صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (31)

صفحات من كتاب (إدارة التلاوة.. أعد اكتشاف علاقتك مع القرآن الكريم) (31)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
19

1- التلاوة اللفظيّة
[القسم الثاني]


كيف نتحدّث إلى الله؟
هذه الحقائق تذكّرنا بالطريقة التي اعتاد أن يردّد بها كثيرٌ من المسلمين أذكارهم وتسبيحاتهم بعد الفرائض، حين ينثرون هذه التسبيحات نثراً خاطفاً وكأنّهم في سباقٍ مع الزمن.
أرأيت لو صادفت صديقاً عزيزاً، أو معلّماً، أو مديراً، أو رئيساً لك في الطريق، فسلّمت عليه بالسرعة نفسها التي يسبّح بها هؤلاء ربّهم ويحمدونه ويكبّرونه، من غير أن تترك أدنى فراغاتٍ زمنيّةٍ، ومن غير أيّة فواصل أو نقاط تفصل بين عباراتك، هكذا:
مرحباً كيف حالك كيف صحّتك كيف عملك أرجو أن تكون بخير أنت شخصٌ رائع إنّني أحترمك كثيراً إلى اللقاء مع السلامة!!
وتمضي في طريقك مع آخر كلمةٍ تتلفّظ بها، غير آبهٍ به ولا بنظرات الاستغراب، بل الصدمة والاستنكار، في عينيه، وغير مهتمٍّ بمشاعره وردّة فعله تجاه تصرّفك المهين تجاهه، وكأنّ شيئاً لم يكن!
ماذا سيقول عنك هذا الصديق بعد أن تتركه؟ وأين سيكون موقعك في نفسه؟ وماذا تتوقّع أن يكون شكل علاقتك معه في المستقبل؟
فكيف لو كنت تفعل ذلك مع الله، وبعد كلّ صلاة، فترشّ أمامه هكذا تسبيحاتك وتحميداتك وتكبيراتك رشّاً، وكأنّك لا تصدّق متى تزيح عن كتفيك هذا "الواجب الثقيل"، من أجل أن تتفرّغ إلى شؤونك ومصالحك "الأكثر أهمّيةً"؟!
وكيف لو كنت تختتم صلاتك بتحيّاتٍ سريعةٍ متتاليةٍ تنثرها نثراً، لله، ولرسوله، ولنفسك، ولكلّ عباد الله الصالحين، مثلما يردّدها أكثرنا، من غير يُظهروا أدنى احترامٍ أو فاصلٍ زمنيٍّ يفصل بين كلماتها، هكذا: (التحيّات لله والصلوات والطيّبات السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللهِ وبركاته السلام علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين)؟!
لنسمع كيف صوّر تعالى تسبيح من في السماوات والأرض، من كافّة أنواع مخلوقاته، العاقلة وغير العاقلة، وسجودهم له تعالى، وكيف جسّد لنا بعضها من خلال تلك الحركة "التوقيريّة" البطيئة جدّاً، والخاشعة جدّاً، والمستمرّة، لحركة الطيور في السماء، ولظلال المخلوقات غير العاقلة، وهي تزحف بإيقاعٍ غايةٍ في البطء بين الشروق والغروب، بحيث لا تكاد العين تميّز حركتها، وكأنّه تعالى أراد، فيما أراد، أن يمثّل لنا بهذه الصورة ما يجب أن يكون عليه إيقاع صلاتنا، وذكرنا، وتسبيحنا، من بطءٍ، وأناةٍ، وصدقٍ، وخشوعٍ، وتوقيرٍ، واحترام:
- وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ ‎[الرعد: 15]
- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ‎[الحجّ: 18]
- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ‎[النور: 41]
هل أدركنا الآن حقيقة ما نرتكبه بحقّه تعالى، وبحقّ أنفسنا، حين نصلّي له، وحين نتلو آيات كتابه، وحين ندعوه، وحين نردّد تسبيحاته وتهليلاته، بهذه الطريقة التي لا تليق حتّى ببني البشر، فكيف مع الله؟


