الدكتور عثمان قدري مكانسي
إني ليعجبني الرجل إذا سيم خسفاً أن يقول بملء فيه : لا ..
جملة رائعة تدل على أن قائلها حر كريم ، لا يرضى الذل ، ولا يقبله ، فقدخُلق حراً ، وينبغي أن يعيش حراً . وعلى هذا ربى الإسلام المسلمين . هذا ما قالهالفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه لقد كان هذا القائد الفذ يقول للمسلمين : إذارأيتم فيّ اعوجاجاً فقوّموه ، ومَن في القادة هذه الأيام من يقول لمرؤوسيه ما قالهأمير المؤمنين عمر ؟! بل من يرضى منهم أن يتقبل نصيحة ؟، وهم الذين يرون أنفسهم فوقالنصح وأكبر من الصواب ، بل إن الصواب بعينه يستمطر الكمال منهم ! وما يقولونه أويفعلونه الحكمة نفسها والسداد عينه ! .
إن عمر حين طلب النصيحة وتقويم الاعوجاجكان يريد للأمة العزة والكرامة ، فما من قائد مهما أوتي الحكمة وفصل الخطاب أن يكونمعصوماً عن الخطأ ، والقائد الفذ من يستشير أولي الألباب وأصحاب الخبرة ، ثم يعملويطلب إلى الناس جميعاً أن يقوّموا عمله ، ويقيّموا صنيعه ، فالإنسان قوي بغيره ،ضعيف بنفسه ، وقديماً قال الحسن البصري رحمه الله تعالى :
الرجال ثلاثة : فرجلرجل ، ورجل نصف رجل ، ورجل لا رجل .
قيل : كيف ذلك يا إمام ؟ قال:
1- الذكيالفطن الذي يستشير الناس فيضيف ما يسمع منهم إلى ذكائه وفطنته هو الرجل الرجل .
2- والذكي الفطن الذي لا يستشير أحداً ويعتمد على فهمه وذكائه نصف رجل .
3- والغبي الذي لا يسعفه فهمه ولا عقله ، ويأبى استشارة الخبراء وأصحاب الرأي هو الرجلاللا رجل .
فمن أي صنف يا ترى من يسوم أمته الخسف ، وينكل بالأحرار ، ويقتلالكلمة المضيئة ، ويعتقل الفكرة النيّرة ، ولا يرى سوى نفسه ، ويفعل ما يشاء ،وشعاره " أنا ربكم الأعلى " وطريقته في الحكم " ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكمإلا سبيل الرشاد " ؟!
يقوم أحد الحاضرين فيجيب أمير المؤمنين : لو رأينا فيكاعوجاجاً قوّمناه بحد سيوفنا . .. نعم يقولها دون خوف ولا وجل ، فهو يمارس حقه فيالحياة ، وله أن يحاسب الرئيس والمسؤول لأن مهمة هذا الأخير خدمته والعمل لإسعاده ،فإن وفىّ بذلك حقت له الطاعة ، وإن تهاون في مهمته خُلع وحوسب .. يقول كلمته هذهمعتقداً تمام الاعتقاد أنه يمارس حقه القديم الذي كفلته له الشرائع الإلهيةوالقوانين الإنسانية ، ومن كان كذلك لا يخشى لومة لائم ، ولا يخاف الخسف والهوان . وهكذا يجب أن يكون الإنسان السويّ والمواطن الحر ، لكنّ الحاكم في بلادنا صادرَ هذاالحق ، وجعل من نفسه الوصيّ على الأمة والقيّم على أفكارهم وآرائهم ، فلا يحقللمواطن السوري سوى الرضا بما قدّر له الحاكم الفرد .
أين الرجال الذين قالواللمتألهين في أمتنا كلمة الحق ؟ مئات الآلاف منهم قتلوا ، واعتقل أضعافهم عقوداًيأكلون العذاب والهوان ، ويشربون الذل والاستعباد ، وهرب عشرات الآلاف بل مئاتالآلاف من جحيم العبودية إلى أرض الله الواسعة . وحكم بالموت على كل الشرفاءالمعتقلين والهاربين ، فالظالم لا يستطيع أن يرى ويسمع إلا التسبيح بحمده والتقديسله .
ماذا قال الفاروق رضي الله عنه حين سمع مقولة ذلك الأعرابي في المسجد يردعليه ؟ طبعاً لم يعتقله ، ولم يعذبه في أتون سجن تدمر وغيرها ، ولا مجاهل الأقبيةالمنبثة في الوطن الأسير التي جُنّد لها وحوش آدمية تشرب الدماء ، وتدق العظام ،وتنهش اللحوم ، وتتعطش للقتل والتعذيب ، ولا تستسيغ الحياة إلا على الظلم وفيالظلام . بل قال : الحمد لله أن في أمة محمد عليه الصلاة والسلام من يقوّم عمر بحدالسيف . .. هكذاالحاكم العادل . وهكذا القائد الملهم .نعم هكذا القائد الملهم .
فهل في بلادنا حكّام ؟! أو على صدور أمتنا يجثم الذئاب والغيلان؟!
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


