وأما الحدود فهي: ما حده الله بأوامره ونواهيه.
والحد في اللغة هو: المنع والفصل بين الشيئين.. فكأن حدود الله فصلت بين الحلال والحرام ومنعت من تعدي الحلال والإقدام على الحرام.
وحدود الله هي بمثابة معالم في الطريق تمنع العبد من اعتدائها أو القرب منها؛ فاعتداؤها يكون بتجاوز ما أذن الله في فعله إلى ارتكاب ما نهى الله عنه؛ كما قال تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها).
والقرب منها يكون باقتحام ما أمر الله بالابتعاد عنه: كما قال سبحانه: (تلك حدود الله فلا تقربوها).
فالحدود تكون حدودا للحلال تحده وتبين نهايته التي لا يجوز تجاوزها؛ مثل: الصلاة لا يجوز الزيادة على عدد ركعاتها التي حددها الله سبحانه. ولا يجوز إخراجها عن وقتها المحدد.. وكذا الوضوء لا يجوز الزيادة على عدد الغسلات المحددة، والمواريث لا يجوز الزيادة على ما حدده الله منها.. وهكذا.
وتكون حدودا للحرام تفصل بينه وبين الحلال وتمنع من انتهاكه والوقوع فيه. وذلك مثل: الزنا الذي جعل حدا فاصلا بين النكاح المباح، وغير المباح، وكذا الخمر يفصل بين الشراب الحلال وبين الشراب الحرام، والمخدر والمفتر يفصلان بين الشيء الذي يجوز تناوله وبين الشيء الذي لا يجوز تعاطيه حالة كونه مخدرا أو مفترا، وهكذا..
وقد تكون حدودا مشعرة بالمهالك التي تؤدي إليها؛ فيتعين الكف عن الوقوع فيها مخافة الوقوع في الزلل.. وذلك مثل: الكلام الذي يجلب العداوة والحقد والبغض، والمزاح المؤدي إلى خصومة، وهكذا في كل مباح يؤدي إلى فاحشة.
وقد وردت أحاديث تحذر من الحدود عامة، وتبرز مساوئها، وترشد إلى ما يبعد عنها.
ففي مسند البزار مرفوعا "أنا آخذ بحجزكم، أقول: إياكم وجهنم إياكم والحدود.. إياكم وجهنم إياكم والحدود.. إياكم وجهنم إياكم والحدود!!".
وعن ابن مسعود قال: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما همّ عبد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، ثم فسره فأخبر إن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة محارم الله، وأن الستور المرخاة حدود الله، والداعي على رأس الصراط هو القرآن، والداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن!" أخرجه أحمد والبزار بسند حسن، وفي رواية الترمذي "والأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر!".
أفاد هذا الحديث أن الالتزام بالإسلام يكمن في اتباع القرآن مع اتقاء محارم الله واجتنابها، وعدم القرب من الحدود التي حدها الله بأوامره ونواهيه؛ فبتحقق هذه الدعائم يتم للعبد الدخول في الإسلام جميعا!
وقال صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال.. من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع!" أخرجه ابن حبان وسكت عنه الحافظ في الفتح ١٢٧/١.
استبرأ: برأ دينه من النقص، وعرضه من الطعن فيه.
في هذا الحديث الأمر باتقاء الحلال إذا كان سيؤدي بالعبد إلى الوقوع في الحرام.. وكأن الاسترسال في الحلال يحمل العبد على عدم التحكم في نفسه..
وفي سنن الترمذي وابن ماجه "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس!"
وكان ابن عمر يقول: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها!
وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام!
وقال الثوري: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى!
أما ما اشتبه أمره ووقع الشك فيه فإن العبد إذا لم يتقه ويبتعد منه فإنه ولا شك واقع في الحرام ومنتهك لحدوده؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان!" أخرجه البخاري. وذلك والله أعلم لأن العبد إذا اقتحم الشبهات وأقدم عليها كان قد قارب الحرام غاية المقاربة، وهو منهي عن القرب منه كما هو منهي عن انتهاكه والوقوع فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام"، وقال ابن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال.. وحتى يدع الإثم وما تشابه من الإثم!
وأما المسكوت عنه، فهو: ما لم يذكر حكمه.
فكل ما سكت عنه الله ورسوله ولم ينص على تحليله ولا تحريمه ولا إيجابه، ولم يشر إلى شيء من ذلك يعتبر معفوا عنه لا حرج على فاعله.