تلاوتنا بين "الحقّ" و "الواجب":
ما الفرق بين أن تتلو القرآن على أنّه "واجب"، وبين أن تتلوه على أنّه "حقّ"؟
هل تَعُدّ تناوُلُك للطعام والشراب حقّاً أم واجباً؟ ما هو شعورك وأنت مقبلٌ على تناول وجباتك اليوميّة؟
تصوّر لو أنّ أحدهم اقترح عليك أن يختزل لك وجبة عشائك كلّ يوم؛ في حبّةٍ صغيرةٍ تتناولها مثل أيّ دواء، هكذا في ثانيةٍ واحدة، فيوفّر عليك بهذا وقتك الثمين بحيث تتفرّغ لأمورك الأخرى "الأكثر أهمّيّةً"!
هل أدركتم الفرق بين أن "نتلو" آيات الله، فنتلهّف لحلول موعدها حتّى نتملّاها ونتلذّذ بتلاوتها، وبين أن "نقرأها" لا أكثر، فنبتلعها ابتلاعاً؟
شأنها شأن الصلاة، اجعل من تلاوتك، واجعل من تسبيحاتك، واجعل من كلّ عباداتك، حقّاً تتلهّف لحلول موعده، والاستمتاع بممارسته، وفرصةً ذهبيّةً لا تعوّض للتواصل مع الله، من خلال "تلاوته" في كلماته، ومن خلال تسبيحاته.
* * *
ولكنّ على مائدة التلاوة اللفظيّة أطباقاً لذيذةً أخرى، وأدواراً مختلفةً تختصّ بها كلّ سورةٍ أو آيةٍ لصالح من يقرأها، في حياته الدنيا وفي الآخرة معاً.
إنّ هناك العديد من الأحاديث التي يحثّنا فيها النبيّ ﷺ على قراءة سورٍ أو آياتٍ بعينها، ويكشف لنا أدوارها وأسرار كيميائيّتها وفاعليّتها، ولا سيّما إذا قرئت في أوقاتٍ وحالاتٍ وظروفٍ خاصّة، ولأغراضٍ مصيريّةٍ بعينها في حياة المؤمن.
وسنعرض هنا جانباً من تلك الإشارات والوصفات الطبّيّة النبويّة، وغير العاديّة، لنجعل منها جزءاً لا يتجزّأ من برنامج حياتنا اليوميّة على مدى العمر:


البسملة (وهي للبدء بها في كلّ أمورنا):
- عن أبي هريرة، أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدَأُ فيهِ بِبسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ؛ فَهوَ أبتر". [رواه ابن باز في مجموع فتاواه، وحسّنه ابن عثيمين في شرح سورة ص]


الفاتحة (هي رُقيَة، وهي "الصلاة"، وهي أيضاً قمّة ما أُنزل من السماء على كلّ الأنبياء):
- عن أبي سعيدٍ بنِ المُعَلَّى قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "ما أُنزِلَتْ في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفُرقانِ مِثلُها – أي الفاتحة –، وإنّها سَبْعٌ مِنَ المَثاني – أي سبعُ آياتٍ تُثَنَّى أو تُعادُ تِلاوتُها في الصلاةِ وغيرِها –، والقُرآنُ العظيمُ الذي أُعطيتُه". [رواه البخاري]
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "يقولُ اللهُ تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ – أي الفاتحة – بيني وبينَ عبدي نِصْفَين، فنِصْفُها لي ونِصْفُها لِعبدي، ولِعبدي ما سأل. إذا قالَ العبدُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، قال: حَمِدَني عَبدي.. إلخ.". [رواه مسلم]
- عَنْ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ: "أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ – أي لم يقوموا بواجبِ الضيافةِ مِن طعامٍ أو شراب –. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً – أي أجْراً –.‏ فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعاً مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ – أي أحدُ هؤلاء الصحابة – يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ – الفاتحة –، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفِلُ. فَبَرَأَ – المَلْدوغ –. فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا – لأنفُسِهم –: لا نَأْخُذُهُ – أي لن نأكلَ منه – حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ. فَسَأَلُوهُ، فَضَحِكَ وَقَال: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم". [رواه البخاري]

سورتا البقرة وآل عمران ("الزهراوان"، وهما تُحاجّان يوم القيامة عن قارئهما، فضلاً عن نواله "البركة" في الأولى، وحفظها لبيته من الشياطين):
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تجعلوا بيوتَكم مقابرَ، وإنَّ البيتَ الذي تُقرأُ فيهِ (البقرةُ) لا يَدخلُهُ الشَّيطانُ". [رواه التِّرمِذيّ، وصحّحه الألباني]
- عن أبي أُمامةَ الباهليِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعاً لأَصْحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ، البَقَرَةَ وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُما تَأْتِيانِ يَومَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ كَأنَّهُما غَيايَتانِ – أي مِظَلّتان –، أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ – أي سِربان – مِن طَيْرٍ صَوافَّ – أي باسطةٍ أجنحتَها –، تُحاجَّانِ – أي تدافعان – عن أصْحابِهِما. اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ. قالَ مُعاوِيَةُ: بَلَغَنِي أنَّ البَطَلَةَ: السَّحَرَةُ". [رواه مسلم]


