مسائل مشابهة:
ولا يقتصر الصد عن الخير على تلك المسائل التي ذكرناها من قبل، بل هنالك سلسة من الأعمال والأقوال التي لا شك في أنها من الخير الذي قال الحق سبحانه فيه: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ومع ذلك تجد أولئك المتعجلين في الإنكار، يمنعون منها ويصدون عنها، متترسين بعبارات يصدق فيها قول علي رضي الله للخوارج لما اعترضوا على التحكيم الذي اتفق عليه علي ومعاوية رضي الله عنهما، وقَالُوا: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ. فقَالَ لهم عَلِيٌّ رضي الله عنه: "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ".
ومن تلك العبارات التي أريدَ بها الباطل قولهم: [العبادات توقيفية] وما تنبهوا إلى أن النهي عن الأعمال العبادية توقيفي أيضا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في زاوية النظر الثالثة، في ثنايا هذا البحث.
أو قولهم: [لو كان خيرا لسبقونا إليه] يعنون السلفَ الصالحين. وما تنبهوا إلى أنهم ربما سبقونا إلى أصله أو جنسه أو نظيره، أو لعلهم لم يسبقونا إليه لعدم قيام مقتضيه، أو لأن الأمر لا بد له من مراحل زمنية لم تتوفر لهم ليسبقونا إليه.
وإلا فقد جمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن في مصحف واحد، وهو خير لا شك في خيريته، ولم يسبقه إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم ينهه عنه، بل دعاه إلى جنسه حين قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. رواه مسلم.
ولما ولي عُمَر رضي الله عنه الخلافة فرض الأعطيات، ودوَّن الدواوين، وعرَّف العرفاء، ومصَّر الأمصار.. وكل ذلك خير لا شك فيه، ولم يسبقه إليه أبو بكر رضي الله عنه.
ولما جاء عثمان بعدهما رضي الله عنهم جميعا، وكثر الناس، أحدث الأذان الأول للجمعة على الزوراء، وهي دار عند سوق المدينة. وهو الأذان الذي يسمونه في الأحاديث: الأذان الثالث، لأنه يعتبر ثالثا بعد الذي كان معروفا من الأذان بين يدي الخطيب أولا، ثم الإقامة لصلاة الجمعة ثانيا. وهو من عثمان رضي الله عنه خير لا شك فيه، ولم يسبقه إليه أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما.
ولما جاء علي رضي الله عنه، وقد اتسعت الفتوح ودخل في الإسلام الأعاجم، وخالطوا العرب، وتسللت العجمة إلى ألسنة الناشئة من العرب، فأمر علي رضي الله عنه، التابعي أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو. على ما ذكره ابن كثير في تاريخه، نقلا عن ابن خلكان وغيره قالوا: كان أول من ألقى إلى أبي الأسود علمَ النحو عليَّ بن أبي طالب، وذكر له أن الكلام اسم وفعل وحرف، ثم إن أبا الاسود نحا نحوه وفرع على قوله، وسلك طريقه، فسُمِّي هذا العلمُ النحوَ لذلك. اهـ
وهو من علي رضي الله عنه خير لا شك فيه، ولم يسبقه إليه الخلفاء الثلاثة قبله، رضي الله عنهم جميعا.
أو قولهم في إنكار بعض وجوه الخير: [هذا أمر لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم] وما تنبهوا إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد دعا إليه في عمومات تشمله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم لأَبِي ذَرٍّ: لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا.. رواه مسلم.
كما لم يتنبهوا إلى أن الترك من النبي صلى الله عليه وسلم ليس دليل منع ولا تحريم بذاته، كما سيأتي بيانه في زاوية النظر الثانية إن شاء الله.
والمشكلة في أنهم تناولوا هذه العبارات بحرفية ضيقة تتسع فقط لما ضيقوا فيه على أنفسهم وعلى الناس، فانطلقوا يبدِّعون ويضللون جملة من أعمال الخير، كما فعلوا في قضية الزيادة في عدد ركعات التراويح.
ومن ذلك:
نهيهم عن زيارة الرجل أمواته في العيدين.
بل نهى بعضهم عن تزاور الأرحام والأصدقاء والجيران في العيدين خاصة، بدعوى أنه ليس فيه سنة!
ونهيهم عن التكبير الجماعي في العيدين.!
ونهيهم عن التلبية الجماعية في الحج والعمرة.!
ونهيهم عن الدعاء بعد الصلاة المكتوبة.!
ونهيهم عن الدعاء الجماعي في ختام مجلس علم أو مجلس ذكر أو مجلس عام.!
ونهيهم عن قراءة الفاتحة في خاتمة الدعاء، أو قراءتها عن روح الميت.