كما قال صلى الله عليه وسلم: "وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" أخرجه إسحاق ابن راهويه. وفي رواية للطبراني "وترك بين ذلك أشياء من غير نسيان، فاقبلوها ولا تبحثوا عنها!".
فواجب على كل مسلم أن يأخذ بظاهر القرآن والسنة، ويقبل ما دلت عليه نصوصهما من غير أن يتكلف البحث عن الأشياء التي لم يفرضها الله عز وجل ولم يحرمها، ولا أوجب على العباد البحث عنها؛ بل نهى عنه ومنع منه!
والبحث عما سكت الله ورسوله عنه:
يعتبر مخالفة لما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال سبحانه: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة..)، أي: فتنة تفتنهم عن العمل بالكتاب والسنة وتصرفهم عن اتباع شريعة الله وأحكامه!
ويعتبر غلوا وتجاوزا للحد.. وقد نهى الله عز وجل عن الغلو في الدين فقال سبحانه: (لا تغلوا في دينكم غير الحق)، وقال جل وعلا: (لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق)، أي: لا تتجاوزوا الحد في دينكم تجاوزا باطلا فتدخلون في دينكم ما ليس منه وتفترون على الله الكذب.. وقال صلى الله عليه وسلم محذرا من الغلو: "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين!" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه. قال المناوي في شرحه: "الغلو في الدين هو التشديد فيه ومجاوزة الحد والبحث عن غوامض الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها..". وغلا في الدين: تجاوز الحد فيه وأفرط.. ومعلوم أن الدين حدده الله ورسوله وبين فرائضه وواجباته؛ فمن زاد في شيء من ذلك أو نقص منه، فقد غلا وتجاوز الحد.
ويعتبر تعمقا في الدين.. والتعمق هو: الذهاب إلى أقصى الشيء.. يقال: تعمق فيه أي: أبعد فيه وذهب إلى أقصاه. عن ابن مسعود قال: "إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق" أخرجه الدارمي. وفي مسند أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر قوما يتعمقون في الدين.. يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصومه عند صومهم؛ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". المراد والله أعلم أنهم يتكلفون ما لم يكلفوا به ويبالغون في ذلك.. وفي صحيح البخاري "باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع".
ويعتبر تكلفا وتعرضا لما لا يعني.. وفي الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " أخرجه الترمذي. ودل الحديث على أن المسلم إذا حسن إسلامه اهتم بما يهمه واعتنى بما يحتاج إليه في دينه، وترك ما لا يهمه ولا يعنيه. وكان عمر بن الخطاب يقول: "نهينا عن التكلف" أخرجه البخاري. وعنه أنه قرأ (وفاكهة وأبا) وقال: قد عرفنا ما الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك -يا ابن الخطاب- إن هذا لهو التكلف! أخرجه ابن جرير بسند قال فيه ابن كثير: إسناده صحيح. وفي الحديث "أنا وأتقياء أمتي براء من التكلف!" أخرجه الدار قطني في (الأفراد) بسند ضعيف. وعن سلمان بسند صحيح قال لمن استضافه: "لو لا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم!" أخرجه أحمد وأبو نعيم في (الحلية).
ويعتبر تنطعا في الدين.. وفي الحديث "هلك المتنطعون ثلاثا" رواه مسلم. والتنطع هو: الغلو والتكلف في الدين.. فالبحث عما سكت عنه الله ورسوله هو "التكلف" والمبالغة في البحث عنه هي "التنطع" الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه. وإن شئت فقل: التنطع هو نهاية في التكلف والغلو.. وقد كان ابن مسعود يقول: "إياكم والتنطع.. إياكم والتعمق!".
رأس هذا البلاء ومصدره هو: التشديد في الدين.. لهذا ورد ذمه والنهي عنه في أحاديث كثيرة.. ففي صحيح البخاري(رقم ٣٩) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر، ولا يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا!" أي: اقتصدوا في أموركم..!
والمشادة هي المبالغة.. قال الحافظ في الفتح (٩٤/١): والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب.. وهذا حال كل متنطع في الدين: ينقطع، أو يبالغ في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل..!
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة وخير دينكم اليسرة!".
