زاوية النظر الخامسة: أعمال عبادية محدثة يفعلها المبَدِّعون أنفسهم:
وفي هذه المرحلة الأخيرة من هذا البحث، نقف على التباين الصارخ بين التنظير وبين التطبيق، عند الإخوة المولعين بالتبديع والتضليل والصد عن وجوه من الخير بناء عليه.
وفي هذا التباين تصديق وتحقيق لقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ.) رواه البخاري.
وكم سمعنا عمن يحظرون على أهل الميت الجلوس لاستقبال المعزين، وينهون المعزين عن حضور مجالس التعزية!
ثم رأينا من رؤسائهم من ينصب السرادق لاستقبال المعزين! كما رأينا من رؤسائهم من يغشى ذلك السرادق!
وكم سمعنا عمن يتكلفون نهي الناس عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، ويُلِحّون على ذلك النهي، بناءً على فهم معلول لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا)
ثم نجد هؤلاء أنفسهم، الذين طالما أثَّموا المسلمين بشد الرحال إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو زيارة قبور الصالحين، أو قبور الوالدين.. يشُدُّون الرحال إلى عيادة عالم في مرضه، أو إلى حضور جنازته، أو يشدون الرحال لزيارة العلماء والصلحاء، أو لطلب العلم، أو حضور حفلات الأعراس، أو حفلات التخرج.. بلا تأثم ولا تحرج!
ولسنا بحمد الله ممن ينكر شيئا من ذلك، فإن شد الرحال إلى زيارة قبور الأنبياء والصلحاء، أو إلى عيادة المرضى أو تشييع الجنائز أو حضور الولائم والمناسبات.. ليس داخلا في النهي أصلا، ولا هو مما يتناوله الحديث بمنطوقه ولا مفهومه، لأن المذكورات ليست من المساجد، والحديث واردٌ في المساجد.
قال الحافظ ابن حجر عن شرح هذا الحديث في فتح الباري: قَالَ بَعْض اَلْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُهُ: "إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ" اَلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوف، فَإِمَّا أَنْ يُقَدِّرَ عَامًّا فَيَصِيرَ: لَا تُشَدّ اَلرِّحَال إِلَى مَكَانٍ فِي أَيِّ أَمْرٍ كَانَ إِلَّا إِلَى اَلثَّلَاثَةِ، أَوْ أَخَصّ مِنْ ذَلِكَ. ولَا سَبِيلَ إِلَى اَلْأَوَّلِ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ بَابِ اَلسَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَصِلَةِ اَلرَّحِمِ وَطَلَبِ اَلْعِلْمِ وَغَيْرهَا، فَتَعَيَّنَ اَلثَّانِي، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَة وَهُوَ: لَا تُشَدّ اَلرِّحَال إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا إِلَى اَلثَّلَاثَةِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْل مَنْ مَنَعَ شَدَّ اَلرِّحَال إِلَى زِيَارَةِ اَلْقَبْرِ اَلشَّرِيفِ وَغَيْره مِنْ قُبُورِ اَلصَّالِحِينَ. وَاَللَّه أَعْلَمُ. اهـ انظر فتح الباري لابن حجر- دار المعرفة (3/ 66)
وقال النووي عند هذا الحديث في شرحه على صحيح مسلم: وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضِيلَة هَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة، وَفَضِيلَة شَدّ الرِّحَال إِلَيْهَا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء: لَا فَضِيلَة فِي شَدّ الرِّحَال إِلَى مَسْجِد غَيْرهَا. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا: يَحْرُم شَدّ الرِّحَال إِلَى غَيْرهَا وَهُوَ غَلَط. اهـ انظر شرح النووي على مسلم (9/ 168)
وقال النووي في موضع آخر: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي شَدّ الرِّحَال وَإِعْمَال الْمَطِيّ إِلَى غَيْر الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة كَالذَّهَابِ إِلَى قُبُور الصَّالِحِينَ، وَإِلَى الْمَوَاضِع الْفَاضِلَة وَنَحْو ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا: هُوَ حَرَام، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاض إِلَى اِخْتِيَاره، وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا - وَهُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ - أَنَّهُ لَا يَحْرُم وَلَا يُكْرَه. قَالُوا: وَالْمُرَاد أَنَّ الْفَضِيلَة التَّامَّة إِنَّمَا هِيَ فِي شَدّ الرِّحَال إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَة خَاصَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ انظر شرح النووي على مسلم (9/ 106)
وأيضا، فإن أهل التبديع والتضليل في مستحدثات العبادات لا نجدهم يتحرجون ولا يُحرِّجون على الناس عودتهم إلى المساجد بعد منتصف الليل لصلاة القيام في ليالي العشر الأواخر من رمضان، مع أنه ليس في تلك الطريقة بذاتها سنة!
