وحدة الهدف عند تعدد الموضوع

وحدة الهدف عند تعدد الموضوع

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٢٦ ربيع الآخر ١٤٣٨ هـ - ٢٤ كانون الثاني ٢٠١٧
848

 

عندما شارك المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق – وهو أستاذ بالجامعة – في وضع برامج الفلسفة في الأزهر، نصَّ على ضرورة أن يرد أستاذ الفلسفة على ما يتعارض منها مع أصول الإسلام، بمعنى أنه حين يتعرض الأستاذ لدراسة المذهب المادي الذي ينكر وجود الإله، ووجود النبوة والأنبياء، يجب أن يقف من هذا المذهب موقف الناقد الفاحص، ليكشف عن زيفه وبطلانه.

أما المذاهب التي لا تتعرض لأصول الإسلام فلا بأس على الأستاذ وطلبته أن يروا ما ترى هذه المذاهب، أو يروا غير ما ترى.

والسبب الذي دعا المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى ذلك هو أن للأزهر هدفاً معيناً ورسالة محددة، هي التعريف بأصول الإسلام، والدفاع عنها، وتمشياً مع هذا الهدف وتلك الرسالة، كان – وما يزال – من الضروري أن يناقش كل ما يدرس في الأزهر من موضوعات تتعارض مع أصول الإسلام ومبادئه مناقشة تكشف عن زيفه وبطلانه، وعلى هذا الأساس فسح الأزهر في صدره لدراسة العلوم غير الدينية، في الحدود التي تتَّسع لها طاقة الطلاب، من غير أن تضار العلوم الدينية التي هي أساس الدراسة في الأزهر، ولم ينس الأزهر قط ضرورة أن يرفرف على موضوعات الدراسة فيه، رغم تنوعها وتعددها، عَلَم الإسلام وراية الشريعة، فإنْ شذَّ من بين هذه العلوم رأي، أو جمح قول، تعقبته الدراسة الفاحصة حتى ترغمه على أن يذعن ويسالم، ولم يك منتظراً من الأزهر ولا من رجاله، ولا معقولاً منهم، أن يفعلوا غير ذلك، فإنه لو درس الأزهر إلى جانب علوم الدين، علوم الفلسفة وما إليها بما تحتويه من أفكار معادية للدين، من غير أن يردَّ عليها ويظهر بطلانها، لم يكن معقل الدين ولا حصن الشريعة، ولم تصبح له رسالة محددة ولا هدف معين!! وما دام للأزهر هدف معين ورسالة محددة هي شرح مبادئ الإسلام وتأييدها، كان من الضروري أن يسهر على رعاية هدفه وصيانة رسالته، بالرد على ما يخالفها فيما يدرسه من موضوعات العلوم المختلفة، ما دام يفسح في صدره لدراستها، تثقيفاً لرجل الدين بعلوم العصر. والأزهر إذ يفعل ذلك لا يخالف طبائع الأمور ولا مألوف العادات، فالمذاهب المادية تحرص ويحرص القائمون على دراستها على أن يهدموا كل ما يخالفها فيما يعرضون له في دراستهم من موضوعات، فهم يعمدون للأديان التي يطلقون عليها اسم (الميتافيزيقا) ينقدونها نقداً ينتهي بهم إلى اعتبارها خرافة! وما كتاب (خرافة الميتافيزيقا) عنا ببعيد، وصاحب هذا الكتاب ساهر على رعاية هدفه، وتأييد رسالته في كل ما يكتب وفي كل ما يؤلف، فهو مثلاً يقول في مقدمة كتاب له في المنطق: [ولما كان المذهب الوضعي بصفة عامة – والوضعي المنطقي الجديد بصفة خاصة – هو أقرب المذاهب الفكرية مسايرةً للروح العلمي، كما يفهمه العلماء الذين يخلقون لنا أسباب الحضارة في معاملتهم، فقد أخذت به أخذ الواثق بصدق دعواه، وطفقت أنظر بمنظاره إلى شتّى الدراسات فأمحو منها – لنفسي – ما تقتضي مبادئ المذهب أن أمحوه.

