{ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } 9 - 10

{ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } 9 - 10

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ - ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٥
320

ثالثا: أثر ابن مسعود رضي الله عنه:
وقد جاء ذلك الأثر في عِدة مصنفات، منها: مسند الدارمي عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لاَ. فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعاً، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفاً أَمْراً أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْراً. قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ. قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِى أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً. فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً. فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً. فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً. قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئاً، انْتِظَارَ رَأْيِكَ. أَوِ: انْتِظَارَ أَمْرِكَ. قَالَ: أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ؟ ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِى فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِو بَابِ ضَلاَلَةٍ. قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ. قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْماً يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ. ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ.
أقول: وهذا الأثر له أثر السحر في قلوب المفتونين بالتبديع والتضليل، مما أذهلهم عن تناوله بمنطق العلم والروية، ولو فعلوا لوجدوا أنه ليس لهم فيه حجة، لا من حيث الرواية ولا من حيث الدراية.
وكم احتجوا به على تبديع وتضليل مجالس الذكر، وتبديع وإنكار استعمال السبحة في عد التسبيح! وليس لهم فيه حجة.
وكم يصدق في هؤلاء قولُ ابن وهب. ت 197 هـ: "الحديث مَضِلّة إلا للفقهاء، ولولا مالكٌ والليث لضللنا". ونسبه غير واحد إلى سفيان بن عيينة. ت 198 هـ
وقد شرح هذه المقالة الشيخ عليش، محمد بن أحمد بن محمد عليش، الفقيه المالكي الأزهري، ت 1299 هـ في كتابه [فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك] المعروف بفتاوى عليش، فقال: "يُرِيدُ أَنَّ غَيْرَهُمْ [يعني غير الفقهاء] قَدْ يَحْمِلُ الشَّيْءَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَهُ تَأْوِيلٌ مِنْ حَدِيثٍ غَيْرِهِ، أَوْ دَلِيلٌ يَخْفَى عَلَيْهِ، أَوْ مَتْرُوكٌ أَوْجَبَ تَرْكَهُ غَيْرُ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَقُومُ بِهِ إلَّا مَنْ اسْتَبْحَرَ وَتَفَقَّهَ. قَالَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى: إنَّمَا فَسَدَتْ الْأَشْيَاءُ حِينَ تُعُدِّيَ بِهَا مَنَازِلُهَا. اهـ

مناقشة أثر ابن مسعود:
وهلم فلننظر في أثر ابن مسعود المذكور، لنرى أنه ليس لهم فيه حجة على منع مجالس الذكر، ولا منع استعمال السبحة، وذلك من حيثيات متعددة.


الحيثية الأولى: من حيث أسانيد روايات هذا الأثر:
فقد ذكر الهيثمي هذا الأثر عن ابن مسعود في (مجمع الزوائد) فقال: وعن أبي البَخْتَريّ قال: بلغ عبدَ الله بن مسعود أن قوما يقعدون بين المغرب والعشاء يقولون: قولوا كذا. قولوا كذا. قال عبد الله: إن فعلوا فآذنوني. فلما جلسوا أتوه فانطلق معهم فجلس وعليه برنس، فأخذوا في تسبيحهم، فحسر عبد الله عن رأسه البرنس وقال: أنا عبد الله بن مسعود. فسكت القوم فقال: لقد جئتم بدعة ظَلما وإلا فضللنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو بن عتبة بن فرقد: أستغفر الله يا ابن مسعود وأتوب إليه. فأمرهم أن يتفرقوا. قال: ورأى ابن مسعود حلقتين في مسجد الكوفة فقام بينهما فقال: أيتكما كانت قبل صاحبتها؟ قالت إحداهما: نحن. فقال للأخرى: قوموا إليها فجعلهم واحدة. اهـ
ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط. وفي بعض طرق الطبراني الصحيحة المختصرة: فجاء عبد الله بن مسعود متقنعاً فقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، إنكم لأهدى من محمد وأصحابه، أو إنكم لمتعلقون بذنَب ضلالة. اهـ
قلت: وعندي نسخة ورقية من سنن الدارمي، مشروحة في عشر مجلدات، شرحها طالب علم معاصر باحث في الحديث، هو الأستاذ السيد نبيل بن هاشم الغمري المكي. وسمى شرحه: "فتح المنان، شرح كتاب الدارمي أبي محمد بن عبد الرحمن"
وقد أطال في شرح الأثر المذكور عند الدارمي، وانتهى إلى أنّ جمْع طرق هذا الأثر يدل على أن ابن مسعود رضي الله عنه لم ينكر على القوم في هذا الأثر أصل الاجتماع للذكر، بل أنكر عليهم أمورًا مصاحبة لذلك الاجتماع هي: القَصص، والمكان الذي اجتمعوا فيه، وعدَّهم للأذكار التي يقولونها، وأهم ذلك وأخطره: ما توسمه ابن مسعود في أولئك المجتمعين من صفات الخوارج الذين تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بخروجهم في الأمة.. ثم قال الشارح: [ثم اعلم أن هذا التوجيه الذي ذكرته لحديث الباب، إنما يتجه إذا صح ذلك عن ابن مسعود، فإن أغلب طرق تلك الروايات - إن لم أقل كلها - معلولة، ففي بعضها انقطاع، وفي بعضها ضعف، وفي ألفاظ البعض الآخر نكارة، حتى حديث الباب زعم بعض المعاصرين أنه على شرط البخاري فوهم وهمًا قبيحا سببه تأييد مذهبه في بدعية السبحة، وقد رأيتَ بنفسك أن فيه راويين ليس لهما في الستة شيء، فتأمل. اهـ انظر كتاب "فتح المنان، شرح كتاب الدارمي أبي محمد بن عبد الرحمن" ج2 ص252
فهذا من حيث سند هذا الأثر.


