زاوية النظر الرابعة: النظر في الأدلة التي اشتبهت على الناهين عن بعض وجوه الخير:
وفي هذه المرحلة من البحث نناقش الأدلة التي يستند إليها أولئك الصادون عن وجوه من الخير، وصنوف من العبادات القولية والفعلية، بذريعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقلها، أو لم يفعلها. ومن تلك الأدلة:
أولا: حديث: كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ.
وهو في صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ.
وفي رواية النسائي وصحيح ابن خزيمة عن جابر أيضا زيادة: "وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ".
وهي أيضا في سنن ابن ماجه من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ، وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود، وصحيح ابن حبان، من حديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ.
وقد تمسك الصادون عن وجوه الخير المحدثة بظاهر هذا العموم في قوله صلى الله عليه وسلم: وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ.
إلا أن النظرة الأشمل للنصوص ذات الصلة تدل قطعا على أن هذا العموم غير مراد بهذه الحرفية التي حمله عليها الصادون عما ذكرنا من وجوه الخير، وإنما هو عموم أريد به الخصوص.
ولا بد من هذا التوجيه لتأتلف الأحاديث الصحيحة ولا تختلف، وتتعاضد ولا تتعارض.
إذ لوكان العموم على ظاهره فماذا نفعل بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم عن جرير البَجَلي: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا...؟
كيف يستطيع المسلم أن يسن سنة حسنة يكون إمامًا فيها، إذا كان كل بدعة ضلالة؟!
وكيف نفهم قول عمر رضي الله عنه: (نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ.) حين جمع الناس في قيام رمضان عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فخرج عُمَرُ لَيْلَةً وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أُبيًّ فَقَالَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ. أخرجه مالك في الموطأ.؟
فكيف يثني عمر رضي الله عنه على تلك البدعة، إذا كان كل بدعة ضلالة؟!
وقد بحث الإمام النووي رحمه الله تعالى هذه المسألة فأجاد وأفاد ووَفق بين النصوص.
قال في شرح صحيح مسلم عند شرح حديث جَابِرِ: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ): قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة) هَذَا عَامّ مَخْصُوص، وَالْمُرَاد غَالِب الْبِدَع. قَالَ أَهْل اللُّغَة: هِيَ كُلّ شَيْء عُمِلَ عَلَى غَيْر مِثَال سَابِق. قَالَ الْعُلَمَاء: الْبِدْعَة خَمْسَة أَقْسَام؛ وَاجِبَة، وَمَنْدُوبَة، وَمُحَرَّمَة، وَمَكْرُوهَة، وَمُبَاحَة. فَمِنْ الْوَاجِبَة: نَظْم أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمَلَاحِدَة وَالْمُبْتَدِعِينَ وَشِبْه ذَلِكَ. وَمِنْ الْمَنْدُوبَة: تَصْنِيف كُتُب الْعِلْم، وَبِنَاء الْمَدَارِس وَالرُّبُط وَغَيْر ذَلِكَ. وَمِنْ الْمُبَاح: التَّبَسُّط فِي أَلْوَان الْأَطْعِمَة وَغَيْر ذَلِكَ. وَالْحَرَام وَالْمَكْرُوه ظَاهِرَانِ. وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْمَسْأَلَة بِأَدِلَّتِهَا الْمَبْسُوطَة فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات. فَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْته عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيث مِنْ الْعَامّ الْمَخْصُوص، وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة، وَيُؤَيِّد مَا قُلْنَاهُ قَوْلُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي التَّرَاوِيح: نِعْمَتْ الْبِدْعَة. وَلَا يَمْنَع مِنْ كَوْن الْحَدِيث عَامًّا مَخْصُوصًا قَوْله: (كُلّ بِدْعَة) مُؤَكَّدًا (بِكُلِّ) بَلْ يَدْخُلهُ التَّخْصِيص مَعَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تُدَمِّر كُلّ شَيْء} اهـ انظر شرح النووي على مسلم (6/ 154)
قلت: وقد تكرر في آي الكتاب المبين مجيء "كل" على وجه العامِّ المخصوص، كما في قوله تعالى: في خبر طيور إبراهيم عليه السلام: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} [البقرة: 260] فمن المفهوم بداهة أن إبراهيم عليه السلام لم يجعل أجزاء الطيور على كل جبل من جبال الأرض. فاللفظ للعموم، والمقصود الخصوص.
ومنه قوله تعالى في حكاية قول الهدهد عن ملكة سبأ: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] فمن المفهوم بداهة أن تلك الملِكة لم تؤتَ شمسا ولا قمرا ولا ملائكة.. وهي أشياء.
فحتى ولو جاء الخبر بكلمة "كل" التي تفيد العموم، فإن السياق يُحتِّم أنها من العامِّ المخصوص.
قلت: وقد رجعت إلى كتاب الإمام النووي "تهذيب الأسماء واللغات" الذي أحال إليه في شرح مسلم، فوجدت فيه نقولا نفيسة في المسألة، غنية بالتفصيل والتأصيل والتمثيل، فقال النووي في التهذيب (ص: 994) ما يأتي:
البِدعة بكسر الباء، في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى: حسنة وقبيحة. قال الشيخ الإمام المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته؛ أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في آخر كتاب "القواعد": البدعة منقسمة إلى: واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة، وللبدع الواجبة أمثلة منها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى حفظها إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة في اللغة.
الثالث: تدوين أصول الدين وأصول الفقه.
الرابع: الكلام في الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعَيِّن، ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه.
وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة. والرد على هؤلاء من البدع الواجبة.
وللبدع المندوبة أمثلة منها إحداث الرُبِط والمدارس، وكلُّ إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها التراويح، والكلام في دقائق التصوف، وفي الجدل، ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه الله تعالى.
وللبدع المكروهة أمثلة: كزخرفة المساجد، وتزويق المصاحف.
وللبدع المباحة أمثلة: منها: المصافحة عقب الصبح والعصر، ومنها: التوسع في اللذيذ من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام. وقد يُخْتَلَف في بعض ذلك، فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعده، وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة هذا آخر كلامه. اهـ
ثم قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات، (ص: 996):
وروى البيهقي بإسناده في "مناقب الشافعي" عن الشافعي رضي الله عنه قال: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من العلماء، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه. يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت ليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي رضي الله تعالى عنه. اهـ
وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم عند شرح حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي مرفوعا: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ): قال: [وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة" وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة.] اهـ من شرح النووي على مسلم (7/ 104)
هذا ومن شبهاتهم في ذلك حديث: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ.
وهو موضوع الجزء التالي من البحث.
وللحديث إن شاء الله صلة.
والله أعلم.
وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في الثالث والعشرين من شهر الله المحرم لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 18/7/202
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


