{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} (3 - 10)

{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} (3 - 10)

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ١٣ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ - ٥ أيلول ٢٠٢٥
178

وأما نهيهم عن الدعاء بعد الصلوات المكتوبات:
فهلم الآن فلنبين الدليل الخاص - لا أقول الدليل العام ولا الأعم - على قُربة من أفضل القُرُبات، طالما سمعنا النهي عنها والتحذير منها، وطالما حُرِم من فضلها وأجرها مسلمون ظنوا النهي عنها هو الحق.. ألا وهي: (الدعاء بعد صلاة الفريضة).
والدعاء في كل وقت خير لا شك فيه، فهو مشمول بالدليل الأعم: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}
ثم هو مشمول بالأدلة العامة على فضل الدعاء، بل على الأمر به والحض عليه في مثل قول الله تعالى في البقرة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]
وقوله سبحانه في غافر: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]
وروى أبو داود في سننه، والترمذي - وصححه - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ. ثُمَّ قَرَأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
ولكن الأهم من الدليل الأعم والدليل العام، أن الدعاء بعد الصلاة المكتوبة، قد وردت فيه أدلة خاصة صحيحة متظاهرة على مشروعيته.


الأدلة الخاصة على مشروعية الدعاء بعد الصلاة:
روى أبو داود في سننه بسند صححه النووي، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ. أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. ورواه أيضا النسائي في سننه، وابن حبان في صحيحه.
وفي سنن النسائي وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة: أَنَّ كَعْب الأحبار حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى: إِنَّا لَنَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ دَاوُدَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ لِي عِصْمَةً، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فِيهَا مَعَاشِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ نِقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. قَالَ كَعْبٌ: إِنَّ صُهَيْبًا حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُنَّ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلَاتِهِ.
وفي سنن النسائي أيضا، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ. فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.
وفي صحيح مسلم عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
ومعلوم أن الاستغفار دعاء من العبد لنفسه بالمغفرة.
وفي سنن أبى داود والنسائي ومسند أحمد، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - في جزء من حديث طويل - قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي دُبُرِ صَلاَتِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ اسْمَعْ وَاسْتَجِبِ.
وروى النسائي في سننه، والترمذي - وحسَّنه - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ.
وعقد البخاري في كتاب الدعوات من صحيحه بابا قال فيه: (بَاب الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) - ومعلوم أن فقه البخاري في تراجمه - ثم روى فيه عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
وقوله: "إِذَا سَلَّمَ" نصٌّ على أن الدعاء المذكور، كان بعد السلام لا قبله.
وفي رواية مسلم لهذا الحديث، تأكيد لهذه الحقيقة، فإن لفظه: كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ .. الحديث.
وقد مضى المسلمون نحوا من سبعة قرون على هذه الثقافة المكتسبة من تلك الأحاديث، والتماس بركة الدعاء بعد الصلاة من غير غضاضة.. إلى أن جاء القرن الثامن، عصر الإمام العلامة الفقيه الحنبلي ابن تيمية، ت 728هـ وتلميذه العلامة ابن القيم ت 751هـ رحمهما الله تعالى.
وقد كان لابن تيمية رحمه الله، آراء وفتاوى تفرد فيها عن أهل عصره، وربما خالف فيها المذاهب الأربعة، كقوله بأن طلاق الحائض لا يقع أصلا، وبأن الطلاق ثلاثا في مجلس واحد يعتبر طلقة واحدة.. وغير ذلك كثير، مما جرَّ عليه صنوفا من الابتلاءات الثقيلة حتى وافته المنية مسجونا في سجن قلعة دمشق، كما هو معلوم في سيرته رحمه الله.

ومن الآراء التي خالف فيها ابن تيمية علماء زمانه ومن سبقهم، أنه يرى أن الدعاء الذي كان يفعله الناس بعد الصلوات المفروضة ليس معهم فيه سنة، وأن كل الأحاديث التي جاءت في الترغيب بالدعاء في أدبار الصلوات المفروضة، إنما المراد بها الدعاء في آخر الصلاة بعد التشهد وقبل السلام، وليس بعد السلام.
وكان هذا التوجيه للأحاديث مستغرَبا منه مِن قِبَل علماء زمانه ومَن بعدهم، وكان ممن استغربه منه وراجعه فيه، تلميذه ابن القيم، الذي قال في (زاد المعاد) بعد أن ساق جملة من الأحاديث فيما يقال بعد الصلاة، ومنها وصيته صلى الله عليه وسلم معاذا أن يقول في دبر كل صلاة: [اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك] ثم قال ابن القيم بعده: ودُبُر الصلاة يَحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يُرجِّح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه، فقال: دبر كل شيء منه، كدبر الحيوان. اهـ زاد المعاد (1/ 285)