[الآية 201] من سورة البقرة (وقد كانت أكثر ما يدعو به نبيّنا الكريم):
- عن أنسِ بن مالكٍ قال: "كانَ أكْثَرُ دُعَاءِ النبيِّ ﷺ: اللَّهُمَّ {رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنَا عَذَابَ النَّارِ}". [رواه البخاري]


آية الكرسيّ [البقرة: 255] (تضْمن الجنّةَ لمن يقرأها بعد كلّ فريضة، ويحفظ الله من يقرأها عندما يأوي إلى فراشه؛ حتّى يصبح):
- عَن أبي أُمامةَ الباهليِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن قرأَ آيةَ الكُرسيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مَكْتوبة؛ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخولِ الجنَّةِ إلَّا الموتُ". [رواه النَّسائي، وصحّحه الألباني]
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: "وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ – أي بحراسةِ ما تَصَدّقَ به المسلمون مِن زكاةِ الفطر مِن أطعمةٍ وغيرِها –، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ – أي يأخذُ مَنْ طعامِ الزكاةِ بيديه –، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ‏.‏ قَال: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَة.‏ قَال: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ. فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَة؟‏ قَال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ‏.‏ قَال: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُود‏‏.‏ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ سَيَعُودُ‏.‏ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَام، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْت: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ‏.‏ قَال: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وعلَيَّ عِيَال، لا أَعُودُ. فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَه. فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‏يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُك؟ ‏ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّه، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ‏.‏ قَال: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُود‏‏.‏ فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْت: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ‏.‏ قَال: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا‏.‏ قُلْت: مَا هُو؟ قَال: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ‏{‏اللَّهُ لا إِلَهَ إلّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ‏}‏ [البقرة: 255] حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ‏.‏ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَه. فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّه، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ‏.‏ قَال: مَا هِيَ؟ قُلْت: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ ‏{‏اللَّهُ لا إِلَهَ إلّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ‏}‏، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، (وَكَانُوا – أي كان الصحابةُ في خُلُقِهم وطِيبَةِ قلُوبِهم – أَحْرَصَ شيءٍ عَلَى الْخَيْرِ)‏.‏ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟‏ قَال: لا‏.‏ قَال:‏ ذَاكَ شَيْطَان". [رواه البخاري]


آخر آيتين من سورة البقرة [الآيتان: 285-286] (وهما أوّل آيتين جاءتا في كتاب الله الكبير قبل أن يخلق السماوات والأرض، وتَحفظ قراءتُهما الدارَ من الشياطين، وهما صلاةٌ، وقرآنٌ، ودعاءٌ معاً):
- عنِ النعمان بنِ بشيرٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ كَتبَ كتاباً قبلَ أن يَخلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بألفَي عامٍ، أنزلَ منهُ آيتينِ ختمَ بِهما سورةَ البقرةِ، ولا يُقرآنِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيقربُها شيطانٌ". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
- عن أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ خَتَمَ سورةَ البقرةِ بآيتينِ أَعطانِيهِما مِن كَنزِهِ الَّذي تحتَ العرشِ، فتَعلَّمُوهُنَّ، وعَلِّموهُنَّ نِساءَكُم وأبناءَكُم، فإنَّها صلاةٌ، وقرآنٌ، ودُعاءٌ". [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين]


[الآية 26] من سورة آل عمران (وهما لردّ الدَّين عنك):
- عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "أَلا أُعلِّمُكَ دُعاءً تَدعو به؛ لو كان عليك مِثلُ جَبَلِ أُحُدٍ دَيْناً لأدَّاهُ اللهُ عنك؟ قُلْ يا مُعاذُ: {اللهمَّ مالكَ المُلْك، تُؤتي المُلْكَ مَن تَشاء، وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمّن تَشاء، وتُعِزُّ مَن تَشاء، وتُذِلُّ مَن تَشاء، بيدِكَ الخَير، إنّكَ على كلِّ شيءٍ قدير}، رَحْمَنَ الدنيا والآخرةِ ورحيمَهما، تُعطِيهِما مَنْ تَشاء، وتَمْنَعُ مِنهما مَنْ تَشاء، اِرْحمْني رَحمةً تُغنيني بها عن رَحمةِ مَن سِواك". [رواه المنذري في الترغيب، وحسّنه الألباني]

