زاوية النظر الثانية: زاوية علم أصول الاستدلال:
وهلمّ فلننظر إلى وجوه الخير التي ينهى عنها ناهون، بذريعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها.. من زاوية أخرى تتصل بعلم أصول الفقه.
فإن استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، له ضوابط وقواعد لا بد من الإلمام بها قبل الهجوم على التحريم والتحليل بباعث الحماسة غير المنضبطة، أو بباعث الهوى والتعصب، أو بباعث السطحية في العلم، والجهل بقواعد استنباط الأحكام.
وأُحذِّر هنا نفسي وإخواني طلبة العلم، من الجرأة على تحريم ما لم يحرمه الله. فإنه لا يَقِلّ مأثما عن تحليل ما حرمه الله، فكله كذبٌ على الله وتقَوُّلٌ عليه سبحانه، بغير علم.
قال سبحانه في النحل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)}
والقول على الله بغير علم، من تزيين الشيطان، وذلك بشهادة القرآن في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)}
وانظروا سياق النهي عن القول على الله بلا علم، كيف قرنه بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ!.
وأشد منه سياق النهي الذي في سورة الأعراف: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}
هل التَّرك يستلزم التحريم؟
وبحثُ هذه المسألة أمر جوهري فيما نحن بصدده. أي: إذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فهل يجب على أمته التأسي به في الترك، كما تتأسى به في الفعل؟
والجواب: أنه قد دلت النصوص الشرعية على أن الترك في ذاته ليس دليلا على المنع والتحريم، ما لم تقترن به قرائن تفيد المنع والتحريم.
قال تعالى في بيان مسألة التحريم في سورة الحشر: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7)} ولم يقل: وما لم يفعله الرسول فلا تفعلوه.
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
ولم يقل: وما لم أفعله فلا تفعلوه.
وفي سنن الدارقطني عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا.
وفي رواية عند الدارقطني من حديث أبي الدرداء: وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَكَلَفُوهَا، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكُمْ فَاقْبَلُوهَا.
فالمسكوت عنه، إن لم يدل دليل عام ولا خاص ولا قياسٌ على منعه، فغاية ما يقال فيه: إنه عفو مباح. فإن كان خيرا في نفسه كان مأمورا به بالدليل الأعم: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}
وعليه: فليس من لغة العلم أن تقول: هذا حرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
العلماء يقولون مثلا: حرام، لأن الله تعالى حرَّمه، كما في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3]
أو: حرام لأن الله نهى عنه، كما في الصحيحين: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ.
أو: حرام لأن الله سماه فاحشة، أو إثما، أو منكرا، أو زورا، كما في قوله تعالى في محرمات النكاح: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22]
وقوله تعالى في تحريم العبث بالوصية: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181]
وقوله في تحريم الظهار: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة: 2]
أو: حرام لأن الله قرنه بلعن أو غضب، كما قال في تحريم قتل النفس: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]
أو: حرام لأن الله تعالى رتب عليه حدا دنيويا كما قال في تحريم السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]
أو رتب عليه وعيدا أخرويا كما في قوله في تحريم الربا: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]
أو يقولون: حرام قياسا على محرم منصوص، لاشتراكهما في علة التحريم، كما في تحريم المخدِّرات، قياسا على تحريم المسكرات، بجامع أن كلا منهما يُفسد العقل.
وأما أن يقول قائل: هذا ممنوع أو حرام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله. فليس هذا من لغة العلم، لأنه كلام يفتقر إلى مبادئ علم أصول الفقه، كما أنّ النصوص الشرعية تأباه، كما تقدم.
ثم قد جاءت وقائع السنة الصحيحة بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتقربون إلى الله تعالى بأمور من الخير لم يسبق أن فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن الترك من النبي صلى الله عليه وسلم، لا يستلزم المنع والتحريم بالمطلق.
