{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208) فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)} سورة البقرة.
دعا الله سبحانه الناس الذين آمنوا، واستسلموا وانقادوا للإسلام.. وأمرهم بالدخول في الإسلام جميعا وعدم الخروج منه. ونهاهم عن اتباع طريق الشيطان لأنه عدو ظاهر العداوة لبني آدم.. وأخبرهم أنهم إن عدلوا عن الدخول في الإسلام جميعا بعد ما ظهرت لهم الدلائل الدالة على أن الإسلام هو الحق الذي يجب التمسك به؛ فليعلموا أن الله عزيز غالب لا يفوته من يعصيه، ذو إصابة في الانتقام ممن عصاه!
قراءتنا(السّلم) بفتح السين وسكون اللام. وقرأ غيرنا (السلم) بكسر السين، وهما بمعنى واحد. وهو هنا الإسلام.
و(ادخلوا في السلم)، معناه: الأمر بأن تكونوا داخل الإسلام وليس بخارجه؛ لأن الدخول نقيض الخروج.. فمن دخل مكانا صار في داخله، أي حاويا له ومحيطا به.
و(كافة) بمعنى "جميع" منصوبة على الحال، وهي عائدة إلى (السلم). والمعنى: ادخلوا في شرائع الإسلام وأحكامه كافة؛ بحيث يكون كل حكم في الإسلام مانعاً وكافا لكم عن الخروج منه.
والكف أصله: المنع.. ومنه: كفة الثوب المانعة له من الانتشار، ورجل مكفوف: كف بصره عن النظر، وكف اليد: طرفه الذي يجب بها الإنسان عن سائر الجسد..
(ولا تتبعوا..) يقال: اتبعه إذا مشى خلفه، واتبعه إذا سار وراءه والتمس خطاه وهم بتحصيلها. وكأن المراد -والله أعلم- النهي عن الاتباع المقصود والمتعمد الناتج عن التفتيش عن تلك الخطوات..
و(خطوات) جمع "خطوة وهي: مسافة ما بين القدمين.. والتعبير بالخطوات يفيد أنه ليس هناك دعوة صريحة ولا واضحة يدعو إليها الشيطان، وإنما هي خطوات: وساوس وشبهات؛ يلقيها في القلوب.. فالميل إليها يكون إما عن جهل وإما عن خطيء وإما عن قصد؛ فيؤدي بصاحبه إلى التنحي عن الإسلام المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك!
والكلام عن (خطوات الشيطان) يأتي في باب التحذير من طاعة الشيطان واتباع الوسواس، عند قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا: لا تتبعوا خطوات الشيطان).
وقوله تعالى: (فاعلموا أن الله عزيز حكيم)، نهاية في الوعيد لأنه يجمع من ضروب الخوف مالا يجمعه التهديد بذكر العقاب!
ورد في سبب نزول هذه الآية أن اليهود الذين دخلوا في الإسلام استمروا على بعض ما اعتادوا العمل به قبل الإسلام من اتخاذ يوم السبت عطلة، وتوقي أشياء مباحة في الإسلام، وهي محرمة في اليهودية ظنا منهم أنه ما دام ليس هناك ما يدعو إلى تركها فلا مانع من العمل بها؛ فنزلت الآية تأمرهم بالدخول في الإسلام جميعا وأن لا يخلطوا به غيره..!
ويندرج في هذا المعنى ما أخرجه أحمد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي!!
فهذا الحديث يدل على أن كل ثقافة غير نابعة من القرآن فهي من خطوات الشيطان لا يجوز الميل إليها ولا الاشتغال بها.
والإسلام الذي دعت هذه الآية إلى الدخول فيه هو دين الله الذي اختاره لهذه الأمة ورضيه لها دينا، كما قال سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا!)، وهو دين الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله!)، وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)، لأنه دين الله في الأرض وفي السماء (إن الدّين عند الله الإسلام).
عن معاوية بن حيدرة قال: قلت: بالذي بعثك بالحق! ما الذي بعثك الله به؟ قال: الإسلام.. قلت: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله تعالى، وتوجه وجهك لله؛ وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة!" أخرجه أحمد والنسائي.
