مئة يوم بالتمام والكمال مرّت على فض اعتصامي رابعة والنهضة، في مذبحة هي الأكبر من نوعها في القرن الحادي والعشرين، ومن أكبر مذابح العصر الحديث عمومًا، والتي راح ضحيتها أكثر من 5000 شهيد في نصف يوم فقط!
وإذا كانت مفوضيات حقوق الإنسان تعرف المذبحة بأنها "قتل وتصفية 5 أشخاص أو أكثر في مكان محدد وعملية محددة لأفراد غير قادرين عن الدفاع عن أنفسهم"، عرفت إلى أي مدى تبلغ وحشية مذبحة فض اعتصامي رابعة والنهضة في مصر.
مئة يوم مرت على فض الاعتصام ولا تزال المقاومة مستمرة، ولا يزال الدفاع عن الثورة المصرية ومطالبها قائمًا، ولا يزال الثوار يخرجون كل يوم مطالبين بالعيش والحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية.. لم يتسرب اليأس مطلقًا إلى قلوبهم، بل كان الصبر منهجًا، والتضحية معلمًا، والثبات ديدنًا، وهي القيم الجديدة التي حلت مكان السلبية والخوف والانهزامية التي وُصم بها الشعب المصري حينًا من الدهر.
يا أمتي وأقول اليــوم فـي ثقـة *** إني اليقينُ فلا شيءٌ يزعزعني
إني العقيدة والإقــدام فيصلهــا *** وليس غيرُ نداء الله يسـحرني
فالليل يعقـبه فجــر ومئذنــةٌ *** والله أكبـر نبراسٌ على الزمـن
الهول في خطوي والنور في دربي *** وأظل أسمع صوتَ الحق في أذني
لقد سطر شهداء رابعة والنهضة ملحمة تاريخية خالدة، وقدموا أرواحهم فداء لدينهم وكرامتهم ووطنهم، رضوا أن يبيتوا في العراء أكثر من خمسين يومًا، بعيدًا عن أهليهم وذويهم من أجل وطنهم وحريتهم وكرامتهم، تحملوا الكثير من سفاهات الإعلام، وتهديدات الداخلية، واعتداءات البلطجية، قدموا – قبل الفض - مئات الشهداء في الحرس الجمهوري والمنصة ومنطقة بين السرايات وميدان الجيزة، فما فت ذلك في عضدهم، ولا أوهن من عزمهم، بل مضوا غير هيابين في سبيل استرداد كرامتهم وحريتهم، وتحقيق آمالهم وطموحاتهم.
لقد تمنى هؤلاء الشهادة فنالوها، كما تمناها النبي (صلى الله عليه وسلم): "والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل اللَّه فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل" (رَوَاهُ مُسلِمٌ).
ولما كانوا صادقين في طلبهم، وقدموا الدليل على ذلك، صدقهم الله وعده: "مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً" (الأحزاب: 23).
يشهد لهم ميدان رابعة وترابها، وميدان النهضة ونسيمها، يشهد لهم الليل الذي كابدوه قيامًا، والنهار الذي قطعوه صيامًا، تشهد لهم طرقات القاهرة والجيزة وأحياؤها، يشهد لهم الناس الذين خالطوهم، والأحباب الذين فارقوهم، تشهد لهم المصاحف التي حملوها وقرأوها، والسنة التي طالعوها وطبقوها، تشهد لهم دماثة أخلاقهم، وبشاشة وجوههم، وحسن سيرتهم، بل تشهد لهم الملائكة الذين أحصوا أعمالهم، وسجلوا أقوالهم، ومن قبل كل هؤلاء يشهد لهم ربك الذي اختارهم شهداء.
ماض وأعرف ما دربي وما هدفي *** والموت يرقص لي في كل منعطف
وما أبالـي به حتـى أحــاذره *** فخشية الموت عندي أبرد الطرف
مئة يوم مرت حتى الآن وهم يرتعون في جنات ونهر، وفاكهة وثمر، ولم لا والنصوص جاءت لتخبر أن الشهداء من خير الناس منزلاً، تجري عليهم أعمالهم حتى يُبعثوا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، يحلّون من حلية الإيمان، وهم من أُمناء الله في خلقه.
أرواحهم سبقت أجسادهم في جوف طير خضر تسرح بهم في الجنة، يأوي الواحد منهم إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، يأمن من الصعقة والفزع الأكبر، يشفع في سبعين من أقاربه، يزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، يلبس تاجًا، يُكلمه الله دون حجاب، يسكن الفردوس الأعلى.
وجنات عدن زخرفت ثم أزلفت * * * لقوم على التقوى دوامًا تبتلوا
بها كل ما تهوى النفوس وتشتهي * * * وقرة عين ليـس عنها تحول
بل إنهم بثباتهم واستبسالهم نرجو أن يكونوا من خير الشهداء الذين يضحك لهم ربهم: "أَفْضلُ الشُّهَدَاء الَّذِينَ إِنْ يَلْقَوْا في الصَّفِ لا يَلْفِتُونَ وجوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ في الْغُرَفِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ في الدُّنْيَا، فَلا حِسَابَ عَلَيْه" (رواه أحمد)
والواجب اليوم على الثوار أن يواصلوا المسيرة، وأن يظلوا على العهد ثابتين، مهما كثر الباطل من حولهم، ولسانهم يردد: "إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبق إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل".
كما من واجبهم أن يكونوا من أصحاب اليقين الراسخ، وألا يجزعوا لأي مصيبة تحل بهم؛ لأن الله وعد أنه سيعوضهم وسيخلفهم خيراً على صبرهم، وليوقنوا أن الروح الواثقة المتيقنة في ذاتها وهدفها ومسارها ومسيرها ومستقبلها هي الأقرب إلى الظفر والأحق به.
رحم الله شهداء رابعة والنهضة وكل شهداء مصر الذين ضحوا بأنفسهم وجادوا بها فداء لدينهم ووطنهم وكرامتهم وحريتهم:
يجود بالنفس إذ ضنَّ البخيل بها *** والجود بالنفس أقصى غاية الجود
ـــــــــــــــ
كاتب صحفي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