ومن ذلك:
زيادة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في صلاة الفريضة:
وذلك في واقعتين صحيحتين من فعل اثنين من الصحابة، على نحو لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم سابقا، ولا لاحقا. ومع هذا فإنه صلى الله عليه وسلم أقرهما وزكَّاهما، ولم يعتبر فعلهما خروجا عن قوله في صحيح البخاري: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي".
وسبق أن ذكرنا هاتين الواقعتين في بيان فضل سورة الإخلاص، في ثنايا هذا البحث.
الأولى: في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ.
الثانية: في البخاري عَنْ أَنَسٍ كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يُقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى! فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى. فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ.
فإن قال قائل: إن زيادة سورة الإخلاص في هاتين الواقعتين لم تعد بدعة بعد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها. ويتعذر إقراره لشيء من هذا القبيل بعد وفاته؟
فالجواب: نعم هي سنة تقريرية، ولكن التقرير هنا ليس للواقعة بعينها، وإنما للقاعدة المقررة في الواقعتين، وهي: [صحة الباعث على ذلك الفعل] التي نجدها جلية في قوله صلى الله عليه وسلم في الواقعة الأولى: (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ).
وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الواقعة الثانية: (يَا فُلَانُ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ).
ومن ذلك: زيادة عبارة: (حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ) في أذكار الصلاة:
روى البخاري عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنْ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ.
وروى مسلم نحوه عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه.
قال الحافظ ابن حجر عند شرح هذا الحديث من فتح الباري: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز إِحْدَاث ذِكْر فِي الصَّلَاة غَيْرِ مَأْثُور، إِذَا كَانَ غَيْر مُخَالِفٍ لِلْمَأْثُورِ. اهـ الفتح دار المعرفة (2/ 287)
ومن ذلك: زيادة عبارة: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ذَلِكَ.
أقول: فإذا جاز ابتداع هذه الأذكار داخل الصلاة المفروضة، من غير أن يكون لمن ابتدعها أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يمنع بعض الناس من قول "صدق الله العظيم" بعد التلاوة خارج الصلاة؟!
أو قول الرجل لصاحبه: "تقبل الله" أو: "حرما" بعد الصلاة؟!
أو قول: "جمعة مباركة" في يوم الجمعة؟!
أو قول: "إنك لا تخلف الميعاد" بعد دعاء الوسيلة؟ أو نحو ذلك؟
ومن ذلك: الزيادة على صيغة التلبية:
روى مسلم عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ. لاَ يَزِيدُ عَلَى هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ. وكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضى الله عنه يُهِلُّ بِإِهْلاَلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. [التلبيد: أن يَجْعَل المحرِم في شعره شيئا مِن صَمْغ ونحوه عند الإحْرامِ لِئَّلا يتساقط.]
وفي صحيح مسلم أيضا: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ في التلبية مثل زيادة عمر.
أقول: ولم ير عمر ولا ابن عمر ولا غيرهما أن ذلك خروج على قوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) ولا رآه النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة، ولا نهى عنه.
المبالغة في دعوى: "العبادات توقيفية":
فقد دلت هذه الوقائع في صحيح السُّنة على أن هناك مبالغة وغلوًا مسرفا في دعوى قاعدة: "العبادات توقيفية" وكأنها نص من القرآن الصريح أو من الحديث الصحيح.
وهي ليست كذلك، وليس لها حضور في مصنفات أهل العلم الأقدمين.
وإنما ترددت بكثرة لافتة في كلام أهل العلم المعاصرين، أخذا من حديث: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" وحديث: (خذوا عني مناسككم) فحملوها على حرفية ضيقة تأباها الوقائع المذكورة.
نعم، الأصل في العبادات التوقيف، ولكن ليس بالحرفية التي يتوهمونها، وإنما بمعنى ألَّا تزيد ركعة في الصلاة ولا تنقص. وألا تقدم فيها سجودا على ركوع، وألا تخرجها عن وقتها، ونحو ذلك من الخلاف الفاحش المنكور.
وأما أن تقول فيها أو خارجها، ذكرا صحيح المعنى، ولا نهي عنه، فإن الأحاديث المتقدمة تدل على التساهل فيه.
