إن كان هذا عقلك فقد استرحت

إن كان هذا عقلك فقد استرحت

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
السبت، ١٤ صفر ١٤٣٣ هـ - ٧ كانون الثاني ٢٠١٢
4768

عبد العظيم عرنوس

قمم لا تدانيها الجبال شموخا وعزة ، قمم لا تفل عزائمها عوادي الزمان ، قمم يراها الناظر على مر القرون وكر الدهور نبراسا يضيء الطريق للسائرين ، ويثبت أفئدة المؤمنين ، قمم ترى المشقة راحة ، والعذاب عذبا في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل .. وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ {هود:120}
ففي كتاب طبقات الحنابلة أن أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي قال :
دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبدالله :عليك عيال ولك صبيان وأنت معذور. كأني أسهل عليه الإجابة .
فقال لي: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت
كلمة تطيش أمامها الجبال الراسيات ولا تثبت  إنها نبض المؤمن الذي يرى راحته وسروره وسعادته - رغم المعاناة الشديدة – عندما يصفع النواصي الكاذبة الخاطئة بكلمة الحق  فإذا هي ساقطة متهاوية ذليلة مدحورة .
لو أن ابن حنبل أخذ بنصيحة هذا الرجل ، وتعلل بالعيال والصبيان لكان مكانه في ذاكرة التاريخ كمكان ناصحه ، ولو أن سحرة فرعون خضعوا للوعيد والترهيب لما كان لهم في القرآن شأن ولا ذكر
إن الذي خلد ذكر سحرة فرعون في القرآن صدعهم بالحق في أبهى صورة ، واستهانتهم بالوعيد والتصليب والتهديد وتقطيع الأوصال ... قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا {طه:72}
إن محنة أحمد بن حنبل كانت شديدة رهيبة وطال أمدها .. يقول عبدالوهاب الوراق : عشرون سنة والإمام أحمد يتقلب في نيران المحنة
حتى خرج منها كما خرج إبراهيم من نار النمرود .. ويقول بشر الحافي : إن أحمد بن حنبل أدخل في الكير فخرج ذهبا أحمر ، أدخل في المحنة ، أحرق بالنار فصبر وصابر حتى خرج ذهبا خالصا نقيا ، وزال منه كل غش فيه لعشرين سنة.
يستطيع الإنسان أن يعيش مستريحا لاهيا لاعبا ضاحكا لا يهتم بأمور أحد سوى نفسه ؛ لكن عندما يغادر هذه الدنيا يطويه النسيان ، فقد قالت العقلاء قاطبة : إن النعيم لا يدرك بالنعيم ، وإن الراحة لا تنال بالراحة ، وإن من آثر اللذات فاتته اللذات .. والرجل كل الرجل هو الذي يتطلع للراحة الكبرى .. فقد سئل ابن الفرجي : متى يعرف العبد أنه من صفوة الله ، ومن خيرة الله ؟ فقال : إذا خلع الراحة ، وأعطى المجهود في الطاعة ، لأن الراحة للرجال غفلة ؛ كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. وصاحب النجدة والمروءة لا يعرف طعم الراحة وهو يرى إخوانه تحيط بهم الأخطار ويبادون على أيدي أوباش البشر ، قال الشافعي رحمه الله : الشافعي : طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات ، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان
قلب يطل على أفكاره ويد *** تمضي الأمور ونفس لهوها التعب
والنجاة تحتاج لمجاهدة وتعب ؛ وإلا فهو الهلاك المحتوم ، وقد عبر عن هذا المعنى مصطفى صادق الرافعي : ويحه من غريق أحمق يرى الشاطئ على بعد منه فيتمكث في اللجة مرتقبا أن يسبح الشاطئ إليه . . .
ويثبت الشاطئ ويدع الأحمق تذوب ملحة روحه في الماء !
اسبح ويحك وانج ، فإن روح الأرض في ذراعيك ، وكل ضربة منهما ثمن ذرة من هذا الشاطئ ، كذلك ساحل الخلد ، يريد من الإنسان الذي هو إنسان أن يبلغ إليه مجاهدا لا مستريحا ، عاملا لا وادعا ، يلهث تعبا لا ضحكا ، ويشرق بأنفاسه لا بكأسه ، وينضح من عرق جهاده لا من عطر لذاته .
جواب مختلف :
دخل الطبيب على شاعر الدعوة الإسلامية عمر بهاء الدين الأمير رحمه الله وهو على فراش المرض في جناح طب القلب وصدره موصول إلى جهاز المراقبة الألكتروني في حالة حرجة يسأله عن استراحته فيرد عليه بفهم يختلف عن فهمه :
كلا رويدك يا طبيب *** وقد سألت أما استراح
هل يستريح الحر يوقر **** صدره العبء الرزاح
أجل .. فالذي يمتلئ صدره ألماً وحزناً جراء ما يحدث في بلاد الشام من إبادة جماعية ممنهجة ، وتدمير للممتلكات ، وتعذيب وتشويه مما لم تره عين بشر - كما قال أحد المراقبين العرب – كيف يستريح ؟! ولئن استراح جسمه فهل يستريح ضميره وقلبه ؟!!
ورحم الله الشاعر عبد الرحيم محمود القائل :
سأحمل روحي على راحتي *** وأهوي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الــصديــــق *** وإما ممات يغيظ العـدى
ونفس الشريف لها غايتان *** ورود المنايا ونيل المنى
ولله در الشيخ مصطفى السباعي وقد برحت به الآلام الشديدة في أواخر عمره لكن نفسه نفس حر أبي تحاول قهر كل ما يحول بينه وبين مقارعة المبطلين :
فإن تكن الأيام أودت بصحتي *** وعاقت خطى عزمي بكل مسدد
فما كنت خوارا ولا كنت يائسا *** ولست بثاو في فراشي ومقعدي
سأمشي إلى الغايات مشي مكافح **** ألوذ بعز الله من كل معتد
وأحمي لواء الحق من أن يدوسه **** طغاة غدوا حربا على كل مرشد
ورحم الله الشيخ محمد الغزالي حيث يقول: مستحيل أن يجتمع أمران: حب الراحة وحب المجد! وطاعة النفس وطاعة الله.
إن الواجب كبير ، والحمل ثقيل ، والمسؤولية كبيرة ، والخطر في بلاد الشام في سوريا الحبيبة محيط ، والمرابطون في الساحات يحتاجون للربط على قلوبهم وتثبيت أقدامهم ، والمسح على جراحاتهم وآلامهم بلمسات حانية ، ودعمهم ماديا ونفسيا ، وهم يحمون الثغور ويرابطون عليها تصدح حناجرهم بالحرية والكرامة ، لقد خلعوا الراحة لتستريح الأجيال من بعدهم .
فهنيئا لكم أيها الثوار الأبطال ما تنالونه من فضل وثواب . قال بن تيمية رحمه الله : الْمُقَامُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ أَفْضَلُ مِن الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ ، وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا نِزَاعًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
والأمة الإسلامية عددها كبير ، وقدراتها عظيمة .. فالله الله في أهل سوريا .. ولا يؤتين الإسلام من قبلكم ، وهذه صيحة النذير العريان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...