وكالهرة التي أكلت بنيها، جعلتُ الميتافيزيقا أول صيدي، جعلتها أول ما أنظر إليه بمنظار الوضعية المنطقية، لأجدها كلاماً فارغاً لا يرتفع إلى أن يكون كذباً، لأن ما يوصف بالكذب كلام يتصوره العقل، ولكن تدحضه التجربة، أما هذه فكلامها كله من قبيل قولنا: إن المزاحلة مرتها خمالة أشكار – رموز سوداء تملأ الصفحات بغير مدلول – وإنما يحتاج الأمر إلى تحليل منطقي، ليكشف عن هذه الحقيقة فيها.

ولقد أعددت نفسي للقيام بشيء من هذا التحليل، موقناً بأني إذا ما هدمت ركناً من أركان هذا البناء المتداعي، وأقمت مكانه في عقول شبابنا دعامة من دعائم التفكير العلمي الوضعي، فقد بذلت ما أستطيع بذله من توجيه الفكر توجيهاً منتجاً]

هذا ما يقوله ذلك الكاتب في مقدمة كتاب له في المنطق، ليؤيد ما قاله في كتاب (خرافة الميتافيزيقا) رعاية لمبدأ وحدة الهدف، الذي ينبغي أن يكون مشتركاً بين العلوم المختلفة.

ولا أقف مع هذا الكاتب هنا، لأردَّ عليه شكلاً فيما بين كلماته من تعارض، فإن قوله: [موقناً بأني إذا ما هدمت ركناً من أركان هذا البناء المتداعي، وأقمت مكانه في عقول شبابنا دعامة من دعائم التفكير العلمي الوضعي] يفيد أنه يحاول جاداً وجاهداً أن يحشو أذهان شبابنا بفكرته المادية، وقوله قبل ذلك: [فقد أخذت به أخذ الواثق بصدق دعواه، وطفقت أنظر بمنظاره إلى شتّى الدراسات، فأمحو منها – لنفسي – ما تقتضيني مبادئ المذهب أن أمحوه ] يفيد أن نشاطه المادي قائم في حدود نفسه وبين حنايا صدره فقط.

وأبادر هنا فأطمئنه إلى أنه لم يعد في الأمر ما يدعو إلى التَّقِيَّة، فليقل هو وأمثاله ما يشاؤون في صراحة وعلانية، وإذا لم يستطع الأزهر أن يحمي عقيدَتي الألوهية والنبوة من هذا الخطر الداهم، وأن يقيم عليهما الأدلة البينة التي تملأ النفوس إيماناً والقلوب اطمئناناً، فلن يغني عن ذلك عمل آخر كدراسة القانون الوضعي، واللغات الأجنبية!!

وإنما أقف منه هنا لأبين أن وحدة الهدف التي رعاها في كتاباته، والتي رعاها الشيخ مصطفى عبد الرازق في وضع منهاج الفلسفة في الأزهر، هي ضرورة يخضع لها الدارسون جميعاً، ورغم أنها ضرورة حتمية، فقد فات الأزهر رعايتها في تعديله الأخير للبرامج، فقد قرر دراسة القانون الوضعي في كلية الشريعة دون أن ينص على عزل النصوص التي يخالف فيها هذا القانون شريعة الإسلام، ليخصِّص لها وقتاً في الدراسة، وأستاذاً كفئاً يدرسها دراسة مقارنة، رعايةً لمبدأ وحدة الهدف، إذ لو ترك الطلاب دون القيام بهذه المقارنة، فإنَّ أحداً لا يستطيع أن يتكهَّن بالمصير النفسي والوجداني لهم حيال هذين العلمين حين تتصارع مبادئهما في نفوسهم.

***

تقرير دراسة المذهب الشيعي دراسة مقارنة مع المذهب السني:

كذلك فات الأزهر أن يرعى ما يشبه وحدة الهدف في تقرير دراسةَ المذهب الشيعي دراسة مقارنة مع المذهب السني، فإنَّ المذهب السنِّي ينحدر من أصول، هي: 

القرآن الكريم: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

والسنة: التي قال الله تعالى في صاحبها:[وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى] {النَّجم:3}. وقال:[ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ] {الحشر:7}.

والإجماع المسْتَمَد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).

والقياس: الذي يستند إلى قوله تعالى:[ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ] {الحشر:2}.

