يا للعجب من حضارة ضارة!! إنها حضارة الدم وحصادها

يا للعجب من حضارة ضارة!! إنها حضارة الدم وحصادها

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٣ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ١٤ كانون الثاني ٢٠١٣
1275

الهيئة العامة للعلماء المسلمين في سوريا:

==============================


بقلم الشيخ الدكتور محمد محمود كالو عضو الهيئة العامة للعلماء المسلمين في سوريا:



إن الله سبحانه وتعالى يملي للظالمين، ويبتلي بهم المظلومين، حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، وهو سريع العقاب، عزيز ذو انتقام، عذابه أليم، وبطشه شديد، لا يغتر بحلمه إلا مغرور، ولا يركن لغيره إلا مخذول، ولا يؤجر على ابتلائه إلا صبور.

وما أعظم القرآن وهو يحدثنا عن النفس البشرية، ويخبرنا أنها مملوءة بالظلم، متخلقة بالجهل إذا لم يسعفها الإيمان والخوف من الله تعالى، فكم هي المذابح والإبادات البشرية التي ارتكبت بيد الإنسان؛ لإشباع غريزة الشر والطغيان؟!

لقد بدأ القتل في البشر فردياً، كما في قصة ابنيْ آدم في تسجيل أول حادثة قتل في البشر، وذُكرت هذه الحادثة في القرآن لأهميتها من جهة تعظيم الدم الحرام، قال الله تعالى على لسان ابن آدم: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ ﴾ [المائدة:28]

وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ" متفق عليه.

ثم توسع القتل في البشر وانتقل من الحالة الفردية إلى قتل عدد من الناس، واشتُهر في التاريخ البشري حروب القبائل والدول، فالحربان العالميتان اللتان حصدتا ملايين البشر.

ثم خطا الإنسان خطوات هائلة في توسيع القتل، فكانت أسلحة الدمار الشامل، وكانت الحروب الكيماوية والبيلوجية والجرثومية والنووية التي تفتك بالألوف من البشر في لحظة واحدة، وتأتي على البقية منهم بعاهات وتشوهات وأمراض مزمنة، كما تفسد إشعاعاتها الأرض التي ألقيت فيها أزمنة مديدة.

وما الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والمقابر الجماعية، إلا أسلحة معنوية تذكر في أروقة السياسة، يلوح بها القاتل القوي لمن أراد الخروج عن طاعته، إنها مصطلحات تشي بما تحتها من كمية الدماء المسفوكة، فيا للعجب العجاب من هذه الحضارة الضارة !! 

إنها حضارة الدم ولو ناطح بنيانها السحاب، وحضارة قتل الإنسان ولو أنشأت جمعيات الرفق بالحيوان، وحضارة الجهل والشقاء الإنساني ولو شقوا بمركباتهم الفضاء الخارجي، وحضارة التعذيب والقهر والظلم ولو ظهر ربانها بألبستهم الأنيقة وابتساماتهم العريضة أمام الشاشات؛ فهم قتلة البشر، ومصاصو دمائه، وأكلة قوته.

وما قُتل من البشر حين ساد ملاحدة الغرب العالم خلال مئة عام الأخيرة، يزيد على ما قتل من البشر منذ فجر التاريخ إلى ما قبل مئة سنة، وأثناء استعمار الأوربيين لما سمي بالعالم الجديد أبادوا الهنود الحمر حتى قتلوا زهاء مائتَيْ مليون منهم، وأهدوا الهنود الحمر بطانيات مليئة بفيروس ليبيدوا البقية منهم، فانتشر المرض فيهم حتى فتك بهم.
لقد أضحت الإبادة الجماعية سمة هذا العصر المشؤوم، بل أصبحوا يؤرخون بالمذابح والمجازر فيقال: قبل مذبحة صبرا وشاتيلا، وبعد إبادة قانا، وما بين مجزرتَيْ حماة وتدمر.

فما أعظم ظلم البشر!! 
واليوم المجازر يومية في سوريا، والمجتمع الدولي يتخاذل بل يكافئ القتلة بإعطائهم الفرصة تلو الأخرى لقتل الناس، وامتصاص غضب الشعوب المطالبة بأبسط بحقوقها وذلك بالمبادرات الباردة التي تطيل مدة المحرقة، ولن تتدخل إلا لقطف ثمرة النصر.

وما مخيم الموت ( مخيم الزعتري ) وغيره إلا تخطيط مبرمج، فكل الناس يعرف الأمطار قبل قدومها، والثلوج قبل هطولها، ولكن ذلك درس للشعوب، أي أيها الشعوب: إياكم أن تفكروا بالحرية والكرامة !! وانعموا تحت نير العبودية والاستبداد والطغيان.

ورغم كل هذه المذابح والمجازر التي نقل بعضها للناس عبر الشاشات، وهي مجازر يشيب من هولها الولدان؛ فإن القوى الظالمة المستكبرة لم تدرج النظام المجرم في قوائم الإرهاب التي جعلتها سوطاً على المقاومين للظلم والطغيان، بل أدرجت في قائمتها الانتقائية بعض من سعوا لرفع الظلم عن أهلنا في الشام.

إنهم يسعرون الحروب لمصالحهم، ويزيدون رفاهيتهم بعذاب غيرهم، ويقتاتون على دماء ضحاياهم، قال الله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) [المائدة:32]

اللهم احفظ أهلنا في سوريا، وأفرغ عليهم صبراً، وثبِّت أقدامهم، واحفظ أعراضهم، واحقن دماءهم، وتقبَّل قتلاهم في الشهداء، وانصرهم نصراً مؤزراً يا رب العالمين.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...