يعتبر القرن الرابع الهجري قرن انتشار نفوذ الباطنيين وتمكنهم في عدد من البلاد الإسلامية لا سيما بغداد مركز الخلافة العباسية، فقد حكم خلاله القرامطةُ هجر "الأحساء والبحرين" وما حولها منذ عام: (286 ه) وحتى إسقاطهم على يد العباسيين عام: (375 ه)، وحكم البويهيون بغداد وفارس وما حولها منذ عام: (334 ه) وحتى إسقاطهم على يد السلاجقة عام (447ه)، وحكم العبيديون بلاد المغرب الإسلامي ومصر منذ عام (298 ه) وحتى إسقاطهم على يد صلاح الدين الأيوبي عام (567 ه).
الباطنية: مصطلح أطلق في التاريخ الإسلامي على عدة فرق تزعم أن للنصوص الدينية باطنًا وظاهرًا، وأن المراد منها هو الباطن الذي لا يفهمه إلا القلة المختارة من الناس، تقليدًا لما عليه المجوسية وبعض الديانات الشرقية الأخرى، وكان من أبرز تلك الفرق عبر التاريخ الإسلامي: الإسماعيلية، والقرامطة، والعبيديون، والنزارية، والنصيرية، وغيرهم.
وقد عاث هؤلاء الباطنيون فسادًا وقتلًا في بلاد المسلمين في الجزيرة العربية، وفي الشام والعراق ومصر وفارس وغيرها من البلاد، وكان من أعظم فسادهم أن أوقع القرامطة بحجاج بيت الله الحرام مذبحة كبيرة عام: (317 ه)، وانتزعوا الحجر الأسود من الكعبة، وأخذوه إلى بلادهم هجر، وظل عندهم قرابة (22) عامًا، وبعد مفاوضات قامت بينهم وبين الخليفة العباسي لإعادته؛ وضعوه في الكوفة فأعاده المسلمون إلى مكانه في الكعبة عام: (339 ه).
ثم أقدم أحد الباطنية من العبيديين في موسم حج عام: (413 ه) على ضرب الحجر الأسود بمطرقة محاولًا انتزاعه، فكسر منه جانبًا، وكان من ورائه حامية من الجند العبيديين يريدون أخذه معهم إلى مصر، ولكن الحجاج حالوا دون ذلك وقتلوه، وبددوا الحامية العبيدية.
هذا بالإضافة إلى اغتيال هؤلاء الباطنيون الكثيرَ من القادة والعلماء، وارتكاب المجازر الكثيرة بحق المسلمين، لا سيما القادمين للحج من طريق العراق، ونشر البدع والخرافات في بلاد المسلمين، في العراق ومصر وغيرها، ولكن إجرامهم ذاك وظلمهم لا يقارن بإجرام النظام النصيري الذي حكم سوريا (54) عامًا أو يزيد.
يعتبر نظام الأسد النصيري الذي حكم سوريا بشكل رسمي منذ عام (1970 م) وحتى عام (2024 م) امتدادًا عقائديًا لهؤلاء الباطنيين، حكم خلال ذلك الأب حافظ الأسد مدة (30) عامًا، ثم ابنه بشار مدة (24) عامًا.
قام نظام الأسد على العقيدة نفسها التي تعامل بها الباطنيون قديمًا مع المسلمين، ولكن هذا النظام الباطني النصيري رغم قصر مدة حكمه مقارنة بالدويلات الباطنية قديمًا، قد أذاق المسلمين في سوريا ولبنان على امتداد (54) عامًا شتى أنواع الظلم والقتل، وعاث في سوريا خرابًا وفسادًا، وطال ظلمه الحجر والبشر.
فقد سلَّم حافظ الأسد الجولان السوري لإسرائيل عام: (1976 م) عندما كان وزيرًا للدفاع، ثم بعد توليه الحكم ارتكب أبشع المجازر بحق السوريين والفلسطينيين في كلٍّ من سوريا ولبنان، وكان من أعظم تلك المجازر: مذبحة حماة عام: (1982 م) التي راح ضحيتها أكثر من (40) ألفًا من أهلها، وبعد أن تولى ابنه بشار الأسد حكم سوريا فتح أبوابها لإيران على مصراعيها لنشر التشيع فيها، إضافة لسرقة هذا النظام ثروات البلاد، وتبديد خيراتها، واعتقال صفوة أهلها، وقتل مئات الآلاف منهم تحت التعذيب، وتهجير من لم يقدر عليه منهم، ولم يترك هذا النظام سوريا ويرحل عنها إلا بعد أن ترك البلد دمارًا وخرابًا.
ويكفي دلالةً على تفوق ذلك النظام النصيري في الإجرام على أسلافه الباطنيين؛ ما شاهده العالم بعد إسقاطه من أهوال السجون التي كان يقبع بها آلاف المعتقلين من الأطفال والنساء والرجال، كسجن صيدنايا، وسجن المزة العسكري، وسجن تدمر، وسجن حلب المركزي، وسجن السويداء، وغيرها الكثير من السجون التي وجد بداخلها معتقلين منذ (50 عامًا)!
سقط النظام النصيري في سوريا في: 8/12/2024م، بعد اندلاع ثورة شعبية ضده في 18/3/2011م، راح ضحيتها نحو من مليون شخص، واعتُقل خلالها مئات الآلاف من الناس، وهُجّر الملايين منهم إلى أصقاع الدنيا، حتى لم يبقَ بلد في العالم إلا ووصله السوريون الفارون من حكم نظام الأسد، وبسقوطه عمّت الفرحة أحرار العالم كله.
عبد المعين الطلفاح
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