والسداد هو: القصد؛ أي التوسط في العمل.. فلا إفراط ولا تفريط؛ كما في الحديث الصحيح "أيها الناس عليكم بالقصد عليكم بالقصد فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا!" والمراد اتركوا الغلو في الدين والتقصير..
وقال سبحانه: (وما جعل عليكم في الدين من حرج.. ملة أبيكم إبراهيم!)، فالحرج والمشقة والضيق ليس من الدين. ولم يكلف الله تعالى بالمشقة والحرج وإنما جعل سبحانه الدين يسرا وسهلا (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر!)، واليسر: السهولة.. وفي الحديث "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة!" والحنيفية هي: ملة إبراهيم المبنية على السهولة والليونة.. وقال صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالحنيفية السمحة"، أي السهلة.
ولهذا كان الصحابة يسلكون طريق اليسر والسهولة في دينهم ويبتعدون عن مسالك الضيق والحرج.. ففي سنن الدرامي ٥١/١ عن عمر بن إسحاق قال: أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما سبقني، فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم!". وفيه عن عبادة بن نسي الكندي قال: أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم!
ولما كان السؤال من المسالك الموقعة في الضيق والحرج.. ابتعدوا عنه، واجتنبوه اجتنابا كليا؛ فلم يكن أحد منهم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: " ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن؛ منهن: يسألونك عن الشهر الحرام.. ويسألونك عن المحيض.. قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم!". واستمروا رضي الله عنهم على هذا السلوك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد قال القاسم: "إنكم تسألون عن أشياء.. ما كنا نسأل عنها، وتنقرون عن أشياء.. ما كنا ننقر عنها، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي؟ ولو علمناها ما حل لنا أن نكتموها!" أخرجه الدرامي ٤٩/١. وفيه أن رجلا سأل ابن عمر عن شيء.. فقال له ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن!
والسؤال قسمان:
سؤال أريد به اكتساب العلم بحكم نازلة وقعت، فهذا هو السؤال المشروع، والممدوح صاحبه، والذي ورد فيه نصوص من الكتاب والسنة.. وسؤال أريد به التكلف والتعنت، فهذا إما أن يكون عما سكت الله عز وجل عنه، وإما أن يكون عن شيء لم يحدث بعد.. وكلاهما مذمومان.
عن ابن عمر قال: سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن! وقال وهو عن المنبر: أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن؛ فإن الله قد بين ما هو كائن.. وسئل عمار بن ياسر عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا.. قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم!
وفي الحديث " لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن تعجلوها قبل نزولها لا ينفك المسلمون وفيهم -إذا هي نزلت- من إذا قال وفق وسدد.. وإنكم إن تعجلوها تختلف بكم الأهواء فتأخذون هكذا وهكذا.. وأشار بين يديه وعلى يمينه وعن شماله!" أخرجه الدارمي.
...
فمن أخذ بالأحكام المذكورة.. وبذل مجهوده في العمل بها كان عابدا ومنقادا ومستسلما لله سبحانه، وتحقق له الدخول في الإسلام والاستقرار في بحبوحته.
الشيطان:
الشيطان اشتهر به إبليس وصار كالعلم عليه بسبب فسوقه وعتوه واستكباره، وهو من الجن وليس من الملائكة.. قال تعالى: (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه!). وفي الحديث "إن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" أخرجه أحمد في المسند 4/226. وقال سبحانه حاكيا كلامه عند امتناعه من السجود لآدم فقال: (قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين!)، فصرح الملعون أنه خلق من نار.. وأقره المولى سبحانه على كلامه، فدل على أن أصله من نار..
وأصل الجن من النار؛ كما قال سبحانه: (والجان خلقناه من قبل من نار السموم)، وقال تعالى: (وخلق الجان من مارج من نار) أي : طرف اللهب.
وحيث ثبت أن الشيطان من الجن وأنه مخلوق من النار كسائر الجن.. فإنه من المعلوم أن الملائكة لم يخلقوا من نار، وإنما خلقوا من نور؛ كما في صحيح مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليهم وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم!" أفاد الحديث أن جنس الجن يغاير جنس الملائكة!
ويقول جمهور العلماء: إنه كان من الملائكة.. لقوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر!)، فلولا أنه من الملائكة لما توجه الأمر بالسجود إليه..
وقولهم هذا باطل ومردود بقوله سبحانه: (إلا إبليس كان من الجن)، والجن ليسوا من جنس الملائكة، فكيف يكون منهم وليس هو من جنسهم؟!
