زاوية النظر الثالثة: زاوية التحذير من الغلو في الدين والتزيد على الشريعة:
وبيان ذلك: أن الشريعة قد جاءت بالنهي عن عبادات أو معاملات مخصوصة، في أوقات أو أحوال مخصوصة.. فمن زاد في النهي على تلك الأوقات أو الأحوال التي نهت عنها الشريعة من تلك العبادات، فهو غالٍ متزيد متقول على دين الله بهواه، محرِّم ما لم يحرمه الله.
وليس له أن يطالب المتقرب إلى الله بفعل الخير.. بالدليل على قربته، لأنه هو المطالب بالدليل على المنع.
فمثلا:
نهينا عن صلاة النفل المطلق الذي ليس له سبب متقدم، في أوقات مخصوصة معلومة تُسمَّى: "أوقات النهي" وهي: من بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس في الأفق قدر رمح، وعند استواء الشمس في وسط السماء حتى تزول إلى الغرب قليلا، وبعد صلاة العصر حتى يكتمل مغيب قرص الشمس. وقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة كثيرة.
منها حديث الصحيحين عَنْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.
زاد مسلم في رواية عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ: وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ.
أقول: فلو رأيت رجلا يمكث في المسجد مثلا بين الظهر والعصر، ويقضي الوقت فيه راكعا ساجدا تاليا.. فليس لك أن تنهاه أو أن تبدِّعه وتضلله بذريعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه، وأنت المطالب بدليل النهي إن ادعيته. وإلا كنت مفتئتا على النبي صلى الله عليه وسلم، مستدركا عليه بتحريم صلاة التطوع في وقت لم يحرمها فيه صلى الله عليه وسلم.
بمعنى أن الذي يقال في هذا المقام: إنَّ النهي عن العبادات توقيفي. وهو أولى من أن يقال فيه: العبادات توقيفية.
وأيضا: نُهينا عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: كما في صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. [أي: جَديرٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ].
ونُهينا عن قراءة القرآن في حالة الحدث الأكبر، أو في حالة الحيض والنفاس بالنسبة للنساء، أو في أماكن قضاء الحاجة..
فليس لك أن تنهى مسلما عن قراءة القرآن في غير الأحوال المتقدم ذكر النهي عنها، بذريعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ القرآن في هذه الحال أو تلك.
ليس لك أن تحرِّم التلاوة على رجل يقرأ القرآن عن ظهر قلب، على غير وضوء مثلا.
اللهم إلا أن تدعوه إلى ذلك على سبيل الفضيلة، لا على سبيل الفريضة.
وليس لك أن تُحرّم على الحائض والنفساء والجُنب، الدعاءَ والتسبيح والتهليل وقراءة الحديث الشريف مثلا، تبعا لتحريم قراءة القرآن عليهم. فإن ذلك غلو وتقوُّلٌ على شريعة الله سبحانه، ومجاوزة للتوقيف في منهيات العبادات.
وأيضا: نهينا عن صيام يومي العيدين، تطوعا أو قضاء أو وفاء نذر أو كفارة أو فدية. فروى الشيخان عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الْآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ.
فيحرم شرعا صيام يومي العيدين بكل حال، ويأثم المسلم بصيامهما، كما يأثم بالفطر في رمضان بغير عذر.
ونُهينا أيضا عن صيام أيامِ التشريق الثلاثة، لما رواه مسلم عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ مرفوعا: (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ).
فلا يجوز صيام أيام التشريق عن تطوع ولا قضاء ولا كفارة، اللهم إلا عن فدية المتمتع بالحج، لمن لا يجد الهدي، الذي قال الحق عنه: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]. فيجوز للمتمتع الذي لا يجد الهدي، أن يصوم أيام التشريق عن الأيام الثلاثة التي في الحج.
ونُهِيت النساء عن الصيام في الحيض والنفاس، فرضا أو نفلا. لما رواه البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا.
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ.
قال ابن قدامة في المغني: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ، وَأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ وَيَقْضِيَانِ، وَأَنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ. اهـ
فليس لك أن تحرم على مسلم ولا مسلمة، التعبدَ لله بالصيام في غير تلك الأيام الخمسة المذكورة، وفي غير حالة حيض المرأة أو نفاسها، وإلا فأنت المطالَب بدليل التحريم، وليس الصائم هو المطالَب بدليل تعبده لله بالصيام، فالنهي عن العبادة هو التوقيفي كما بينَّا.
وأيضا: نُهينا عن مس المصحف إلا على طهارة كاملة من الحدثين؛ الأصغر والأكبر، باتفاق المذاهب الأربعة. لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)} [الواقعة]
وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: وَلاَ يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ.
فتخيَّل لو أن طالب علم جعل ينهى الناس عن مس كتب الحديث إلا على طهارة، رعاية لشرفها وفضلها.. أفليس هذا غلوًا في الدين وتزيدًا فيه.؟
نعم لك أن تأخذ نفسك بذلك، أو أن تحببه إلى الناس، ولكن على سبيل الفضيلة، لا على سبيل الفريضة.
وأيضا نُهينا عن البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، بمقتضى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ..} [الجمعة: 9]
ومعلوم بالإجماع أن الصلاة المرادة في الآية هي صلاة الجمعة، فهي صلاة واحدة في الأسبوع، حرَّم الله علينا البيع والشراء عند النداء إليها إلى أن تنقضي صلاة الجمعة.
فليس لأحد أن يزيد على شريعة الله ويُحَرِّم البيع والشراء عند كل نداء لكل صلاة في كل يوم من أيام الأسبوع السبعة. وكأن قيد {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} المذكور في الآية، لغوٌ لا أثر له في الحكم.
كل هذا من تحريم ما لم يحرمه الله، ومن تضييق ما وسعه الله.