الحيثية الثانية: من حيث النظر في دلالات روايات الأثر المذكور:
فقد رواه غير واحد من أصحاب المصنفات الحديثية، وفي بعض الروايات ما ينقض استدلالهم به على تبديع حِلَق الذِّكر.
ففي مصنف عبد الرزاق، وعند الطبراني في الكبير، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ أَنَّ قَوْمًا، يَقْعُدُونَ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ يُسَبِّحُونَ يَقُولُونَ: قُولُوا كَذَا وَقُولُوا كَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ قَعَدُوا فَآذِنُونِي. فَلَمَّا جَلَسُوا أَتَوْهُ فَانْطَلَقَ فَدَخَلَ مَعَهُمْ فَجَلَسَ وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ، فَأَخَذُوا فِي تَسْبِيحِهِمْ، فَحَسَرَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ رَأْسِهِ الْبُرْنُس وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن مَسْعُود. فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظَلْمَاءَ، أَوْ لَقَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا.! فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بني تَمِيمٍ: مَا جِئْنَا بِبِدْعَةٍ ظَلْمَاءَ، وَلا فَضَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا. فَقَالَ عَمْرُو بن عُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا. قَالَ: وَرَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ حَلْقَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: أَيَّتُكُمَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا؟ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا: نَحْنُ. فَقَالَ لِلأُخْرَى: قُومَا إِلَيْهَا. فَجَعَلَهُمْ وَاحِدَةً.
أقول: ففي هذه الرواية الأخيرة، أن ابن مسعود جعل الحلقتين واحدة، وهذا واضح في أن محل إنكار ابن مسعود هو الفُرقة بين المسلمين التي بدت في تعدد الحلق، وليس في أصل الاجتماع على الذكر.
وأيضا، ففي رواية الدارمي التي قدمناها ما يدل على أن الذي استنكره ابن مسعود ليس أصل الاجتماع على الذكر، بل ما توسمه في هؤلاء المجتمعين من صفات الخوارج الذين يَشقّون صف الأمة، التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في آخر رواية الدارمي المتقدمة: أن ابن مسعود قال للمجتمعين في مسجد الكوفة: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْماً يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ. ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ [راوي الأثر عن ابن مسعود]: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ.
قلت: ويقوي هذا التوجيه روايةُ ابن وضاح القرطبي في كتابه [البدع والنهي عنها] لهذا الأثر بسنده عن عبد الواحد بن صبرة قال: بلغ ابن مسعود أن عمرو بن عتبة في أصحاب له بنوا مسجداً بظهر الكوفة، فأمر عبد الله بذلك المسجد فهُدم. ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحاً معلوماً ويهللون ويكبرون، قال: فلبس برنساً ثم أنطلق فجلس إليهم، فلما عرف ما يقولون رفع البرنس عن رأسه ثم قال: أنا أبو عبد الرحمن. ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عِلماً، أو لقد جئتم ببدعة ظَلما.. إلى آخر الخبر.
وفي الطبقات الكبرى لابن سعد: أن عمرو بن عتبة، ومعضد بن يزيد العجلي، بنيا مسجدا بظهر الكوفة، فأتاهم ابن مسعود فقال: جئت لأكسر مسجد الخبال. اهـ أي مسجد الفساد.
فإنكار ابن مسعود يأتي في سياق تحقيق الأمن الفكري للمجتمع المسلم، من بدعة الخوارج الذين كانوا وبالا على الأمة في دينها ودنياها


الحيثية الثالثة: من حيث تصنيف هذا الحديث بالنظر إلى من أسند إليه:

فلا يخفى أن الحديث من قول ابن مسعود رضي الله عنه، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو في مصطلح أهل الأثر حديث موقوف.
وليس هو من الموقوف الذي له حكم المرفوع، لأن ميدانه الرأي.
وحتى لو سلمنا للمبَدِّعين صحة دلالة أثر ابن مسعود على تبديع الاجتماع لذكر الله تعالى، فإن كونه موقوفا يحول دون ذلك.
فإن الأصل في الموقوف الذي ليس له حكم المرفوع عدم الاحتجاج به مستقلا، حتى ولو كان صحيح الإسناد، لكن قد يتقوى به الحديث الضعيف.
فأما إذا كان الموقوف ضعيف الإسناد أصلا كحال موقوف ابن مسعود موضوع البحث، فأحرى ألَّا يُحتج به أصلا.
فكيف إذا جمع إلى كونه موقوفا، وكونه ضعيف الإسناد.. معارضتَه للصحيح المرفوع؟!

فقد ثبت فضل عقد مجالس ذكر الله تعالى في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضْلاً يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لاَ أَيْ رَبِّ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ.
وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ.
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ.
فهل تُدفع هذه الأحاديث الصحيحة الجليلة المرفوعة في فضل مجالس الذكر.. بالأثر الموقوف على ابن مسعود، وفيه ما فيه من القرائن والملابسات المانعة من الاحتجاج به على تبديع تلك المجالس الشريفة"؟!!
فهذا ما يتصل بزاوية النظر الرابعة، في تفنيد شبهات الصادين عن بعض وجوه الخير المحدثة.
ويأتي الحديث عن زاوية النظر الخامسة في الجزء التالي إن شاء الله.
وللحديث إن شاء الله صلة.
والله أعلم.


وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في الخامس والعشرين من شهر الله المحرم، لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 20/7/2025

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...