ملاحظات مهمة على عبارة ابن القيم:
تجب ملاحظة خمسة أمور على عبارة ابن القيم المتقدمة:
الأول: أنه قال: "ودبر الصلاة يَحتمل قبل السلام وبعده" فالاحتمال متكافئ، ولا تحتيم في أحد الاحتمالين، وقد أورد هو نفسه حديث معاذ فيما يقال بعد الانصراف من الصلاة، لا قبل السلام.
الثاني: أنه قال: "وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام" فالقضية عند ابن تيمية ترجيحُ أن يكون الدعاء قبل السلام، لا تَحْتِيْمُه. واستبعادُه بعد السلام، لا تحريمُه.
الثالث: أن ابن القيم قال: "فراجعته فيه" مما يدل على استشكاله رأي شيخه، على شدة إعجابه به، وعِظم هيبته في قلبه.
الرابع: أن الاحتمال المذكور إنما يصح فيما جاء من الدعاء بلفظ "دُبُر الصلاة" فأما ما جاء بلفظ: "إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ" أو: "إِذَا سَلَّمَ" أو: "إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ وَسَلَّمَ" -وكلها في أحد الصحيحين - فهي صريحة في مشروعية الدعاء بعد الصلاة.
الخامس: أنه قد كان لابن القيم في هذه المسألة تحقيق طويل في زاد المعاد، استعجل كثير من الناس أوَّله فتوهموا أنه يمنع من الدعاء بعد الصلاة، لأنهم أهملوا آخره الذي انتهى فيه إلى استحباب ذلك.
وتوضيح ذلك:
أن ابن القيم حاول أن يجمع بين تقليد شيخه ابن تيمية الذي يرى أنه لم يَثبت في الدعاء بعد الصلاة سنة، وبين ما ثبت عند ابن القيم نفسه، وقرره في نفس كتابه "زاد المعاد" من أحاديث صحيحة ثابتة في مشروعية الدعاء بعد الصلاة. فقال رحمه الله تحت عنوان: "فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة" ج1 ص247:
[وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلا، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح ولا حسن... وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقربُ منه، فكيف يَترك سؤاله في حال مناجاته والقربِ منه والإقبالِ عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟! ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي] اهـ.
أقول: هذا أول كلام ابن القيم الذي تعجل فهْمَه من تعجل، وأهملوا آخره الذي يقول فيه بعد ما تقدم مباشرة:
[إلا أن هاهنا نكتة لطيفة وهي: أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلَّله وسبَّحه وحمَّده وكبَّره بالأذكار المشروعة عَقيب الصلاة، استُحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عَقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذَكر الله وحمِده وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، استُحب له الدعاء عَقيب ذلك، كما في حديث فَضالة بن عبيد: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء. قال الترمذي: حديث صحيح]. انتهى كلام ابن القيم.


فهل ترون بعد هذا أن ابن القيم ينهى عن الدعاء بعد الصلاة؟!


الحقيقة أن ابن القيم يقرر مشروعية الدعاء بعد الصلاة المكتوبة،وسُنّيّتها من خلال جملة أحاديث.
فإنه رحمه الله بعد أن فرغ في (زاد المعاد) من بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة بكل تفاصيلها، وذكر الأحاديث في دعائه صلى الله عليه وسلم في الصلاة.. قال في ج1/ ص285 أي بعد نحو من خمس وثلاثين صفحة من كلامه السابق:
(فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها، وسرعة الانتقال منها، وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها)
ثم جعل ابن القيم رحمه الله، يسرد الأحاديث التي فيها الأذكار المشروعة بعد الصلاة..
وقد انتخبتُ منها الأحاديث التي تشتمل على الدعاء خاصة، لأنه موضوع بحثنا.
ومما قاله ابن القيم في ذلك الفصل: وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
ومما قاله: وذكر أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
ومما قاله: وذكر الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال - في جزء من حديث -: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب. ورواه أبو داود.
ومما قاله: وقد ذكر أبو حاتم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند انصرافه من صلاته: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي جعلتَ فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك..
ومما قاله: وذكر الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب أنه قال: ما صليت وراء نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعته حين ينصرف من صلاته يقول: اللهم اغفر لي خطاياي وذنوبي كلها، اللهم أنعمني وأحيني وارزقني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، إنه لا يهدي لصالحها إلا أنت، ولا يصرف عن سيئها إلا أنت.
ومما قاله: وذكر ابن حبان في صحيحه عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إذا صليت الصبح فقل قبل أنت تتكلم: اللهم أجرني من النار. سبع مرات، فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار. سبع مرات، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار.
ومما قاله: وأوصى معاذا أن يقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ولا تنس أيها القارئ أن ابن القيم أورد كل تلك الأحاديث المشتملة على الأدعية، تحت عنوان: (فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة)
يعني أنه بعد السلام لا قبله.
فهل تصدق أن الذي أورد كل تلك الأحاديث في تأصيل مشروعية الدعاء بعد الصلاة.. هو نفسه يقول في نفس الكتاب، بل في نفس المبحث: [وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلا، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح ولا حسن...]؟!
أمر عجيب حقا، لم أجد له تفسيرا إلا شدة تأثر ابن القيم بشيخه ابن تيمية، فحاول الجمع بين رأي شيخه وبين ما صح عنده من الأحاديث، فاعتبر الدعاء مشروعا بعد الأذكار التي بعد الصلاة، وليس بعد الصلاة مباشرة.
وقد كنتُ وقفتُ على أكثر من شاهد على هذا التأثر، في كلام ابن القيم، في أثناء قراءتي المتأنية لزاد المعاد بأجزائه الخمسة، في درس أسبوعي استغرق أكثر من أربع سنوات.