آخر عشر آياتٍ من سورة آل عمران [الآيات: 191-200] (وتُقرأ قبل قيام الليل والتهجّد):
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "إنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ (وهْيَ خَالَتُهُ). قالَ: فَاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ الوِسَادَةِ – أي الفِراش –، واضْطَجَعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وأَهْلُهُ في طُولِهَا، فَنَامَ رَسولُ اللَّهِ حتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أوْ قَبْلَهُ بقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسولُ اللَّهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عن وجْهِهِ بيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إلى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ – وهي قُربةٌ جلديّةٌ للماء – فَتَوَضَّأَ منها، فأحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. فَصَنَعْتُ مِثْلَ ما صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى علَى رَأْسِي، وأَخَذَ بأُذُنِي بيَدِهِ اليُمْنَى يَفْتِلُها، فَصَلَّى – متهجّداً – رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أوْتَرَ. ثُمَّ اضْطَجَعَ حتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ – أي سُنّةَ الفجر –، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْح". [متّفق عليه، واللفظ للبخاري]


سورتا الإسراء والزُّمَر (وتُقرآن قبل النوم):
- عن عائشةَ أمِّ المؤمنين قالت: "كانَ النَّبيُّ ﷺ لا ينامُ حتَّى يقرأ (الزُّمرَ) و (بني إسرائيلَ) – وهي (الإسراء) –". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]


سورة الكهف (وتكون لمن يقرأها يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، نوراً يضيء له حتّى الجمعة التالية، وتجعل له أيضاً نوراً يوم القيامة، وهي تعصم من يحفظ الآيات العشر الأولى منها، أو يقرأ العشر الأواخر، من فتنة الدجّال):
- عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن قرأ الكهفَ كما أُنزِلَت؛ كانت له نوراً يومَ القيامةِ مِن مَقامِه إلى مكّةَ – أي يمتدّ نورُه من حيث يقوم ويُبعث من الموت إلى أرضِ مكّة –، ومَن قرأ عشرَ آياتٍ مِن آخرِها ثمّ خرج الدَّجالُ؛ لم يُسلَّطْ عليه..". [رواه المنذري في الترغيب، وصحّحه الألباني لغيره]
- عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن قرأ سُورةَ الكَهفِ في يومِ الجُمُعةِ – وفي روايةٍ: ليلةَ الجمعة – أضاءَ له مِنَ النورِ ما بينَ الجُمُعتين". [رواه السيوطي، وصحّحه الألباني]
- عن أبي الدرداءِ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ؛ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ". [رواه مسلم]

دعاء ذي النون في سورة الأنبياء [الآية 87] (يستجيب الله دعاء من يدعو بها لأيٍّ من حاجاته):
- عَنْ سَعْدِ بنِ أبي وقّاصٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: {لا إِلَهَ إلّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَه"‏. [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]‏


سورتا السجدة والمُلك (تُقرآن قبل النوم، وحِفظ الثانية، وقراءتها كلّ ليلةٍ، تمنعان عن صاحبها عذاب القبر، وتشفعان له عند الحساب):
- عن جابرِ بنِ عبدِ الله قال: "كَانَ ﷺ لا يَنامُ حتّى يقرأَ {الم تَنْزِيلُ..} (السَّجْدَةُ)، و {تَبارَكَ الذي بيدِهِ المُلكُ}.. – أي سورة (المُلك) –". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: "مَن قرأ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ..} كلَّ ليلةٍ؛ منعه اللهُ عزّ وجلّ بها من عذابِ القبرِ. وكنّا في عهدِ رسولِ اللهِ نسمّيها المانعةَ، وإنّها في كتابِ اللهِ عزّ وجلّ سورةٌ مَن قرأ بها في ليلةٍ فقد أكثر وأطاب". [رواه المنذري في الترغيب، وحسّنه الألباني]
- عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قال:‏‏ "مِنَ القرآنِ سورةٌ ثلاثون آيةً؛ شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حتّى غُفِرَ له، وهي‏ {تَبارك الذي بيدِه المُلْك..}"‏‏.‏ ‏[‏رواه التِّرمِذي، وحسّنه الألباني]
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: "يُؤتَى الرجلُ في قبرِه – أي تأتيه الملائكة –، فتُؤتَى رِجلاه، فتقول: ليس لكم على ما قِبَلي سبيل؛ كان يقرأ [عليّ] سورةَ (المُلك). ثمّ يؤتَى مِن قِبَلِ صدرِه، أو قال بطنِه، فيقول: ليس لكم على ما قِبَلي سبيل، كان أوعَى فيَّ سورةَ (المُلك) – أي حَفِظَها واختَزَنَها فيَّ –. ثمّ يؤتَى مِن قِبَلِ رأسِه، فيقول: ليس لكم على ما قِبَلي سبيل، كان يقرأ بي سورةَ (المُلك). فهي المانعةُ، تَمنعُ عذابَ القبرِ، وهي في التوراةِ (سورةُ المُلْك) – أي كان اسمُها فيه هكذا –، مَن قرأها في ليلةٍ فقد أكثرَ وأطيبَ". [رواه المنذري في الترغيب، وحسّنه الألباني]


