إن كل إصلاح ولو جزئي، وكل عمل طيب ولو في دائرتك الضيقة، وكل نصيحة خالصة يصلح الله بها حال الناس في دينهم أو دنياهم، وكل دفع للخير، وكل قيام بواجباتك فيما أقامك الله فيه = هو من التمسك بالكتاب المأمور به، ومن معاونة الغير على التمسك المأمور به كذلك لأن "يُمَسِّكُونَ" معناها يقومون بواجبهم ويعاونون غيرهم على القيام بالواجب. ولا يكون ذلك إلا بالرحمة والشفقة على خلق الله وبصلة قوية بالله، المشار إليها في قوله (وأقاموا الصلاة).
مع ملاحظة ان الإمساك والتمسيك يكون بالكتاب أي بهديه ونوره ونظامه، لا بشيء آخر ؛ فكل دعوة للتمسك بغير الكتاب وإحلالها محل الكتاب فهي إفساد لا إصلاح، لأن الله تعالى وصف الذي يدعو للتمسك بالكتاب بالمصلح، فغيره مفسد أو في قوة المفسد، والمراد من يدعو لما يناقض الكتاب ويهدم أركانه ويعطل بنيانه يكون مفسدا.
الإصلاح عنوانه الأبرز الدعوة إلى التمسك بالكتاب، ويستعان عليه بالصلاة (واستعينوا بالصبر والصلاة)، أي الصلة القلبية برب الكتاب الذي يتجلى في خضوع الجوارح بإقامة الشعائر والشرائع، والتسليم والاستسلام جزء من الخضوع، وجزء من التمسك بالكتاب، وجزء من الصبر. فالمعاني متداخلة متتابعة تؤدي هدفا واحدا، لكن بعضها شرط، وبعضها سبب، وبعضها معينات ووسائل ..
بالكتاب تتوحد القلوب لتوحد المرجعية، وبالكتاب تعلو المعاني على المادة، والقيم على المصالح، وبالكتاب نجد المشترك الإنساني والتاريخ الواحد، وبالكتاب تتوحد الرؤى والوسائل والأخلاق، وبالكتاب نعرف معيار الجمال والحق والخير والحسن والقبيح .. لتقل فوضى العالم، ووساوس النفوس، ونزغات الشياطين، وتحارب الطوائف، لتعود الإنسانية نفسا واحدة وروحا واحدة (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة).
أي أن أهمية الكتاب في إعادة الأمور سيرتها الأولى، اهميته في أنه يقوم بعملية الشد الدائم للأصل، والأصل أننا أمة واحدة من نفس واحدة .. فالكتاب يوحد، وبغيره تتفشى العنصريات ويتعالى الناس بعضهم على بعض وتجتالهم الشياطين، فيقتل الأخ أخاه .. ليقتل قابيل هابيل.
لذلك فالتمسك بالكتاب تمسك بالحياة، ودعوة الغير للإمساك بالكتاب دعوته لحياة ليست مجرد حياة بل حياة طيبة (فلنحيينه حياة طيبة).
ومن هنا فكل قتل ودمار، وحروب وفوضى إنما تحدث بقدر البعد عن هدي الكتاب، أي أن دعوتنا للإمساك بالكتاب دعوة للسلم العالمي (يا أيها الناس ادخلوا في السلم كافة)، ودعوة للتعايش في ظل قيم حاكمة ومبادئ ربانية واضحة.
الدعوة للكتاب ليست عصبية دينية، بل هي محاربة لكل العصبيات، لأنك إن لم تمسك بالكتاب أو "الحبل المتين" ستغرق في مستنقع العصبيات كما هو مشاهد، وستغرق في الحروب والدمار والفوضى وتضارب المصالح والعبودية لكل شيء سوى الله!
بقلم: أحمد الدمنهوري
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