ونهيهم عن قول: صدق الله العظيم. في ختام التلاوة. وهو ثناء على الله تعالى بحق.
ونهيهم عن قول: إنك لا تخلف الميعاد. بعد دعاء الوسيلة، وهو أيضا ثناء على الله بحق.
ونهيهم عن التوسعة على الأهل يوم عاشوراء.
إلى غير ذلك.. والسلسلة تطول. وكلها من صنوف الخير المأمور بها في قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
النظر العلمي في هذه المسائل:
وبما أن القول الفصل في هذه المسائل يؤخذ من منطق العلم لا من منطق القوة ولا الهوى، وبالروية لا بالصخب ولا الشغب، وبقوة المنطق لا بمنطق القوة، فإننا ننظر إليها بعين العلم من زوايا خمس.
زاوية النظر الأولى: التأمل في آية الحج: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)} وهي التي اقتبسنا منها عنوان هذا البحث، فإن الله تعالى أمر فيها بثلاث درجات من القربات:
الأولى خاصة: وهي الصلوات المكتوبات المشار إليها بقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} والصلوات المكتوبات عمود الإسلام وعماده، ولذلك خُصَّتْ بالذكر وقُدِّمتْ.
الثانية عامة: وإليها الإشارة بقوله: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} ويدخل فيها سائر الْعِبَادَات التي أَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ بِها في نصوص تخصها، كالصِّيَامِ وَالْحَجِّ والزكاة..
الثالثة أعم: وإليها الإشارة بقوله: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ويدخل فيه كل خير وبر من محاسن الأقوال والأفعال والأخلاق، مما عرفه الناس من قبل، ومما يَجِدُّ لهم في المستقبل.
بل إن كثيرا من ذلك الأعم يدخل تحت دليل عام، كالأمر بالإحسان، أو بالإنفاق، أو بنوافل الصلاة والصيام، أو بصلة الأرحام، أو بالإحسان إلى الجيران، أو العفو عن المسيء، أو توقير أهل السن والفضل، أو الأمر بذكر الله، وبالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم.
فإن الزيادة في ركعات التراويح التي أنكروها: تدخل تحت الآية الخاتمة من سورة المزمل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
وقد تواطأت كلمة عموم المفسرين على أن المعنى: صلوا ما تيسر من قيام الليل. وعبّر عن صلاة الليل بالقراءة، لأن القراءة من لوازمها، كما عبر عن القراءة بالصلاة في آية الإسراء: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} أي: بقراءتك في صلاة الليل.
فمن تيسر له القيام بإحدى عشرة ركعة، أو بثلاث عشرة، أو بثلاث وعشرين، أو بتسع وثلاثين.. فكله داخل في قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} التي أكدها الحق سبحانه في نفس الآية فقال: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}
ثم في نفس الآية أكد سبحانه الترغيب في الاستزادة من كل خير فقال: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} فهي تحض على قيام الليل بخصوصه، وعلى الخير بعمومه.
ولا أحسب أنّ أحدا يستطيع أن يحصي مفردات الخير التي تدخل تحت هذه الجملة القرآنية، فضلا عن أنْ يدعيَ أحدٌ أن كل ما يدخل تحتها من الخير قد فعله بذاته النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وأما الترضي عن العشرة: فداخل في عموم الآية المائة من التوبة: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}
ومَن أولى بوصف السابقين الأولين من العشرة المبشرين؟ رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين
وأما الاجتماع على الذكر: فدليله عموم قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} [الأحزاب] والآيات التي في معناها.
وعموم حديث الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا الحديث.. وفي آخره: أن الله يقول للملائكة: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. فَيَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ.) والأحاديث التي في معناه.
وفي صحيح مسلم عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ.
وفي صحيح مسلم أيضا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلاَمِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلاَئِكَةَ.
وأما قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فإن إنكارها هو المنكر، لأن فضل قراءتها ثابت في صحيح السنة، وفي الليل خاصة.
فقد روى البخاري مِنْ حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ومسلمٌ مِنْ حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
ولاحِظْ دلالة الحديث على فضل قراءة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الليل خاصة. فكيف إذا كانت الليلة من ليالي رمضان؟!
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أقر وزكَّى زيادة تلك السورة العظيمة الشأن، في الصلاة المفروضة، وذلك في واقعتين ثابتتين في الصحيح، على نحو لا نعلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم فعَله سابقا ولا لاحقا.
الواقعة الأولى: في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ.
الثانية: في صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يُقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى! فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى. فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ.