المعوّذات (تُقرأ المعوّذات الثلاث مرّةً بعد كلّ فريضة، وثلاث مرّاتٍ في كلّ صباحٍ وكلّ مساء، وثلاث مرّاتٍ أخرى، مع النفث في الكفّين، عند النوم، ومع مسح الجسد بهما في كلّ مرّة، ويُتعوّذ بالمعوّذتين أيضاً حين الشدّة):
- عن عُقبَةَ بنِ عامرٍ قال: "أمَرَني رسولُ اللهِ ﷺ أن أقرأَ المعوِّذاتِ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ". [رواه النَّسائي، وصحّحه الألباني]
- عن عبدِ اللهِ بنِ خُبَيبٍ قال: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ بِنَا فَقَال: قُلْ‏.‏ فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَال: ‏‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد..}، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلاَثاً، يَكْفِيكَ كُلَّ شَيْء". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
- عن عُقبةَ بنِ عامرٍ قالَ: "بينا أنا أسيرُ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ بينَ الجَحْفَةِ والأبواءِ – وهما موضعان بين مكّة والمدينة – إذْ غَشِيَتْنا ريحٌ وظُلمةٌ شديدةٌ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يتعوَّذُ بـ{أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ويقولُ: يا عُقبة، تَعَوَّذْ بهما، فما تَعَوَّذَ مُتعوِّذٌ بمثلِهما. قالَ – أي الراوي –: وسَمِعتُهُ يَؤُمُّنا بهما في الصَّلاةِ". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
- عن عائشةَ أمِّ المؤمنين: "‏أنّ النبيَّ ﷺ كان إذا أوَى إلى فِراشِه كلَّ ليلةٍ جَمَعَ كفَّيه، ثمّ نَفَثَ فيهما – وهو النفخُ اللطيفُ بلا رِيق – فقرأ فيهما‏:‏ قُلْ هو اللهُ أَحَد، وقُلْ أعوذُ بربِّ الفَلَق، وقُلْ أعوذ بربِّ الناس، ثمَّ مَسَحَ بهما ما استطاع مِن جَسَدِه، يبدأُ بهما على رأسِه ووجهِه، وما أقبلَ مِن جَسَدَهِ. يفعلُ ذلك ثلاثَ مرّات‏"‏‏.‏ ‏[متّفق عليه]

سورتا الصمد والكافرون (قراءة الأولى تَعْدل ثلث القرآن، وفيها اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وقراءة الثانية تَعْدل ربع القرآن):
- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "{قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ..} تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن، و {قُلْ يَا أيُّهَا الْكَافِرُونَ..} تَعْدِلُ رُبُعَ القرآن". [رواه السيوطي، وصحّحه الألباني]
- عن بُرَيدةَ بنِ حُصَيبٍ الأسلميِّ قال: "سَمِعَ النبيُّ ﷺ رَجُلاً يدعو وهو يقول: اللهمّ إنّي أسألُكَ بأنّي أشهدُ أنّكَ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلّا أنتَ الأحدُ الصَّمَد، الذي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لهُ كُفُواً أحدٌ. قال: فقال – ﷺ –: والذي نَفْسي بيدِه؛ لقد سَألَ اللهَ باسمِه الأعظم، الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطَى". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]