وعليه نقول: هل هذه الأمور العبادية الخيِّرة الحسنة، التي ينهى عنها المولعون بالنهي والتبديع، من نحو التكبير الجماعي، أو التلبية الجماعية، أو الدعاء الجماعي، أو الذكر الجماعي، أو الدعاء بعد الصلاة، أو الثناء على الله بقول: صدق الله العظيم. في ختام التلاوة، أو قول: إنك لا تخلف الميعاد" بعد دعاء الوسيلة. أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند النسيان، أو الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم جهرا بعد الأذان، أو قول الرجل لأخيه: تقبل الله. بعد الصلاة، أو قول: جمعة مباركة.. هل هي من العبادات المنهي عنها؟
فإن كان الجواب: نعم. فأبغونا أدلة النهي عن كل منها. فإن النهي عن العبادات توقيفي كما في المناهي الشرعية المتقدمة.
وإن كان الجواب: لا. فلماذا تُدخلونها في المنهيات، وليست منها؟! ولماذا تَحْرِمون أنفسكم وغيركم مِن فعل الخير أو قول الخير، ومن ثواب ذلك وبركته؟
أليس هذا من الغلو في الدين، ومن الصد عن ذكر الله، ومن تحريم ما لم يحرمه الله؟!
هل تصدقون أن في هؤلاء من يُبدِّعون ويضللون رجلا أخذ نفسه بقراءة سورة البقرة كل ليلة؟!
أو أخذ نفسه بقراءة نحو أربعة أوجه من صفحات المصحف بين الأذان والإقامة في كل صلاة، على مدار الأسبوع، لتكتمل له ختمة في كل شهر؟!
أو يبدِّعون من اعتاد أن يتصدق بجزء من راتبه عند استلامه كل شهر؟!
أو من اعتاد أن يقيم دعوة لأصحابه أو لأرحامه أو جيرانه.. بشكل دوري، كل شهر، أو نصف شهر ،أو كل أسبوع.؟!
والذريعة في هذا التبديع أن ذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
مع أنها قربات لا شك فيها، ولا نهي عنها في شيء مما جاء النهي عنه من الأعمال العبادية لملابسات بعض الأحوال أو الأزمان.
وإن أنسَ لا أنسَ قبل أكثر من عقدين، عندما كنتُ في عيادة مريض، وجهاز التلفاز عنده مفتوح على إحدى القنوات الإسلامية الفضائية، وكان البث الفضائي جديدا في عالم الإعلام، والقناة تبث على شاشتها برنامج فتاوى على الهواء.
فاتصل سائل يقول: عملي على مسافة 90 كم عن مدينتي، وأنا أسافر إلى الأهل كل إجازة أسبوع، ويوم الجمعة أزور قبر الوالد؟
وكان السؤال وقتها مستغربا جدا، عندي على الأقل. فأين المشكلة حتى يسأل؟
ولكن الجواب كان أغرب حين قال له الشيخ المستفتَى: حاول أن لا تجعل زيارة قبر الوالد في كل مرة.!
وجعل يعلل جوابه بأن سفره يعتبر شَدَّ رَحْل، ولا يجوز شدُّ الرحل إلى زيارة القبور.!
ولله در الإمام النووي ما أرحب أُفُقه العلمي! وما أمكن مَلَكَتَه الفقهية! فإنه رحمه الله، لم يستنكر ما يقوله الناس من دعوات عند كل عضو من أعضاء الوضوء، مع علمه بأنه ليس في شيء منها سُنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومع هذا فقد نقل عن الفقهاء استحبابه.
وقد ألمحنا في موضع آخر من هذا البحث، إلى التفريق في التعبير عن الحكم، بين الفضائل التي جاءت بها السنة الشريفة، فيقال: حكمه سُنة. وبين الفضائل التي لم تثبت فيها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال: حكمه مستحب.
قال النووي رحمه الله في الأذكار:
فصل: وأما الدعاء على أعضاء الوضوء، فلم يجئ فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الفقهاء: يستحب فيه دعوات جاءت عن السلف، وزادوا ونقَصوا فيها، فالمتحصل مما قالوه أنه يقول بعد التسمية: الحمد لله الذي جعل الماء طهورا. ويقول عند المضمضة: اللهم اسقني من حوض نبيك محمد صلى الله عليه وسلم كأسا لا أظمأ بعده أبدا. ويقول عند الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة نعيمك وجنَّاتك. ويقول عند غسل الوجه: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيَضّ وجوه وتسوَدّ وجوه. ويقول عند غسل اليدين: اللهم أعطني كتابي بيميني. اللهم لا تعطني كتابي بشمالي. ويقول عند مسح الرأس: اللهم حرِّم شعري وبشري على النار، وأظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. ويقول عند مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ويقول عند غسل الرجلين: اللهم ثبِّتْ قدمي على الصراط. والله أعلم. اهـ
فيا أخي المسلم لا تضيق واسعا، ولا تنه عن بعض الخير بلا حجة، وليس كون ذلك الخير محدثا بحجة على منعه ما دام خيرا وفضيلة في ذاته، ما لم يثبت النهي عنه.
فإن كنت آخذًا نفسك بالامتناع عن كل طاعة لم تأت بها السنة، فقد حَرمتَ نفسك من خير كثير، وإن أنت اخترت ذلك لنفسك، فلا تصدنَّ غيرك عن خير لم تنه عنه الشريعة الشريفة.
فهذا ما يتعلق بزاوية النظر الثالثة.
وإلى زاوية النظر الرابعة إن شاء الله، في الجزء التالي.
وللحديث إن شاء الله صلة.
والله أعلم.
وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في الثاني والعشرين من شهر الله المحرم، لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 17/7/202
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