والأمر بالسجود توجه إليه وإن لم يكن من الملائكة.. لكونه حاضرا معهم، والخطاب يوجه للأكثر لا للأقل. فهذا خطاب الله لبني آدم يوجه للرجال لأنهم أكثر من النساء.. وكذلك يوجه الخطاب للمؤمنين من بني آدم ويندرج فيه المؤمنون من الجن.. وهكذا الأمر هنا وجه للملائكة واندرج فيه الشيطان!
وقد صرحت الآية بأنه كان مأمورا بالسجود فقالت: (قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟!)، وبهذا بطل قول الجمهور: "لولا أنه من الملائكة لما توجه الأمر بالسجود إليه.." فقد ثبت أنه كان مأمورا بأمر من الله بالسجود لآدم، وإن لم يكن من الملائكة!
وعلى قول الجمهور "إن الشيطان كان من الملائكة"، فماذا يكون الجواب عن قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وقوله سبحانه صدق!! فهل فعل إبليس ما أمر به؟ كلا لم يفعل ما أمر به لأنه من الجن وليس من الملائكة؛ إذ لو كان منهم لفعل ما أمر به!
ولا خلاف في أن إبليس كان قبل أن يؤمر بالهبوط إلى الأرض مع الملائكة في السماء حيث أمرهم الله بالسجود لآدم..
والجن كبني آدم منهم المؤمنون ومنهم الكافرون؛ كما أخبر تعالى عنهم في سورة الجن: (قل: أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا)، وفي الحديث، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث وقال: إنهما زاد إخوانكم الجن" وقال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، قال الحافظ في الفتح :675: الشيطان والجن هما لمسمى واحد وإنما صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان فلا يقال لمن آمن منهم: إنه شيطان.
وإبليس الشيطان الأكبر حي الآن أنظره الله إلى يوم القيامة.. (قال: رب فأنظرني إلى يوم يبعثون.. قال: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم!). ويوجد في مكان ما من البحر، وضع عرشه فيه وجلس عليه يبعث جنوده يضلون الناس ويفتنونهم.. كما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرش إبليس على البحر يبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة!"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول: من أضل مسلما ألبسته التاج..!"، أخرجه ابن حبان والحاكم والطبراني.
وجسم الشيطان يبدو أنه خفيف، لأن الحديث الصحيح يقول: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه".
فلولا خفة جسمه لما أمكنه أن يبيت على المنخر أو الأنف. ولا غرابة في هذا فإن أصل الشيطان من نار والنار جسم خفيف.. ولا يجوز أن يقاس الشيطان على الإنسان فإنه من طين والطين ثقيل. ونحن إذا قسناه على الأكسجين والغاز المحترق.. فإننا ندرك أنهما يجتمعان والإنسان في مكان واحد لا يزاحم أحدهما الآخر ولا يحس به، كذلك الشيطان يبيت على الأنف ولا يحس به الإنسان لخفة جسمه!
ويبدو أنه كسائر الحيوانات.. له رأس كما يستفاد من حديث " لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني الشيطان" أخرجه البخاري، والمراد بالقرنين: جانب الرأس.
وله يدان يستعملهما، ففي البخاري 3286: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". وفيهما أصابع، كما في البخاري 3286 " كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعيه حين يولد...".
وله فم.. ففي الصحيح في قصة تعرض الشيطان للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فأخذته فخنقته حتى وجدت برد ريقه على يدي!
وجاء في الحديث ما يفيد أنه يبول: كما قال البخاري 3270 ذكر رجل نام ليلة حتى أصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه"، وأنه يباشر النساء، كما في آية: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان!)، وآية: (أفتتخذونه وذريته)، وهي تأتي نتيجة لممارسة الجنس.. وأثبت الحديث أنه يضرط فقال: "إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط..."
وهكذا نجد الشيطان يتفق مع الحيوان في بعض صفاته وأوصافه.. وورد في البخاري 3304 أنه يحول بينه وبين الشيء سد الباب أو ستره بخمار أو عود بعد تسمية الله عليه. قال رسول الله صلى البه عليه وسلم: "أغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا!"