دل هذا الحديث على أن الإسلام هو الانقياد والخضوع لله سبحانه بالقلب وبالجسد. وذُكرت الصلاة مثالا لانقياد الجسد بسائر أعضائه.. والزكاة مثالا لخضوع القلب الذي جبل على حب المال وإيثاره على كل شيء..!
وعن عمرو بن عنبسة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك لله.. وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك!" أخرجه أحمد.
عرّف صلى الله عليه وسلم الإسلام بأنه انقياد القلب وخضوعه لله.. وعن القلب تنبثق أعمال الجوارح فتنقاد لله..!
وفي (الصحيحين) أن رجلا قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا..!
والعبادة هي: الطاعة.. فعبادة الله هي طاعة الله وحده.
وأصل (العبادة) هو: الخضوع والتذلل والانقياد.. لهذا كانت الدعوة إلى الدخول في الإسلام دعوة إلى طاعة الله وعبادته.. لأن الآخذ بأحكام الإسلام وشريعته يكون عابدا لله في جميع ظروفه وأحواله.
وقد ركز الإسلام دعوته في عبادة الله وحده؛ فدعا الناس إليها (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، والذين من قبلكم لعلكم تتقون).
وكان نبي الإسلام يصدع بهذه الدعوة ويعلنها على الملأ فيقول: (إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو، وإليه مآب!).
وسيأتي الكلام عن العبادة في كتاب التوحيد عند قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا: اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم..).
وحيث علم أن الاسلام هو أن تعبد الله وتطيعه وتنقاد لأحكامه..
يكون المراد بقول الله تعالى: ادخلوا في الإسلام جميعا، هو الأمر بأن يأخذ المسلمون بأحكام الله وشريعته فيمتثلوا ما أمرهم الله به، ويكفوا عما نهاهم عنه. كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم!".
في هذا الحديث طريقة الأخذ بأوامر الله والعمل بأحكام الإسلام وشريعته وهي: أن يكف المسلم عما نهى الله عنه، وأن يفعل ما أمره الله به على قدر استطاعته!
وقد أفاد أن فاقد الاستطاعة إذا أتى بما يقدر عليه من الفعل الذي أمر الله به يكون قد امتثل ما أمره الله به، بدليل اشتراط القدرة والاستطاعة على الفعل.. بخلاف ترك ما نهى الله عنه فلا يتم إلا بالتباعد الكلي عن المنهي عنه واجتنابه وعدم ارتكاب شيء منه!
وبهذا يعلم بطلان ما ذهب إليه الجمهور من تقسيم الأحكام وغيرها إلى واجب الاتباع وغير واجب؛ كما يأتي قريبا.. فإن هذا الحديث من الأدلة الدالة على وجوب العمل بجميع ما أمر الله به أو نهى عنه!
وأحكام الله التي من أخذ بها والتزم العمل بها كان مسلما كما أمره الله عز وجل أن يكون، هي الواردة في الحديث الذي أخرجه الدار قطني بسند حسن عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها!".
أفاد هذا الحديث أن أحكام الله هي:
فرائض.. يجب على المسلم أن يؤديها ويلتزم العمل بها.
ومحارم.. يجب عليه اجتنابها وعدم انتهاكها.
وحدود.. يجب الوقوف عندها وعدم القرب منها.
ومسكوت عنه.. يجب ترك البحث فيه وعنه.
أما الفرائض فهي: الأعمال التي أوجبها الله على عباده وألزمهم القيام بها.
وقد ورد في الحديث القدسي "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعطينه!". أخرجه البخاري.
وفي رواية الطبراني: "ابن آدم إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضته عليك، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون قلبه الذي يعقل به ولسانه الذي ينطق به وبصره الذي يبصر به. فإذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته وإذا استنصرني نصرته، وأحب عبادة عبدي النصيحة".
يعتبر ما أمر الله به من الفعل والكف مقربا إلى الله تعالى، فكل عبد امتثل وأطاع ما أمره الله به، فهو في عبادة.. ولما كانت العبادة متفاوتة في المنازل والدرجات قال "وأحب عبادة عبدي النصيحة!". لكن أساس القرب يكمن فيما افترضه الله عليه فلا يتحقق له هذا القرب إلا عن طريق ذلك وليس عن طريق الاشتغال بالنوافل والإكثار منها مع التهاون بالفرائض وتضييعها؛ لهذا قال سبحانه: "إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضته عليك!".
عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن: "إنك لتأتي قوما أهل كتاب.. فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.. فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم.. فإن هم أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم.. وإياك ودعوة المظلوم.. فإنها ليس بينها وبين الله حجاب!" متفق عليه.
أفاد هذا الحديث أن الإقرار بالشهادتين والاذعان لهما والانقياد يستوجب العمل بما فرضه الله عز وجل من الفرائض.. لذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "فإن هم أجابوك، فأعلمهم.." ولم يقل عليه الصلاة والسلام: "فادعهم.."! فدل هذا على أن الدعوة إلى الشهادتين دعوة إلى الامتثال والطاعة لما أمر الله به وفرضه على عباده..
وما فرضه الله على عباده موجود في القرآن والسنة مبثوث فيهما لا يحول بين العباد وبين العمل به إلا فهوم الناس التي أضلتهم عنه وفتنتهم عن العمل به؛ كما قال عمر بن الخطاب في خطبة خطبها في آخر حياته "أيها الناس! قد سننت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة؛ إلا أن تضلوا الناس يمينا وشمالا".
قوله "تركتم على الواضحة" يشير إلى حديث "تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".
وقوله "إلا أن تضلوا الناس يمينا وشمالا" معناه: تضلوهم بفهومكم يمينا وشمالا عن تلك السنن والفرائض!
وهذا ما وقع.. فلقد زاغ المسلمون عن المحجة البيضاء واتبعوا السبل المتمثلة في فهم العلماء؛ فأدت بهم إلى نبذ الكتاب والسنة..!
ومن العوامل التي أدت بالمسلمين إلى الانحراف عن صراط الله، وثبطتهم عن العمل بما أمرهم به الله: تقسيم الأعمال التي أمر الله بها إلى أعمال مفروضة وأعمال غير مفروضة.
فكان هذا التقسيم داعيا إلى الاقتصار على القيام ببعض ما أمر الله به، لأنه الفرض الذي يجب العمل به.. وغيره مما أمر الله به جائز تركه، والتهاون به، والزهد فيه، وعدم امتثاله واعتباره!
ولا شك في أن هذا خلاف المقصود من الأمر بتلك الأعمال.. فالأمر المولوي يجب امتثاله وطاعته فور وروده والعلم بوجوده، ولا يجوز التهاون به، والتحايل على عدم تنفيذه؛ كما فعل اليهود أخزاهم الله.
ولو كان هذا التقسيم جائزا، ونظاما مشروعا، لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم!" ولما قال سبحانه: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)!
ولقد رفض العلماء هذا التقسيم واعتبروه وسيلة للزندقة.. فقد أخرج أبو بكر النيسابوري في (مناقب مالك) عن عبد الله بن عمرو بن ميمون بن الرماح قال: دخلت على مالك بن أنس فقلت: يا أبا عبد الله ما في الصلاة من فريضة؟ وما فيها من نافلة؟ فقال مالك: كلام الزنادقة؛ أخرجوه..!
وعنه أنه قيل له: إن بعض الناس يقول: الصلاة فرض، والركوع والسجود لا أقول: فرض، ولكنه سنة.. فكفره. فقيل له: إنه يتأول.. فلعنه! فقال: لقد قال قولا عظيما!
ونقل اسحاق بن منصود عن اسحاق بن راهوية أنه أنكر تقسيم أجزاء الصلاة إلى سنة وواجب فقال: كل ما في الصلاة فهو واجب، وأشار إلى أن منه ما تعاد الصلاة بتركه ومنه ما لا تعاد!
فبان أن هذا المنهاج الذي يتعامل به أهل المذاهب مع نصوص الكتاب والسنة؛ فيوجبون على العباد أم يمتثلوا بعضها ويرخصون لهم ترك بعضها، منهاج آثم ظالم.
قال القرطبي: من داوم على ترك السنن كان نقصا في دينه ومن تركها تهاونا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقا يعني: لورود الوعيد عليه حيث قال صلى الله عليه وسلم: "من رغب عن سنتي فليس مني" وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما. وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه! نقل كلامه هذا الحافظ في الفتح (٣/٣٦٥).