وانظروا إلى عبارة ابن الجوزي في كتابه: (التحقيق في أحاديث الخلاف) عن الزيادة التي ذكرناها في التلبية. قال: "لَا يسْتَحبّ الزِّيَادَة عَلَى تَلْبِيَة رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اهـ
فانظروا كيف جعل ابن الجوزي ميدان الخلاف استحباب الزيادة أو عدم استحبابها. ولم يقل ابن الجوزي: هذه بدعة ضلالة، ولا زيادة في الدين، ولا ادعاء نقص في الشريعة، ولا ولا.. وإنما قال: لا يستحب.
ومن أوضح الحجة على مشروعية فعل الخير الذي لم يرد بعينه في السنة، قصة جمع القرآن في عهد الصديق رضي الله عنه.
روى البخاري في صحيحه أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، [والمراد بأهل اليمامة هنا: الصحابة الذي استُشهِدوا في قتال مسيلِمة الكذاب ومن معه من بني حنيفة في إقليم اليمامة في حروب الردة في السنة الثانية عشرة، في خلافة الصديق رضي الله عنه] فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ.. إلى آخر الحديث.
[الْعُسُبِ: جمعٌ، مفرده: عَسِيب، وهو جريد النخل العريض. وَاللِّخَافِ: هي حِجارةٌ بِيضٌ رِقاق. وهو جَمْعٌ، مفرده: لَخْفَة.]
السَّداد في رأي عمر رضي الله عنه:
أقول: فانظر إلى سَداد رأي عمر، وبركته على الأمة، ولا عجب، فقد كان رضي الله عنه محدَّثا ملهَما يجري الصواب على لسانه، شهد له بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله في حديث الصحيحين: قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ.
[مُحَدَّثُونَ: أي: مُلْهَمُونَ. يجري الحق على ألسنتهم.]
وتمام نظم حجة عمر على أبي بكر رضي الله عنهما: أن جمْعَ القرآن خيرٌ في ذاته، وحفظٌ له من الضياع، وحصنٌ للأمة من الاختلاف على كتاب ربها.
فإذا اجتمع في جمع القرآن كلُّ هذا الخير - والله تعالى يقول: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} - فقد قامت الحجة على وجوب جمع القرآن، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فحسبنا أنه من الخير، وأن الشرع لم ينه عنه، وقد نبَّهْنا من قبل إلى أن الترك من النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل في ذاته على التحريم إلا بقرينة.
فتخيل لو أن أبا بكر لم يقم بجمع القرآن في مصحف واحد، وأن عثمان لم يقم بكتابة نُسخ من ذلك المصحف، وتوزيعها على الأمصار، بذريعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، كيف سيكون حالنا اليوم مع القرآن بعد طول الزمان؟!
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (9/ 13) عند شرح حديث جمع القرآن المتقدم: قَالَ اِبْن بَطَّال [وهو أحد أعيان علماء قرطبة في القرن الخامس الهجري، وله شرح على صحيح البخاري]: إِنَّمَا نَفَرَ أَبُو بَكْر أَوَّلًا، ثُمَّ زَيْدُ بْن ثَابِت ثَانِيًا، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجِدَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ، فَكَرِهَا أَنْ يُحِلَّا أَنْفُسهمَا مَحَلّ مَنْ يَزِيد احْتِيَاطه لِلدِّينِ عَلَى احْتِيَاط الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا نَبَّهَهُمَا عُمَر عَلَى فَائِدَة ذَلِكَ، وَأَنَّهُ خَشْيَة أَنْ يَتَغَيَّر الْحَال فِي الْمُسْتَقْبَل إِذَا لَمْ يُجْمَع الْقُرْآن، فَيَصِيرَ إِلَى حَالَة الْخَفَاء بَعْد الشُّهْرَة، رَجَعَا إِلَيْهِ. قَالَ: وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِعْل الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِن - وَكَذَا تَرْكُه - لَا يَدُلّ عَلَى وُجُوب وَلَا تَحْرِيم. اِنْتَهَى كلام ابن بطال.