والشيطان يتصف باليأس ويستولي عليه؛ كما ثبت في الحديث " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم!"، ومعنى هذا أن إرادة الشيطان يعتريها فتور وانقطاع، أو ربما عجزت عن تحقيق مبتغاها.. وليس هناك وسيلة لإيقاعه في اليأس والقنوط أفضل من الالتزام بتعاليم الله!
وفي مسند أحمد بسند جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم عثر به حماره فقال رجل؛ تعس الشيطان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب!)، أفاد هذا الحديث أن الشيطان يتأثر نفسيا؛ فهو إما تعجبه نفسه ويتعاظم ويتظاهر بالمظاهر الفارغة الكاذبة.. وإما أن يزدري نفسه ويحتقرها ويضيق صدره بما يراه أو يسمعه مما لا يعجبه ولا يرضيه.
وقد صرح حديث رواه مالك في الموطأ 245 بهذا، فقال: "ما رئي الشيطان يوما، هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة. وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام؛ إلا ما أري يوم بدر..!!". وما ذلك إلا لأنه رأى ما عمله وسعى فيه قد انهار ولم يؤت أكله بفضل الله ورحمته!
ووظيفة إبليس ومهمته هي الاستيلاء على الإنسان واستمالته؛ كما قال لعنه الله مخاطبا المولى سبحانه: (قال: أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ! 62 الإسراء)، يقال: احتنك فلان فلانا إذا استولى عليه واستماله، واحتنك الدابة إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به. فإبليس مع الإنسان كالإنسان مع الدابة، فهو وإن تمكن من وضع الحبل في حنك الدابة لا تتبعه، ولا يمكن له أن يقودها إلا بعد أن تكون قد استأنست به، وساقها سوقا سهلا لطيفا؛ وذلك لا يتم له عادة إلا بعد أن يبسها كما في المثل: "الاستئناس قبل الابساس" يطرب في المداراة عند الطلب. والإنسان ذو جلد وقوة لا ينقاد لغيره إلا بحيلة لا تخدش كبرياءه وغطرسته، وإبليس يعلم هذا لذلك سلك سبلا متعددة ومتنوعة ليتمكن من الاستلاء على الإنسان، قال: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)، فإذا هو تمكن من الاستيلاء على الإنسان قاده إلى ما يريد.. !
وهو يريد قبل كل شيء إثبات عجز الإنسان- قال: (هذا الذي كرمت علي) – أمام الفتنة.. وأن يمتحنه وهو يتردد بين الخير والشر، والمباح والحرام، لذلك قال: (ولا تجد أكثرهم شاكرين.. لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) وبعدما يفعل الإنسان ما أوحى له الشيطان به، ويحقق ظنه ويصدقه؛ يتنكر الشيطان للذين ،اتبعوه ويسئ إليهم فيقول لهم: (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل.. !).
ومعلوم أن الشيطان يتمكن من الاستلاء على غير المؤمنين.. كما قال تعالى: (إنما سلطانه على الذين يتلونه والذين هم به مشركون)، أما المؤمنون الذين يلتزمون العمل بدينه فقد تكفل الله بعصمتهم.. قال تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)، وقال: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا). ولما كان الأطفال لا يزالون في طور النضج الديني فإنهم قد يكونون طعمة سائغة للشيطان لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكفهم وحجزهم وقت خروج الشياطين وانتشارهم للفساد والإفساد في الأرض.. ففي البخاري 2316: "خمروا الآنية وأوكوا الأسقية وأجيفوا الأبواب واكفِئوا صبيانكم عند المساء فإن للشياطين انتشارا وخطفة"، وفيه 3280 "إذا استجنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم"، وفي مسند أحمد: "لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء"، وفيه: "احبسوا صبيانكم حتى تذهب فوعة العشاء فإنها تخترق فيها الشياطين"، فوعة العشاء: أوله، وفحمة العشاء: سواد الليل وظلمته، واستجنح الليل: أقبل الليل، والمراد بالفواشي: المواشي.
وسبل الشيطان التي بها يحقق غرضه:
- الوسوسة.. "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكم سوء".
- فتح باب الأماني أمام العبد فيستمر في عمله إلى أن يفاجئها الموت.. (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا...).
- تزيين العمل.. ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل).
- الفتنة.. "عرش إبليس على الماء فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة" رواه مسلم.
- التشكيك.. يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا.. حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته !
- الخذلان.. (وكان الشيطان للإنسان خذولا).
بقلم: محمد الزمزمي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


