من عقلاء المجانين ، وأخوه من الموقرين له والمتأدبين

من عقلاء المجانين ، وأخوه من الموقرين له والمتأدبين

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ٩ شعبان ١٤٣٤ هـ - ١٧ حزيران ٢٠١٣
615

 
 
 
بقلم / د. خلدون عبد العزيز مخلوطة
 
 
استضافة سيئة من عصابات إجرامية ، في أوائل الثمانينات في أيام عرفت بالأيام السبع، مُنع فيه التجول في حماة الأبية .
في أحد تلكم الأيام وقبيل مغيب الشمس كان متوجها وأخوه إلى صلاة المغرب ليؤذن ويصلي بالناس إماما ، وإذا بسيارة زيل ترصدهم عند مفترق طريق يؤدي للمسجد، وإذا بهم كالوحوش الضارية تسرع على فريستها ، وبعد تعذيب وتنكيل ، وسؤال وجواب ، وتحقيق وتنديد ، وكانت جريمة كبرى عندما اكتشفوا سبب الخروج، وهل هناك جريمة أعظم لديهم من مسجد وصلاة ، ولحية وقرآن، ثم أُطلق سراحهم ليعودوا إلى البيت، وفي صباح اليوم الثاني بعد الفجر وإذا بالحي قد طُوق ، وأشباه الرجال يحاصرونه يعيثون فيه الفساد ، ويعتدون على الأهالي ، يبحثون عن شاب ملتح وأخيه، ثم استطاعوا الوصول إليهما، وما أن أخرجوهما من البيت ، وعلى مسمع أبيهما وأمهما وإذا بنيران البنادق تطلق فوقهما ، فظن الأب المسكين أن ولديه قد قتلا ، فخرج ينظر ويبحث في الأرض عن آثار دماء ، أو بعض أشلاء .
اقتيد الأخوان مع مجموعة كريمة من أبناء الحي، قُبض عليهم بسببهما لأنهم لم يرشدوهم إلى هذين الشابين، ومن هؤلاء: أخوان من الجيران ، الكبير شبه مجنون في كلامه ومشيته، والصغير لم يتعد عمره الثالثة عشر، وأثناء السير لم تطاوعهم نفوسهم إلا أن ينكلوا بمن يجدونه في الطريق، وبعد الوصول إلى معسكرات الشرذمة المجرمة ، وبعد التحقيق وكشف الهوية الشخصية تبين براءتهما من كل شيء ، ولكن هذا لا يكفي لإطلاق سراحهما ومن معهما ، ثم بدأت مسرحيات التعذيب بصنوفه المختلفة، وأفانينه العجيبة .
ومن تلكم الأساليب أن يوضع كل أخوين مقابل بعضهما البعض، ويطلب منهما أن يضرب أحدهما وجه الآخر بأقصى قوة ، وإلا انهالوا عليهما بالضرب بالبنادق والأقدام ، وبدأت الكفوف تسمع لها الرنين، والمفاجأة العجيبة أن الشاب الصغير امتنع أشد الامتناع عن ضرب أخيه الكبير المجنون ، وكلما انهالوا عليه ضربا كلما ازداد إصرارا ، وهو يخاطبهم بكل جرأة وشجاعة: (هذا أخي أكبر مني والله لو قتلتموني لا أرفع يدي عليه)، فبهر الجميع بقمة أدبه وتوقيره لأخيه ، وصبره على الأذى والعذاب لأجله، وعندما لم يجدوا فائدة من ذلك عكسوا طريقة التعذيب فوضعوا الشاب الملتحي مع الرجل المجنون ، وأخاه مع الشاب الصغير، ويا لهول ما ذاقه من كفوف كالصاعقة تنهال عليه من ذلك المهبول المجنون ، حتى كاد أن يغمى عليه من شدتها ومتانتها ، وكلما أعطاه إشارة خفية يطلب منه التخفيف من شدة الكفوف ، ولكنه يزداد ويزداد ، ثم ينادي هذا العاقل المجنون بأعلى صوته أمام تلك الشرذمة الحاقدة: (اضربني أنت جاري وابن حارتي ، فهذا أشرف لي من أن يضربني هؤلاء ) ، ثم يقرب له خده ، ويدنيه ويقول : (اضرب ، اضرب، ضربك أحب لي من ضرب هؤلاء)، فأصبح الشاب الملتحي في حيرة من أمره ، أيبكي مما يشاهده من هؤلاء االمجرمين الذين لا يعرفون رحمة حتى مع المجانين، أم يسر ويفتخر بهذا الجار الكريم الذي في ظاهره مجنون مهبول ، وهو في حقيقته عاقل غيور كريم.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...