وآياتٌ أخرى للرُّقْيَة:
- عن أبيِّ بنِ كعبٍ قال: "كُنتُ عِندَ النَّبيِّ ﷺ فجاء أعرابيٌّ فقال: يا نبيَّ الله، إنَّ لي أخاً وبه وجَعٌ! قال: وما وَجَعُه؟ قال: به لَمَمٌ – أي اضطرابٌ عقليّ –. قال: فأْتِني به، فأتاهُ به، فوضَعَه بيْن يَدَيه. فعوَّذَه النَّبيُّ ﷺ بفاتحةِ الكتابِ، وأربعِ آياتٍ مِن سُورةِ البقرةِ – وهنّ في أوّلِها كما في روايةٍ أخرى –، وهاتينِ الآيتينِ: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ..} [البقرة: 163 – 164]، وآيةِ الكُرْسيِّ، وثلاثِ آياتٍ مِن آخِرِ سُورةِ البقَرة، وآيةٍ مِن آلِ عِمرانَ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18]، وآيةِ الأعرافِ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ..} [الأعراف: 54]، وآخِرِ سُورةِ المُؤمنينَ: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ..} [المؤمنون: 116]، وآيةٍ مِن سُورةِ الجنِّ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3]، وعَشرِ آياتٍ مِن أوَّلِ – سورةِ – الصَّافَّاتِ، وثلاثِ آياتٍ مِن آخِرِ سُورةِ الحشرِ، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ..}، والمعوِّذَتَينِ. فقام الرَّجلُ كأنَّه لم يَشْكُ شَيئاً قطُّ". [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وضعّفه شعيب الأرناؤوط]
* * *
إنّ هذه الإشارات، والأسرار، والوصفات النبويّة لسوَرٍ وآياتٍ بعينها؛ لا تعني مطلقاً أن نحصر دورها في البعد اللفظيّ، وأن نهمَل أبعادها الهامّة الأخرى.
ولا أجد ما يجسّد لنا أهمّية التكامل العضويّ بين البعد اللفظيّ والأبعاد الأخرى للتلاوة؛ مثل هذه الصورة النبويّة الكريمة التي تفرّق بين أربعة أصنافٍ من الناس تبعاً لعلاقتهم بتلك الأبعاد.
وليحاول كلٌّ منّا أن ينظر في مرآة نفسه، وهو يطالع هذه الصورة، ليعرف درجته وموقعه الحاليّ من هذه الأصناف الأربعة في تلاوته:
- عن أبي موسى الأشعريِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: "مَثَلُ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ – أي من المؤمنين – كالأُتْرُجَّةِ – نوعٌ من الحمضيّات زكيُّ الطعم والرائحة –: طَعْمُها طَيِّبٌ، ورِيحُها طَيِّبٌ. والذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كالتَّمْرَةِ: طَعْمُها طَيِّبٌ، ولا رِيحَ لَها. ومَثَلُ الفاجِرِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحانَةِ: رِيحُها طَيِّبٌ، وطَعْمُها مُرٌّ. ومَثَلُ الفاجِرِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ: طَعْمُها مُرٌّ، ولا رِيحَ لَها". [رواه البخاري]
ونذكّر من جديدٍ بحقيقة أنّنا إنّما "نتلو" في تلاوتنا قراءة النبيَّ ﷺ، وهو الذي "تلا" جبريل عليه السلام، وهو الذي تلا الله تعالى في هذه القراءة. إنّ هذا وحده من شأنه أن يمنحنا الحافز الكافي لندأب على قراءة كتاب الله، ونستمتع بالاتّصال به تعالى وقد وضعنا أنفسنا في تلاوتنا على طريق هذه السلسلة القدسيّة الشريفة.
حاول استشعار متعة التواصل، وروعة الخشوع، والتذلّل، والقرب من الله، وأنت تتلو آياته، بقدر ما تحاول استشعارها وأنت في صلواتك، وأنت في تسبيحاتك، وأنت في دعائك.
لقد ميّز تعالى بين المؤمنين والمنافقين من خلال تلك اللحظات التي تسبق صلاتهم: إنّها طريقة استجابتهم إلى النداء، وقيامهم إلى الصلاة! فما الذي تتوقّعه من المنافق غير التردّد والتثاقل؛ ما دام يفتقد الشعور بتلك المتعة الفريدة التي يشعر بها المؤمن الحقيقيّ وهو يستعدّ للجلوس بين يدي ربّه، ومناجاته، وتسبيحه، والثناء عليه، وسؤاله، والتوسّل إليه، والاستعانة به؟
- إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ‎[النساء: 142]
- وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ‎[التوبة: 54]
حاول ما استطعت، وأنت مقبلٌ على تلاوتك، أن تثْبت لنفسك، وأن تثبت أوّلاً لربّك، أنّك مقبلٌ على حقٍّ وليس على واجب، وأنّك مقبلٌ عليها بصدقٍ، ورغبةٍ، وتشوّفٍ، وإخلاص.
نحن نتعلّم هذه العبادات في البداية، كما نعلّمها أيضاً لأولادنا، على أنّها واجباتٌ دينيّةٌ لا أكثر. ولكنّ مفهوم الواجب هذا لا بدّ أن ينكمش في تفكيرنا، وفي تفكير أولادنا، ويتراجع شيئاً فشيئاً، مع تنامي نضجنا ونضجهم، وتبلورِ إيماننا وإيمانهم، ليحلّ محلّه مفهوم الحقّ، وليتبعه من ثمّ، الإقبال بكلّ حماسةٍ وتلهّفٍ على ممارسة هذا الحقّ.
الفرق بين أن تؤدّي التلاوة، أو الصلاة، على أنّها واجب، وبين أن تؤدّيها على أنّها حقّ، كالفرق بين أن تلبّي دعوةً لمذكّرةٍ وصلتك من دائرة المرور للمثول أمامها ودفع غرامةٍ ماليّةٍ لمخالفتك قوانين السير، وبين أن تلبّي دعوةً جاءتك من إحدى المؤسّسات الكبرى لتسلّم جائزةٍ ضخمةٍ رُصدت تكريماً لك، ومكافأةً على إنجازاتك. (1)
وما فتئ النبيّ ﷺ يحثّنا على اقتناص فرص هذه "الجوائز الكبرى" عندما نُدعى كلّ يومٍ لتسلّمها من الله؛ لو تلونا عشر آياتٍ لا أكثر من كتابه، فكيف بنا لو كانت مائةًً؟ أو مائتين؟ أو ألف آية؟
- عن فُضالةَ بنِ عُبيدٍ وتميمٍ الداريّ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "من قرأ عشرَ آياتٍ في ليلةٍ كُتبَ له قنطارٌ (من الأجر)، والقنطارُ خيرٌ من الدنيا وما فيها، فإذا كان يومُ القيامةِ يقولُ ربُّك عزّ وجلّ: اقرأ وارْقَ بكلِّ آيةٍ درجةً، حتّى ينتهيَ إلى آخرِ آيةٍ معه، يقولُ اللهُ عزّ وجلّ للعبد: اقبضْ، فيقولُ العبدُ بيده – أي يشير بها متسائلاً عمّا يقبضه من غير أن يتكلّم –: يا ربِّ أنتَ أعلمُ! يقولُ (تعالى): بهذه الخلدَ، وبهذه النعيمَ". [رواه المنذري في الترغيب والترهيب، وحسّنه الألباني]
هذه أجور الحياة الآجلة، وهي أعظم من أن ندرك قيمتها وحجمها مهما اتّسع خيالنا، أمّا أجور الحياة العاجلة وفوائدها؛ فهي أكثر ممّا نتصوّر، من إحساسٍ دائمٍ بالقرب من الله، ومن صحّةٍ، وطمأنينةٍ، وتوفيقٍ، وثقةٍ، ونجاحٍ، وحفظٍ، وسعادةٍ، ووقايةٍ من إغواءات الشيطان ومنزلقات الحياة.
حاول مرّةً أن تقارن بين وضعك النفسيّ، والذهنيّ، والصحّيّ، قبل تلاوتك للقرآن؛ وبينه بعد التلاوة. أيّ إحساسٍ بالنورانيّة، والرحمة، والسكينة، والسلام، يغمرنا ونحن نتلوه، وإلى ما بعد أن نقوم عنه!
هل لديك ميزانٌ لضغط الدم في البيت؟ هل جرّبت مرّةً أن تقيس ضغطك قبل التلاوة، أقصد التلاوة التي تشعر معها أنّك تمارس حقّاً، ثمّ مرّةً أخرى خلال هذه التلاوة أو بُعيدها، لتتبيّن الفرق بين الحالين؟
من أجل هذا اعتاد بعض الصحابة أن يجمع أهله عند ختمِه للقرآن للدعاء، كما كان يفعل أنس بن مالك:
- عن ثابتٍ البَنانيِّ عن أنسٍ: "أنّه كان يجمعُ أهلَه عندَ ختمِ القرآنِ ويدعو". [رواه ابن حجر، وصحّحه ابن باز في مجموع فتاواه]
وحاول أن تردّد هذا الدعاء النبويّ بعد كلّ تلاوة، وأن تتفكّر، وأن تدع أهلك يتفكّرون، فيما يخبرنا به عن الترياق العجيب الذي يحمله لنا القرآن، وتلاوة القرآن:
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "ما أصاب أحداً قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ فقال: اللهمَّ إنّي عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أَمَتِك، ناصيَتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُكَ بكلِّ اسمٍ هُوَ لك، سَمَّيْتَ به نَفْسَك، أو عَلَّمْتَهُ أحداً مِنْ خَلْقِك، أو أنزَلْتَه في كتابِك، أو استأثرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيبِ عندَك، أن تَجعلَ القرآنَ ربيعَ قلْبي، ونُورَ صدري، وجَلاءَ حَزَني، وذَهابَ هَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وحَزَنَه، وأبْدلَهُ مكانَهُ فَرَجاً. قال: فقيل: يا رسولَ الله، ألا نتعلَّمُها ؟ فقال: بَلَى، ينبغي لِمَنْ سَمِعَها أنْ يتعلَّمَها". [رواه أحمد، وصحّحه الألباني]