أفيصح بعد هذا لذي علم، أن ينكر على مسلم قراءة سورة الإخلاص في ليل أو نهار؟
أحْسَبُ أن هؤلاء المنكرين لو كان عندهم علم بهذه الأحاديث، لما أنكروا على أهل "قل هو الله أحد" بل لغبطوهم على ما هم فيه من الخير. ولكن الإنسان عدو ما يجهل.
وأما نهيهم عن التكبير الجماعي في العيدين: فإنه أمر عجيب حقا، لأنه تكليف ما يشق، ولا دليل عليه، بل الدليل ضدُّه.
فأما أنه تكليف ما يشق، فلأنه لا شك أن الجهر بالتكبير مشروع، وإذا كانت صيغة التكبير واحدة، وكان الجهر بها مشروعا، فإن الأمر التلقائي أن الجماعة الذين في المسجد أو في المصلى سيكبرون جماعة بصوت واحد، ولو كلفتهم انفراد كل واحد منهم بالتكبير جهرا لكلفتهم عنتا، ولأفضى بهم ذلك إلى ترك سنة الجهر بالتكبير لا محالة، أوترك سنة التكبير من أصلها.
وقد روى الطبراني في معجميه الصغير والأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زينوا أعيادكم بالتكبير.
وقد شهدت بنفسي قبل نحو ثلاثة عقود، أحد مساجد العيد، والناس يكبرون في المسجد جماعة بانتظار دخول وقت صلاة العيد، في مشهد يبهج النفس ويشرح الصدر، فقام من وسط الناس شاب متغضب متشنج وصاح بلهجة زاجرة: [التكبير الجماعي بدعة، كل واحد يكبر لنفسه.]
وأذعن الناس، وكأن محدثهم مبلِّغٌ عن الله وحيا جديدا، وخَفَتَ التكبير، وتلاشت تلك الزينة التي كانت تزين تلك الساعة من يوم العيد.
ولا أرى ذلك الشاب إلا صادا عن الخير، وإن كان يظن أنه يحسن صنعا.
وأما أن النهي لا دليل عليه، بل الدليل ضدُّه. فلأن البخاري قال في أبواب كتاب العيدين من صحيحه: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.
قال الحافظ عند شرحه لهذا الأثر في فتح الباري: وَقَوْلُهُ "تَرْتَجّ" أَيْ: تَضْطَرِبُ وَتَتَحَرَّكُ، وَهِيَ مُبَالَغَةٌ فِي اِجْتِمَاعِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ. اهـ
وقال البخاري أيضا: وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ.
قلت: والمراد بالمسجد هنا: مسجد المدينة، لأن أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ الخليفة الأموي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
قال الامام الشافعي في كتاب الأم (1/ 231): فإذا رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يُكَبِّرَ الناس "جَمَاعَةً وَفُرَادَى" في الْمَسْجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ وَالْمَنَازِلِ، وَمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ، في كل حَالٍ وَأَيْنَ كَانُوا، وَأَنْ يُظْهِرُوا التَّكْبِيرَ. اهـ
وقال أيضا في كتاب الأم(1/ 241) عن التكبير المقيد في الأضحى: وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ خَلْفَ صَلَاةِ الظُّهْرِ من يَوْمِ النَّحْرِ إلَى أَنْ يُصَلُّوا الصُّبْحَ من آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَقْطَعُونَ التَّكْبِيرَ إذَا كَبَّرُوا خَلْفَ صَلَاةِ الصُّبْحِ من آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ إمَامُهُمْ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ "فَيُكَبِّرُونَ مَعًا وَمُتَفَرِّقِينَ" لَيْلًا وَنَهَارًا وفي كل هذه الْأَحْوَالِ. اهـ
فلست أدري كيف يسوغ لطالب علم شرعي أن ينهى عن التكبير الجماعي في العيدين ويبدِّعه، مخالفا كل هذه الآثار الصريحة باستحبابه، وليس بمجرد إباحته.
بل أقول: لا وجود لهذا النهي المزعوم عن التكبير الجماعي في العيدين، ولا عن التلبية الجماعية في الحج والعمرة.. في شيء من كتب المصنفين في فقه الأحكام من كل المذاهب عبر كل قرون الإسلام، بل نصوصهم على خلافه.
قال ابن قدامة في "المغني": يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ إظْهَارُ التَّكْبِيرِ فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَطُرُقِهِمْ، مُسَافِرِينَ كَانُوا أَوْ مُقِيمِينَ.. وَمَعْنَى إظْهَارِ التَّكْبِيرِ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ، وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَتَذْكِيرِ الْغَيْرِ، وَكَانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. اهـ
وللحديث إن شاء الله صلة.
والله أعلم.
وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في الثامن عشر من شهر الله المحرم، لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 13/7/202
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


