هذه هي الآية السابعة بعد المائة من سورة الأنبياء المكية، ونرى الله سبحانه وتعالى يخاطب فيها رسوله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم قائلا: وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام والآداب لعلة من العلل، إلا لنرحم العالمين بإرسالك. والمراد بالعالمين: الإنس والجن الذين أرسل إليهم إرسال تكليف، والملائكة الذين أرسل إليهم إرسال تشريف؛ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
والرحمة بالنسبة للإنس والجن هي: الشرائع والقوانين والحكم والأمثال والآداب التي تسعد البشرية جمعاء، وتنقذها من جميع مظاهر التخلف، وتكسبها الخلود في جنة عرضها السماوات والأرض، وكذا جميع المزايا التي أدركتها الأمة المحمدية بسببه صلى الله عليه وسلم، لكونها خير أمة أخرجت للناس، وأمة وسطا، وأول من يدخل إلى الجنة.
والرحمة بالنسبة للكفار: أمنهم في الدنيا ببعثة من الخسف والمسخ، والقذف والاستئصال، بمقتدى قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}.
وعليه؛ فقد بعث صلى الله عليه وسلم لكل فرد من العالمين – ملائكتهم وإنسهم وجنهم – ولا فرق بين المؤمن والكافر. والرحمة متفاوتة كما قال الإمام محمود الألوسي – رحمه الله – في تفسيره المسمى بــ: "روح المعاني"، وأعلن عن اختياره له.
وتفيد الآية عالمية الرسالة المحمدية في جميع الأزمنة والأمكنة، ويشبهها قوله سبحانه وتعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}، وقوله سبحانه: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}. وقوله سبحانه: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين}. .
وعالمية الرسالة المحمدية من الخمس التي خص بها الرسول، وقد قال عليه الصلاة والسلام وهو يعدها: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
والأحاديث في رحمته صلى الله عليه وسلم عديدة، منها الأحاديث التالية: "إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة"، "إنما أنا رحمة مهداة"، "إنما أنا رحمة مهداة بعثت برفع قوم وخفض آخرين"، ومعلوم أنه كان يعتمد القيم الروحية في الخفض والرفع، فكان يرفع المؤمنين المخلصين المثاليين، ويخفض الكافرين والظالمين والمجرمين الذين يقصرون أنظارهم على المادة وحدها، ويلغون كلما يتعلق بالروح.
والرحمة التي يجب أن يتقمصها الدعاة إلى الله من الأمة المحمدية تستلزم الأشياء التالية:
1- النصيحة للخلق بدعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتحذيرهم من كل أذى يعترض طريقهم، ودلالتهم على الطريقة المثلى التي تجلب لهم رضى الله، وتنجيهم من عذابه في الآخرة، ووضع التخطيطات التي تمكنهم من السعادة دينا ودنيا، وبرزخا وآخرة.
2- رحمة العاصي من الخلق، وصرفه عن طريق الغفلة بالتي هي أحسن.
3- النظر إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الإيذاء.
4- سد فاقة المحتاج بقدر الطاقة.
5- تعهد الفقراء في وطنه، والعمل على دفع فقرهم، إما بماله أو بجاهه أو بالسعي في حقه بالشفاعة...إلى غير ذلك.
وقد نص على جل ما ذكرت: الغزالي حجة الإسلام – رحمه الله – في "المقصد الأسنى"؛ وهو من رجال القرن السادس الهجري، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء كما قال صلى الله عليه وسلم.
والآن ونحن في ذكرى المولد النبوي الثانية والخمسين بعد أربعمائة وألف؛ يجب أن نستفيد من هذه الرحمة التي تتجدد كل عام في إصلاح أخطائنا الكثيرة، وبناء مستقبلنا على أسس ثابتة.
إن ذكرى المولد النبوي تفرض علينا:
أولا: أن نجدد إيماننا بالله وبرسوله تجديدا بعيدا عن الانحراف، هذا الإيمان الذي تعاون على محاولة نزعه منا: الجهل ثم الاستعمار.