ومع هذا الدور الكبير الذي تؤدّيه التلاوة اللفظيّة في اقترابنا من الله، واتّصالنا به، واستمتاعنا بترديد كلماته، وإحساسنا بالفوز بأجرها الكبير، فإنّها ليست إلّا خطوةً أولى لا بدّ منها، ومنطلقاً أو مطاراً للتحليق في سماء الأبعاد الهامّة الأخرى، تلك التي هيّأها هذا النصّ الإلهيّ الكريم بين يدَي قارئه.
إنّ المسلمين لم يفتحوا العالم بالقوّة، وبالسيف، وبالدماء، بل بما تسلّحهم به النصوص القرآنيّة من روحٍ ومعانٍ وأبعادٍ فكريّةٍ وإنسانيّةٍ جديدة، وما يكمن وراء هذه المعاني والأبعاد من محرّكاتٍ تقود عربتهم، وشواحن تشحن عزائمهم، وإيمانٍ عمليٍّ بأسرار هذه المحرّكات والشواحن، بحيث لا تنفصل أدوار الأبعاد السبعة للتلاوة القرآنيّة أحدها عن الآخر.
* * *
والآن، ليطرح كلٌّ منّا على نفسه، في كلّ مرّةٍ يمسك فيها بكتاب الله تعالى ليتلو ما تيسّر له منه، وقبل أن يبدأ، مثلَ هذه الأسئلة الهامّة، وليحاول أن يجيب عنها بكلّ شفافيةٍ وتجرّدٍ وموضوعيّة:
1- هل "سأتلو" كتاب الله تعالى الآن، أم "سأقرأه"؟
2- هل سأشعر وأنا أتلوه أنّني في "عمليّة تواصلٍ" حقيقيٍّ مع الله، وأنّني "أتلوه" تعالى حقّاً وأنا أردّد كلماته؟
3- لو أرسل لي صديقٌ عزيزٌ رسالةً يؤكّد في مطلعها أنّها شديدة الأهمّية، ويطلب منّي فيها طلباتٍ عديدة، ويريدني أن أردّ عليه بعد قراءتها، سلباً أو إيجاباً، فقرأت رسالته على عجل، ومن غير أن أحاول فهم ما يريده، فضلاً عن تنفيذه. ولكنّني، بدلاً من ذلك، وإرضاءً لخاطر زميلي، أخبرته بأنّني ما فتئت أتغنّى وأترنّم بكلمات رسالته العذبة، وبصدق، منذ تسلّمتها! فماذا تتوقّعون أن يكون موقفه منّي بعد ذلك؟ هذا مع إنسانٍ عاديّ، فكيف يكون أمرنا وتسويغنا لعملنا لو فعلنا هذا مع الله، ومع رسالته إلينا؟ وأيّة رسالة!
4- إن كان هناك ما سيمنعني الآن من تجاوز بُعد التلاوة اللفظيّة إلى الأبعاد الأخرى؛ فهل أنا قادرٌ على أن أُحسن هذه التلاوة، على الأقلّ، نطقاً، وحركاتٍ، وسكنات، وهل حاولت الاستعانة لذلك ببرامج تعليمها والتدريب عليها في المواقع والتطبيقات الإلكترونيّة؟
5- إذا كنت من الناطقين بالعربيّة؛ فما الذي يقف حائلاً بيني وبين فهم ما أقرأ، ومن ثمّ العمل بما فهمته؟ وإذا كنت من غير الناطقين بهذه اللغة؛ فما الذي يَحُول بيني وبين فهمه وقد توفّر أمامي في الحاسوب، بل في الهاتف النقّال الذي أحمله بجيبي، العديد من الترجمات، وبمختلف اللغات؟
6- هل أضفت إلى برنامجي اليوميّ، أو الأسبوعيّ على الأقلّ، جلسةَ تلاوةٍ جماعيّةٍ أشارك فيها أهل بيتي، أو أصدقائي، أو جيراني؟
7- هل أشعر في هذه الجلسات الجماعيّة، أو حتّى الفرديّة، أنّني أؤدّي "مجرّد واجبٍ"؟ أم أشعر، بالأحرى، أنّني أمارس حقّاً كافأني الله به، وأنّني أتناول من خلاله جرعةً وقائيّةً روحيّةً، كافيةً لتحميني من كثيرٍ من الأمراض الجسديّة والنفسيّة، وكثيرٍ من المزالق الدنيويّة الشيطانيّة التي تعترض طريقي أينما اتّجهت؟
8- أما زلت مصرّاً على الاكتفاء في تلاوتي بالبعد اللفظيّ؟ أم أخطّط بجدّيّةٍ لتجاوزه شيئاً فشيئاً إلى الأبعاد الأخرى، تلك التي تقرّبني أكثر فأكثر إلى القرآن، وإلى الله؟


هوامش:
(1) وراجع في هذا الموضوع حلقة (الرحلة من الواجب إلى الحقّ) من كتابنا (إدارة الصلاة). ط3. دار السلام. القاهرة. 2019. الصفحات: 38-47.


بقلم: أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...