ثم قال الحافظ تعقيبا على ما نقله عن ابن بطال: وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الزِّيَادَة عَلَى اِحْتِيَاط الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ هُوَ مُسْتَمَدّ مِنْ الْقَوَاعِد الَّتِي مَهَّدَهَا الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ [وهو القاضي أبو بكر الباقلاني، من أعيان علماء الكلام في بغداد في القرن الرابع الهجري]: كَانَ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْر مِنْ ذَلِكَ فَرْض كِفَايَة، بِدَلَالَةِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْر الْقُرْآن" مَعَ قَوْله تَعَالَى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) وَقَوْله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى) وَقَوْله: (رَسُول مِنْ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَة) قَالَ: فَكُلّ أَمْر يَرْجِع لِإِحصَائِهِ وَحِفْظه فَهُوَ وَاجِب عَلَى الْكِفَايَة، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّصِيحَة لِلَّهِ وَرَسُوله وَكِتَابه وَأَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتهمْ. قَالَ: وَقَدْ فَهِمَ عُمَر أَنَّ تَرْك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمْعه لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى الْمَنْع، وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْر لَمَّا رَأَى وَجْه الْإِصَابَة فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَنْقُول وَلَا فِي الْمَعْقُول مَا يُنَافِيه، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَى تَرْك جَمْعه مِنْ ضَيَاع بَعْضه، ثُمَّ تَابَعَهُمَا زَيْدُ بْن ثَابِت وَسَائِرُ الصَّحَابَة عَلَى تَصْوِيب ذَلِكَ. اهـ
أقول بناء على واقعة جمع القرآن: كل ما كان خيرا في ذاته من الأعمال والأقوال، ولا نهيَ عنه في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فهو داخل في قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ودافعٌ لكل تحرُّج من قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
نعم قد كان أبو بكر رضي الله عنه، في تحرجه أول الأمر، وقوله لعمر: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟.. كان أسوة لكل مَن يتحرّج من فعل الخير الذي لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكنه أيضا كان رضي الله عنه أسوة في رفع هذا التحرج إلى الأبد، عندما شرح الله صدره لقول عمر: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ.
ولم يَعُدْ بَعد مقالة الصديق هذه، موضع لقول قائل في خير لا نهي عنه: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فإياك أيها المسلم أن تتأسى بالصديق في أول شأنه دون تاليه، فإن ذلك ضرب من الانتقائية باتباع الهوى، وتضييعٌ للمصالح التي هي مقصود التشريع.
وإلا فإن كثيرا من الأحكام والقوانين والأنظمة التي استحدثها وما يزال يستحدثها أولو الأمر في الدولة الإسلامية، بمقتضى السياسة الشرعية، تتضمن أوامرَ لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ونواهيَ لم ينه عنها، لكنها تُحقق الخير والمصلحة للمسلمين. وليس فيها مخالفة لحكم شرعي، فلا يقال: هذه الأحكام مردودة لأنها بدعة في الدين لم يفعلها خير العالمين صلى الله عليه وسلم.
كلام ابن القيم:
وقد وقفت على كلام نفيس في هذا الباب، للعلامة ابن القيم، كرره في أربعة من كتبه: (إعلام الموقعين) و: (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) و: (وفتاوى إمام المفتين صلى الله عليه وسلم) و: (بدائع الفوائد) يقول فيه:
[فإن الله أرسل رسُلَه وأنزل كُتُبَهُ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صُبْحَه بأي طريق كان، فثمَّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلتَه وأماراتِه في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلَّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استُخرِج بها الحق ومعرفة العدل، وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد.] اهـ
هذا عن زاوية النظر الثانية.
وأما زاوية النظر الثالثة ففي الجزء التالي إن شاء الله.
وللحديث إن شاء الله صلة.
والله أعلم.
وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في الحادي والعشرين من شهر الله المحرم، لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 16/7/2025
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