ولا يجوز الاستدلال علينا بالأحاديث التي يفيد ظاهرها خلاف ما قلناه، فإن تلك الأحاديث لا تخلو من كلمة تشير إلى ما قررناه؛ فحديث معاذ فيه "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" وحديث "أمرت أن أقاتل الناس" فيه "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" وبعضها فيه "الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا" وهي صريحة الدلالة على ما قلناه. أما حديث طلحة بن عبيد الله الذي رواه البخاري(رقم ٤٦) وفيه "أفلح إن صدق!" فيه "وذكر له رسول الله الزكاة وشرائع الإسلام، فدخل فيه سائر الفرائض والسنن التي شرعها الله! فإن قيل: رواية البخاري ليست فيها تلك الزيادة.. قلنا: رواية البخاري مجملة ورواية غيره مفصلة وهي مبينة للمراد والله أعلم.
...
وأما المحارم، فهي جمع "محرم وهو: ما حرم الله تعالى.
والمحارم هي حمى الله.. حماها ومنع عباده من قربها وارتكابها وانتهاكها. ففي صحيح البخاري (رقم ٥٢) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه! " أفاد هذا الحديث أن العبد واجب عليه أن يبتعد من المحارم؛ كما يبتعد من المناطق المحمية من طرف الدولة؛ مثل القصور الملكية والقواعد العسكرية والأماكن الحساسة.. وكذلك المحارم يتعين عليه الابتعاد منها وعدم القرب منها حذرا من الوقوع في شراكها!
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهكت حرمة من حرمات الله تعالى كان أشد الناس غضبا لله؛ كما قالت عائشة فيما رواه عنها الطبراني في (الأوسط) وسكت عنه الحافظ في الفتح؛ وذلك لما في الانتهاك للحرمة من الجرأة على الله عز وجل!
وفي البخاري " إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله.." وفيه " ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن".
فسرت غيرة الله بمراقبته سبحانه أعمال عباده؛ هل يقدمون على محارمه أو يبتعدون منها، ويلتزمون بطاعته؟ كما قال تعالى: (ويحذركم الله نفسه!).
وقال سبحانه: (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)، قال مجاهد: الحرمة ما نهى الله عنه من معاصيه كلها.. والمعنى: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيما في نفسه؛ فله في ذلك خير كثير وثواب جزيل!
ومحارم الله ما حرمها ومنع عباده منها إلا لقبحها، وصيانة لهم عن الخبائث والرذائل؛ كما قال سبحانه: (ويحرم عليهم الخبائث)، وقال سبحانه: (قل: إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن..).
وعبادة الله تكمن في اجتناب محارم الله والابتعاد منها؛ كما في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه "اتق المحارم تكن أعبد الناس!" أي اجتنب الوقوع فيما حرم الله تكن أحسن الناس عبادة وأفضلهم طاعة وخضوعا!
واتقاء المحارم به تقبل الأعمال، والوقوع فيها به ترد الأعمال، ولا تقبل.. فمن اتقى المحارم كانت سائر أعماله مقبولة عند الله تعالى، ومن وقع فيها ولم يتقها ردت عليه سائر أعماله.. لأن الله سبحانه يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين)، ولهذا كان ابن عمر يقول: "لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار؛ لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز!"
يعني: ورعا يحجزكم عن الحرام ويمنعكم من الوقوع فيه. وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له؟!".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا.. أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها!!" أخرجه ابن ماجه ٤٢٤٥ بسند رواته ثقات.
والأدلة الدالة على أن الأعمال لا يكون لها وزن واعتبار إلا باجتناب المحارم وعدم الوقوع فيها كثيرة.. وسيأتي الكلام على الحرام وأسبابه والوسائل التي يكتسب بها الحرام في كتاب البيوع عند قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل).
والأشياء المحرمة نص عليها القرآن والسنة وجاء ذكرها فيهما مبينا بيانا شافيا كافيا: كما قال تعالى: (ولقد فصل لكم ما حرم عليكم). وقال سبحانه: (قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..)، وفي الحديث "الحلال بيّن والحرام بيّن".
ولا خلاف في أن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر محرما للآيات الكثيرة الدالة على ذلك.. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدّث بحديث من أحاديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله!" أخرجه ابن ماجه.
...
تتمة المقالة في الجزء الثاني.
بقلم: محمد الزمزمي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


