أتستحيي منه ملائكة الرحمن؟! سبحان الله! هذا ليس مألوفًا، وقد يبدو غريبًا لدينا!
لكن، لا عجب … فالجزاء من جنس العمل. إنه أحد كرام الصحابة، ومن الأربعة الراشدين، وقد بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. ميزه الله تعالى بخلق كريم بلغ به شأوًا عظيمًا، ألا وهو خلق الحياء. إنه الصحابي الجليل عثمان بن عفان – رضي الله تعالى عنه – الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم شهادة عظيمة: "إن عثمان رجل حيي". رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.
وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". رواه مسلم وأحمد عن عائشة رضي الله عنها.
هذا الحديث الشريف يدل على مكانة عثمان رضي الله عنه عند الله عز وجل؛ لأن الملائكة ما استحيت منه إلا لما بلغ من الطاعة والخشية والحياء ما جعله موضع إجلال حتى من عالم الغيب.
كيف تستحي الملائكة؟
يتساءل الكثيرون مستغربين: كيف تستحي الملائكة من عثمان؟
أقول: إنَّ حياء الملائكة من عثمان رضي الله عنه على النَّحْو الذي يليق بمقامهم كملائكة كرام، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. حياؤهم منه صفةٌ ربانية تحملهم على توقيره ومهابته، لصدق حيائه وطاعته للجليل سبحانه.
وربما يظن البعض أن زيادة الحياء في حياة الرجل مذمومة، فيجيب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الحياء خير كله". كما ورد في الحديث الشريف أن رجلاً يعظ أخاه في الحياء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "الحياء من الإيمان".
الحياء: خلقٌ أصيلٌ في الشرائع
إن خلق الحياء اتفقت عليه جميع الشرائع السماوية. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".
هذا الحديث يحمل تهديدًا ضمنيًا، بمعنى: افعل ما شئت، فإن الله يجزيك عليه.
ويُعرّف الإمام ابن حجر الحياء بقوله:
"هو خلقٌ يَبْعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حقِّ ذي الحق".
وينقسم الحياء إلى قسمين:
حياء نفسي: وهو المخلوق في النفوس جميعها، مثل الحياء من كشف العورة أو الجماع أمام الناس.
حياء إيماني: وهو أن يمتنع المسلم عن المحرمات خشيةً من الله.
الحياء شعبة من الإيمان
قد يُقال: الحياء غريزة، فكيف يُعد شعبةً من الإيمان؟
الإجابة: الحياء قد يكون غريزة، وقد يكون مكتسبًا، ولكن استعمال الحياء وفق الشرع يتطلب نيةً وعلمًا وتربية، ولذلك هو من الإيمان. فالحياء يدفع المرء إلى فعل الطاعة، ويحول بينه وبين المعصية.
أما الحياء الذي يمنع قول الحق أو فعل الخير، فلا يُسمى حياءً شرعيًا، وإنما هو عجزٌ أو خجل في غير محله.
مراتب الحياء
الحياء مراتب ودرجات، يرتقي المرء فيها كلما حمل نفسه على التخلق بها. وأصل الحياء وأساسه هو الحياء من رب العالمين، الحياء الذي يجعل المسلم يستشعر مراقبة الله في كل حين، فيدعوه ذلك إلى الكف عن الذنوب والتقصير، والسعي نحو الطاعات.
حقا إن أحدنا ليستحيي أن يقارن نفسه بأئمة عظماء قد ارتقوا مرتقى صعبا في العلم والخشية، والصبر والمجاهدة التي هي طريق للمشاهدة..
يقول الإمام أبو عمرو بن العلاء:
"ما نحن فيمن مضى إلا كبقل بين أصول نخل طوال".
وكان الإمام عبد الله بن المبارك يقول إذا ذُكر من سلف:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ** ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
والحياء ليس مجرد صفة، بل هو خلقٌ عظيم يضفي على حياة الإنسان نقاءً، وعلى قلبه خشيةً، وعلى عمله بركة. وإذا كان حياء الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه قد بلغ مرتبة جعلت الملائكة تستحي منه، أفلا يجدر بنا أن نقتدي به؟ أن نحمل أنفسنا على هذا الخلق، فنزداد به قربًا من الله، ونرتقي في مدارج الإيمان؟
اللهم ارزقنا الحياء منك، واملأ قلوبنا بخشيتك، ووفقنا لاتباع هدي نبيك صلى الله عليه وسلم
أحمد بلال البيانوني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