ثانيا: أن ندرس الإسلام كما ينبغي، من مصدريه الأصليين: الكتاب والسنة، مع الاسترشاد بتفاسير وشروح الأئمة الهادين المهديين والعلماء العاملين الذين رزقهم الله الاطلاع على أسرارهما وتقديمهما للناس، ونضع مدونات للأحوال المدنية والجنائية والعسكرية مستمدة من الإسلام، والحكم بها عوضا عن القانون الأجنبي، ونضع برامج تعليمية تخرج لنا المواطن الكامل الصالح للدين والدنيا، والمحافظ على الوجود الإسلامي بوطنه.
ثالثا: أن نلتزم بالسلوك الإسلامي في المنزل والشارع والإدارة والعمل والمصنع والمتجر، لنعطي المثالية لجميع الناس، سواء منهم المواطنون أو الأجانب، ويعلم الجميع أن الإسلام اختصاصي في صنع الرجال.
رابعا: أن نتسلح بسلاح الصبر لخوض معركة كبرى نشرح أثناءها للناس – وخصوصا منهم المسلمين – المفاهيم الإسلامية الصحيحة، والحلول الكفيلة بحل مشاكلهم العصرية، وندفعهم للتشبث بأذيال الإسلام، والعض بالنواجذ على تعاليمه السمحة، ونحارب رواسب الاستعمار التي لازالت عميقة الجذور فينا، وتزداد يوما عن يوم، ونبعد عنا أشباح الكفر والجهل والفقر والمسخ التي خيمت في مجتمعنا الإسلامي طوال عصور الانحطاط وأثناء الاستعمار.
خامسا: أن نسعى في جمع شمل الأمة الإسلامية، ونقنعها بضرورة السعي في وحدتها وتمسكها بها، مسايرتها للتقدم العلمي الذي أحرزت عليه الدول الكبرى، واستغنائها بتراثها المادي والروحي عن استجداء الأجانب ماديا وروحيا، والسقوط في كمائنهم، سواء منها كمائن المعسكر الرأسمالي الذي جعل طابعه الأساسي هو الفردية في السلوك بجميع ما في مقومات الفرد من خصائص، أو كمائن المعسكر الشيوعي الذي جعل طابعه الأساسي هو الجماعة وطمس معالم الفردية.
سادسا: أن نعتني بدراسة الاقتصاد الإسلامي، ونستمد قوانيننا منه، ونطبقها بدقة ومرونة، لأنه اقتصاد لا يمت بصلة إلى التنافس والسيطرة والاستغلال، جامع لأحسن ما النظامين الرأسمالي والشيوعي، ونابذ لكل مبدأ وهدف ليس بحق، فهو مذهب وسط: {صنع الله الذي أتقن كل شيء}. والذي يستحيل عليه الخطأ عقلا وشرعا ونقلا، وبذلك نحل جميع المشاكل التي يتخبط فيها المسئولون في البلاد الإسلامية، ونضع تخطيطا إسلاميا عالميا في ميدان الاقتصاد، ونعطي الدليل على أننا لا نغتر بالشعارات البراقة والعناوين الخداعة التي وضعها المشركون والملاحدة لقوانين وأنظمة يحيط بها الخطأ من الجهات الست وستموت بموت أصحابها كما مات غيرها من الملل والنحل والنزعات التي شاهدتها الدنيا طوال حياتها: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.
وكل من يعترض سبيل الإسلام لا بد أن ينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة {ولن تجد لسنة الله تبديلا}.
سابعا: أن نلتزم في سلوكنا الاجتماعي بالتعاليم الإسلامية كي ننجو من الأخطار المحدقة بنا، التي نسقط في هوتها العميقة يوما بعد يوم، ونعد ذلك رقيا.
ثامنا: أن نخضع للإجماع المصرح بأنه: لا يحل لامريء مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وبذلك وحده ننجو من مكر الله القائل: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}. والقائل: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده نندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}. صدق الله العظيم.
وما القيام بهاته الفرائض بعزيز علينا إذا خلصت نياتنا وتحررت عقولنا من الاستعمار الفكري.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