ولا يتحرجون من ختم القرآن في التراويح. وليس في ذلك سنة!
ولا يتحرجون من دعاء الختم في نفس صلاة قيام رمضان، وليس في ذلك سنة! وإنما فعله سلف صالحون، فتابعهم الناس على هذا الخير عبر القرون من غير غضاضة.
قال ابن قدامة في المغني، عند الكلام على ختم القرآن في قيام رمضان: وَقَالَ حَنْبَلٌ [وهو حنبل بن إسحاق، ابن عم الإمام أحمد، وتلميذه]: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ: إذَا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} فَارْفَعْ يَدَيْكَ فِي الدُّعَاءِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. قُلْت: إلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْت أَهْلَ مَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُهُ مَعَهُمْ بِمَكَّةَ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ: وَكَذَلِكَ أَدْرَكْنَا النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ وَبِمَكَّةَ. وَيَرْوِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا شَيْئًا، وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. اهـ
وأيضا، فإننا لا نرى عند المولعين بالتبديع تحرجا من اتخاذ المحاريب في المساجد، ولا من رفع المنائر عليها، ولا من تخطيط صفوف الصلاة، ولا من اتخاذ مكبرات الصوت للأذان والإقامة والصلاة، ولا من تحديد مواقيت الصلوات الخمس بالساعة المستحدثة، بدل تحديدها بطلوع الفجر الصادق في الصبح، وزوال الشمس في الظهر، وبصيرورة ظل الشاخص مثله بعد ظل الزوال، في العصر، وغروب الشمس في المغرب، وغياب الشفق الأحمر في العشاء!
وليس في شيء من ذلك سنة، فما كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك، ولا كان فيه فجوة للمحراب في قبلته، ولا منارة شامخة في سمائه، لا في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الراشدين من بعده!
وأول من اتخذ المحراب في المسجد هو الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي أمر في خلافته بتوسعة المسجد النبوي الشريف، فكان من أعمال التوسعة استحداث فجوة المحراب في وسط جدار القبلة.
ومضى الناس على ذلك في عموم مساجد الدنيا عبر التاريخ، من غير نكير من العلماء ولا من الأمراء!
وأيضا فإن من مظاهر التباين بين التنظير والتطبيق: اغتباط المبدِّعين بتداول المصحف الشريف مجموعا منقوطا مشكولا محزَّبا مزخرفا.. وكلنا بذلك مغتبط، ولم تكن الطباعة ولا النقط ولا التشكيل ولا التحزيب ولا الزخرفة ولا حتى جمع القرآن في مصحف.. لم يكن شيء من ذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم!
فيا أيها الإخوة الذين يُظهرون الحرص على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، واجتناب المحدثات في الدين، لا يَبْلُغنّ بكم الغلوُّ في ذلك أن تنهَوُا الناس عن الطاعات وتصدوهم عن وجوه من الخير..
وتذكَّروا أن الذي نهى عن المحدثات في الدين، هو نفسه فدته نفسي صلى الله عليه وسلم، القائل: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ.
وهو صلى الله عليه وسلم الذي نهى عن الغلو في الدين، فقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ. رواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ.
وفي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. قَالَهَا ثَلاَثًا.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: المتنطعون: جمع متنطع وهو المبالغ في الأمر قولا وفعلا. اهـ
والله أعلم.
والحمد لله في البدء والختام.
وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في السادس والعشرين من شهر الله المحرم، لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 21/7/2025
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


