وقفة مع ما تحتاجه ساحتنا اليوم من السيرة النبوية

وقفة مع ما تحتاجه ساحتنا اليوم من السيرة النبوية

التصنيف: عبق من السيرة
الجمعة، ٩ شعبان ١٤٤٦ هـ - ٧ شباط ٢٠٢٥
190

بسم الله والصلاة والسلام على النبيِّ الهادي، وعلى عباده الذين اصطفى، وبعد:
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فكسع (الكسع: ان تضرب بيدك او برجلك عجُز إنسان) رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين: فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى جاهلية؟" قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد الله بن أبيّ. فقال: "فعلوها؟! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذل"! فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه!".


والذي يهمنا من هذا الحدث، أبرز الدروس والعظات المستخلصة، من قول المربي الأول: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه!"، وسألقي الضوء عليها في النقاط التالية:


* المنافقون على المستوى السياسي والقانوني محسوبون على المسلمين، وما دام أيٌّ منهم لم يصِبْ حدَّاً فلا يمكن قتله. كما أنهم من عرب يثرب يرتبطون بعشائرهم برابطة الدم والقرابة، وليس من السهل التخلص منهم بإخراجهم من يثرب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهود، ومن الصعب التخلص منهم بالقتل، وإلا تعرضت المدينة لحربٍ ذاتِ نزعةٍ عصبيةٍ، وتعرَّض النبي صلى الله عليه وسلم، لأن يقال: إنه يقتل أصحابه، وفي ذلك إضعاف لمركز الدعوة الإسلامية بين القبائل لو شنَّ العدو دعاية من هذا النوع، فقد كان المنافقون يظهرون الإسلام، فهم في الظاهر مسلمون ومن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. والموقف الذي وقفه رسول الله يندرج تحت مسمَّى السياسة الشرعية.


* لو وافق رسول الله على قتله، لتحول عبد الله بن أبي، إلى بطل شهيد. وترعد أنوف لقتله. والواقع أنه تحول إلى المهانة والمذلة. وأي خطأ ارتكبه بعد ذلك الموقف، كان قومه هم الذين يعنفونه، ومن هنا قال رسول الله لعمر بن الخطاب: "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلتَ لي، لأرعدتْ له أنوفٌ لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: قد والله علمتُ، لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري".


* قد ينتقد بعض الشباب المتحمِّس وحتى من الكهول أيضاً، القيادةَ التي تمسك بزمام الأمور، موقفاً لها حيال من شذَّ عن الجادة، وفي ذات الوقت هناك من الأعداء من يتربص الدائرة بهذه القيادة، التي تقدِّر الموقف الصحيح من خلال تقييمها للحدث من أكثر من زاوية. وليس من حق المنتقدين أن يفرضوا رأيهم، أو يتهموا القيادة في موقف اتخذته هو من حقها! ويحسن أن لا يغيب عنهم أن القيادة، فيها من أهل المعرفة الحريصين، ما يجعلها على بصيرة من تصرفاتها. والأولى مراعاة بعض الظروف والاعتبارات السياسية المحيطة بها، والتي تجعلها تتوقف في تنفيذ بعض الإجراءات المسلكية التي يراها الآخرون.


* ظاهر الأمر أن رأس المنافقين " عبد الله بن أبيَّ بن سلول" من الصفِّ المسلم، فالإقدام على قتله، والمعركة الدعائية على أشدها بين المسلمين والكافرين، تجعل للكفار سبيلاً كبيراً للتشهير بالمسلمين والنيل منهم وتشويه سمعتهم لدى الآخرين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين رفض قتله، لم يكن بسبب خوف من تصدع الصف الداخلي عنده، ولم يكن خوفاً من تأثيره في داخل صفه، إنما كان فقط موقفاً سياسياً، حتى لا يعطي العدو فرصة للتشهير بالصفِّ الإسلامي أمام المحايدين.


* فقدان "عبد الله بن أبي" الملكَ، هو الذي جعله في موقع الحرب ضدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، برغم ما رأى من الآيات البينات على صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا المرض الرهيب، مرض حبِّ الزعامة والتنافس على السلطة، هو من أخطر الأمراض داخل المجتمع المسلم! ومن هنا نلحظ خطورة التشكيك بالقيادة لموقف رأته صائباً، لأن التشكيك والتخوين يخدم الأعداء لا محالة.


* يشير قوله صلى الله عليه وسلم، إلى العمل بألوان من الفقه، من مثل فقه الأولويات وفقه المآلات، وفقه الاختلاف. قال الشاطبيُّ رحمه الله: "النظر في مآلات الأفعال معتبَرٌ مقصودٌ شرعاً، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفةً. وذلك أنَّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلَّفين بالإقدام أو بالإحجام، إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحةٍ فيه تُستجلَب، أو لمفسدةٍ تُدرأ، ولكن له مآلٌ على خلاف ما قصد فيه. وقد يكون غير مشروعٍ لمفسدةٍ تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآلٌ على خلاف ذلك". والقائمون على السياسة الشرعية، يقومون مقام أهل الاجتهاد في إطار تحقيق المصالح ودرء المفاسد. سدَّد الله خطى الجميع، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.


بقلم: موفق شيخ إبراهيم

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

صفحة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة خوَّات بن جبير مع النبي صلى الله عليه وسلم 
الأربعاء، ١٥ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٢ أيلول ٢٠٢١صفحة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة خوَّات بن جبير مع النبي صلى الله عليه وسلم 
روى الطبراني عن خوَّات بن جبير رضي الله عنه قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَر...
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في  جوامع حلب - دروس السيرة النبوية
الأربعاء، ١٥ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٢ أيلول ٢٠٢١الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في جوامع حلب - دروس السيرة النبوية
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في جوامع حلب لا زالت حفلات المولد النبوي، والاجتماع على در...
ولد الهدى فالكائنات ضياء - ميلاد أحمد
الأربعاء، ١٥ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٢ أيلول ٢٠٢١ولد الهدى فالكائنات ضياء - ميلاد أحمد
  من ذكريات شهر ربيع الأول بقلم الدكتور : منير الغضبان عضو رابطة العلماء السوريين &nb...