فهذه الأصول الأربعة هي في نظر أهل السنة المصادر التي تستمد منها أحكام الشريعة الإسلامية، واستمداد حكم من الأحكام من هذه الأصول، يعطيه صفة الانتساب إلى الله تعالى، بمعنى أن يقال: إنه قضاء الله وتشريعه للناس. وباختلاف الأحكام قرباً وبعداً من هذه الأصول، يختلف حظها في الانتساب إلى الله سبحانه، بمعنى أن الحكم الذي يعتصم بنص قطعي من كتاب الله تعالى، يكون مقطوعاً بأنه حكم الله تعالى للناس في المسألة التي تعرض لها.

أما الحكم الذي يجد من كتاب الله ما يُظن أنه نصٌّ فيه، فيكون مظنوناً فقط أنه حكم الله سبحانه للناس في المسألة التي تعرض لها.

ثم إن المقارنة بين مذهب فقهي شرعي، ومذهب فقهي وضعي، إنما تقوم على أساس من النظر فيما يجلب كلُّ منهما للجماعة من خير، ويدفع عنهما من شر.

أما المقارنة بين مذهب فقهي شرعي، ومذهب فقهي شرعي آخر، فهي تقوم فيما بعد هذا الأساس، على أساس مبلغ الاعتصام بمصادر التشريع، فأيها كان أشد اعتصاماً بها، كان أوثق انتساباً إلى الشرع.

ورعاية هذا الأساس تحتَّم قبل الشروع في المقارنة ضرورة الاتفاق على مصادر التشريع وعلى مبلغها من الاعتبار، ودون الاتفاق على مصادر التشريع التي هي مستمد الأحكام، لا تتأتّى المقارنة، فإنه لو كان هنالك حكم من الأحكام يعتمد على مجرد الصدور عن الإمام المعصوم، لم يكن هذا الحكم حاصلاً في نظر السنِّي على صفة الانتساب إلى الله تعالى، التي تعطيه حق الدخول في مجال المقارنة، لهذا دعوت مخلصاً في مقالي الذي نشر في عدد رجب من مجلة (لواء الإسلام) إلى أن تقوم مراحل العمل على الوجه التالي: 

أولاً: أن يدرس تاريخ التشريع دراسة مستقصية مستوعبة، تتكشَّف من خلالها مصادر التشريع، عند كل فريق، ودرجتها من الاعتبار عنده، ولا بأس أن يتعاون الفريقان في هذه الدراسة.

ثانياً: أن يتزاور علماء الشيعة وعلماء السنة تزاوراً علمياً يتم خلاله التفاهم على ما يدور في نفس كل فريق حيال الآخر. وإذا خلصت النيات، فسوف يمكن إزالة كثير من الخلافات العلمية التي أملاها الخلاف السياسي، ذلك الخلاف الذي مزَّق الأمة الإسلامية قديماً وشتت شملها، وسَرَتْ عدواه إلى الدين فأدخله في النزاع على الرغم منه.

ثالثاً: أن توضع كتب بتعاون الطرفين جميعاً تحمل طابع عصرنا الراهن، وما تمليه ضرورة العودة فيه إلى أمة واحدة تحت راية قوله تعالى:[وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] {الأنفال:46}. بحيث تتناول عرض مصادر التشريع الإسلامي عرضاً يراعى فيه وجه الله تعالى والحق فقط.

وبعد التمهيد بهذه المراحل يجيء دور دراسة المذهب الشيعي والمذهب السني، كل إلى جانب الآخر، لا دراسة مقارنة فحسب، ولكن دراسة موضوعية أيضاً.

أما أن نتجاهل كل هذه المراحل، ونبدأ كما فعلت كلية الشريعة بدراسة المذهب الشيعي – الذي لا يعرف أهل ا لسنة كل مصادره – إلى جانب المذهب السني، دراسة مقارنة، فهذا شبيه عندي بما يقول عنه الناس في بلادنا (دهان على وبر) يعنون أنه علاج للمرض بطريقة لا يبلغ فيها الدواء موطن الداء، وفقنا الله وهدنا إلى سواء السبيل.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: مجلة لواء الإسلام، العدد الأول، السنة الرابعة عشر، رمضان 1379، مارس 1960.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...