وصحاب في جدال

وصحاب في جدال

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٩ شعبان ١٤٣٤ هـ - ١٧ حزيران ٢٠١٣
819


عبد العظيم عرنوس
 
في أوقات الأزمات والشدائد واستحكام الدسائس والمؤامرات، والخطر الداهم المحيط بالأمة من كل جانب، وطعن الأمة بالخنجر المسموم في جسدها، فإنه من المفروض الحفاظ على كل دقيقة تُستغل للصالح العام، ونبذ كل الخلافات وراءنا ظهريا، والبعد كل البعد عن كل ما يؤدي اختلاف القلوب وتنافرها، ورأب الصدوع، والقرب كل القرب صوب كل ما يؤلف بين أبناء الجسد الواحد ليكوّنوا قلباً واحداً؛ علد حد تعبير الشاعر عمر بهاء الدين الأميري:
 
فلا بـد من رأب كل الصدوع        وجـمـع الـصفـوف ودرء العـلل
ولا بـد مـن قـصـد ذات الإلـه        وحشــد القـوى ليصـح الـعـمــل
 
ولعل أكبر بلاء وقعنا فيه من حيث ندري أو لا ندري هو الجدال، ذاك الخلق الذميم الذي تتولد منه الآراء العقيمة التي لا تنتج سوى الفرقة والعذاب والهزيمة.. الجدال الذي هو التعبير عن القوى الوهمية الشيطانية السوداء.. الجدال والمناظرة على سبيل المخاصمة والمغالبة بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب؛ لأن الأصل في الجدال الصدع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصُّلبة.
ونظرة فاحصة إلى واقعنا المعاصر ترينا الآثار السيئة الناتجة عن الجدال التي عبر عن بعضها شاعر الدعوة الإسلامية عمر بهاء الأميري فأصاب كبد الحقيقية:
 
وصحاب في جدال       ومضي غير صائب
يرقبون الدهر أن         يأتي عنهم بالعجائب
فإذا واتتهم الأيام         فالربان سائب
وتضيع الفرصة المثلى    ولا تجدي المنادب
ضل من يأمل أن         يقهر باللغو المصاعب
 
أليس هذا هو حالنا والثورة السورية في خطر داهم، وقد دخلت في الأيام الأخيرة مرحلة جديدة تتطلب الصواب في الخطط التفكير والعمل الدائب.. لا الجدال والمراء وترقب عجائب الدهر، والأماني بقهر المصاعب باللغو الأثيم وفوق كل هذا ربان سفينة الثورة ومعاونوه سائبون في صحراء الجدل والنزاع والمغالبة، وقد ضل قوم هذا شأنهم وديدنهم. والرسول صلى الله عليه وسلم حذر وأنذر من يسلك المسالك المضلة بعد وضوح الطريق، ففيما رواه الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" ثم تلا رسول الله "ما ضربوه لك إلا جدلا". والشر كل الشر في الاشتغال بالمهاترات في أوقات الأزمات، واللهو في زمن تطلب الجد، والبطالة حيث تجب المبادرة والعمل. يقول معروف الكرخي: إذا أراد الله بعبد شراً أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل. هؤلاء المعوجون عن الحق المولعون بالجدال والمناظرات الفارغة هم المبغوضون المكروهون عند الله لأنهم يعرضون الأمة للضياع. روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الرجال عند الله الألد الخصم" والشيطان يفرك يديه فرحاً وغبطة حين يستجيب الجهلة ممن أوتوا حظاً من العلم فتزل أقدامهم بعد ثبوتها في طريق الجدل؛ كما قال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته. وثمرة الجدل المرة التي نجنيها هي: تفشي العداوة، وهيجان الشر، والرجوع بقطاف هزيل لا يكاد ينفع أو يغني من جوع، ولو أنّا كلفنا أنفسنا السؤال عن العلة لوجدنا الإجابة الشافية عند سليمان بن داود عليهما السلام: يا بني؛ إياك والمراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته. ولو عرجنا نحو منعرج اللوى لرأينا الحسن البصري نائياً عن مجالسه أهل الأهواء والجدال حتى لا يسمع هُجراً من القول: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم. حتى إذا طلبنا ناصحاً وجدنا الشافعي خير ناصح
 
وإياك اللجوجَ ومن يرائي ... بأني قد غلبتُ ومن يفاخر
فإن الشر في جنبات هذا ... يمني بالتقاطع والتدابر
 
بل إنه معرض عن هذا الخلق الذميم لأنه مفتاح باب الشر الذي يلج منه الشيطان فيوقع العداوة والبغضاء، فيوصد الباب بوجهه
 
قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف ... وفيه أيضا لصون العرض إصلاح
 
أما التابعي عبدة بن أبي لبابة فيرى بفراسته ونظره الثاقب خسران المجادل المتصف بعيوب أخرى: إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً معجباً برأيه فقد تمت خسارته. ولحرص ابن عباس على تجنب الأذى والهجران يهدينا هذه الهدية: لا تمارِ حليماً ولا سفيهاً، فإن الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك.
والنبي صلى الله عليه وسلم تكفّل للمعرض عن الجدال ببيت في نواحي الجنة وجوانبها من داخلها لا من خارجها، ففي ما رواه أبو داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه
 
وقد رتب عليه الصلاة والسلام هذه الأمور ترتيبا بديعا لأن من خاض غمار الجدال لا بد وأن يقع في الكذب وهو يجادل بالباطل، ثم ينتهي به المطاف إلى سوء الخلق.
 
غير أن الجدال وإن كان أكثره مذموماً فإن منه المحمود وهو أقل القليل، والإمام النووي أماط اللثام عن ذلك فقال: اعلم أن الجدال قد يكون بحق وقد يكون بباطل، قال تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن......" وقال: "ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا" فإن كان الجدال للوقوف على الحق كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحق أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تنزيل النصوص الواردة في إباحته وذمّه.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...