تعقيب الحافظ ابن حجر على كلام ابن القيم:
قال رحمه الله في فتح الباري، عند شرح قول الإمام البخاري في كتاب الدعوات من صحيحه: (بَاب الدُّعَاء بَعْد الصَّلَاة):
قَوْله: (بَاب الدُّعَاء بَعْد الصَّلَاة) أَيْ الْمَكْتُوبَة، وَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَة رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدُّعَاء بَعْد الصَّلَاة لَا يُشْرَع.. ثم قال الحافظ بعد كلام طويل: قَالَ اِبْن الْقَيِّم فِي "الْهَدْي النَّبَوِيّ": وَأَمَّا الدُّعَاء بَعْد السَّلَام مِنْ الصَّلَاة مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة، سَوَاء الْإِمَام وَالْمُنْفَرِد وَالْمَأْمُوم، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا.. "إلى آخر كلام ابن القيم المتقدم" ثم قال الحافظ: قُلْت: وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ النَّفْي مُطْلَقًا مَرْدُود، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: يَا مُعَاذ إِنِّي وَاَللَّه لَأُحِبّك، فَلَا تَدَع دُبُر كُلّ صَلَاة أَنْ تَقُول: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرك وَشُكْرك وَحُسْن عِبَادَتك. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم. وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي قَوْل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْكُفْر وَالْفَقْر وَعَذَاب الْقَبْر. كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِنَّ دُبُر كُلّ صَلَاة. أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم... وَحَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم: سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فِي دُبُر كُلّ صَلَاة: اللَّهُمَّ رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْء.. الْحَدِيث. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَحَدِيث صُهَيْب رَفَعَهُ: كَانَ يَقُول إِذَا اِنْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاة: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي.. الْحَدِيث. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. وَغَيْر ذَلِكَ. اهـ
[ملاحظة]: حديث مُعَاذ بْن جَبَل، وَحَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم، وَحَدِيث صُهَيْب.. التي احتج بها الحافظ ابن حجر على ابن القيم في مشروعية الدعاء بعد الصلاة، قد ذكرها ابن القيم نفسه فيما نقله من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال بعد الفراغ من الصلاة، كما تقدم فيما حكيناه من كلامه، فليس بين الرجلين خلاف في المحصلة.
ثم قال الحافظ في تفنيد رأي ابن تيمية الذي قلده فيه ابن القيم: فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَاد بِدُبُرِ كُلّ صَلَاة قُرْبُ آخِرهَا وَهُوَ التَّشَهُّد. قُلْنَا: قَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِالذِّكْرِ دُبُر كُلّ صَلَاة، وَالْمُرَاد بِهِ بَعْد السَّلَام إِجْمَاعًا، فَكَذَا هَذَا حَتَّى يَثْبُت مَا يُخَالِفهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ: قِيلَ يَا رَسُول اللَّه أَيّ الدُّعَاء أَسْمَع؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْل الْأَخِير، وَدُبُرَ الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَات. وَقَالَ حَسَن. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق قَالَ: الدُّعَاء بَعْد الْمَكْتُوبَة أَفْضَل مِنْ الدُّعَاء بَعْد النَّافِلَة كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَة عَلَى النَّافِلَة. اهـ
ثم قال الحافظ: وَفَهِمَ كَثِير مِمَّنْ لَقِينَاهُ مِنْ الْحَنَابِلَة أَنَّ مُرَاد اِبْن الْقَيِّم نَفْيُ الدُّعَاء بَعْد الصَّلَاة مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ حَاصِل كَلَامه أَنَّهُ نَفَاهُ بِقَيْدِ اِسْتِمْرَار اِسْتِقْبَال الْمُصَلِّي الْقِبْلَة، وَإِيرَاده بَعْد السَّلَام، وَأَمَّا إِذَا اِنْتَقَلَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَدَّمَ الْأَذْكَار الْمَشْرُوعَة، فَلَا يَمْتَنِع عِنْده الْإِتْيَان بِالدُّعَاءِ حِينَئِذٍ. اهـ
أقول: فليتنبه إلى هذا الذين قرؤوا أول كلام ابن القيم دون آخره.
وللحديث إن شاء الله صلة.
والله أعلم


وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في التاسع عشر من شهر الله المحرم لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 14/7/202

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...