الباري لابن رجب، كتاب الجمعة، باب فضل الجمعة، 8/90.
(10) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، أحمد بن غانم، شهاب الدين النفراوي (1126هـ)، دار الفكر، 1415هـ/1995م، موجبات الغسل، 1/118. وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني، ما يجب منه الغسل، 1/149.
(11) المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله المعروف بابن البيع (405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ/1990م، كتاب الطهارة، رقم:468.
(12) شرح صحيح البخاري لابن بطال، أبو الحسن علي بن خلف (449هـ)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط: الثانية، 1423هـ/2003م، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاود ومن دار على نسائه بغسل واحد، 1/382.
(13) البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه في غسل واحد، رقم:268.
(14) صحيح مسلم (المسند الصحيح)، مسلم بن الحجاج أبو الحسن (261هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب الصيام، باب قضاء رمضان في شعبان، رقم:1146. والقول: (من رسول الله أو برسول الله) قالوا: وهذا التعليل ليس من حديث عائشة، وإنما هو من قول يحيى بن سعيد، أدرجه في الحديث.
(15) مسند إسحاق بن راهويه، أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المعروف بـ ابن راهويه (238هـ)، المحقق: عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، 1412هـ/1991م، ما يروى عن عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، ما يروى عن أبي ظبيان والبهي ومشيخة من الكوفيين، عن عائشة رضي الله عنها، 3/917.
(16) موطأ مالك، كتاب الصيام، باب جامع الصيام، رقم:322. والبخاري، باب صوم شعبان، باب فضل صوم شعبان، رقم:1969.
(17) المطالب العالية محققا المطَالبُ العَاليَةُ بِزَوَائِدِ المسَانيد الثّمَانِيَةِ، أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني (852هـ)، المحقق: مجموعة من الباحثين، دار العاصمة للنشر والتوزيع، 1419هـ/1998م، كتاب الحيض ، باب النهي عن إتيان الحائض، وكفارة ذلك، وما يحل منها، 2/535، رقم:207. وهو حديث موقوف حسن كما قال الحافظ. وقال المحقّق: وهو كذلك إن شاء الله، خصوصًا بشواهده التي مضت عند الأثر السابق، يكون حسنًا لغيره.
(18) صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان (354هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثانية، 1414هـ/1993م، باب قراءة القرآن، ذكر الإباحة للمرء أن يقرأ القرآن، وهو واضع رأسه في حجر امرأته إذا كانت حائضا، رقم:798.
(19) البخاري، كتاب الاعتكاف، باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل، رقم:1941.
(20) مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقا أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم، وإفطار يوم، رقم:1159.
(21) شرح مختصر خليل للخرشي، فصل في بيان صلاة النافلة وحكمها، 2/2، عن "المدخل" لابن الحاج في، فصل في ذكر آداب المتعلم، فصل في أوراد طالب العلم، 2/134.
(22) المدخل، أبو عبد الله محمد بن محمد الشهير بابن الحاج (737هـ)، دار التراث، التنفل في المساجد بتوابع الفرائض، 2/280.


بقلم الشيخ: فوزي بالثابت

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...