بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله ومصطفاه، وبعد:
فهذا بحث قدَّمت أكثره في سلسلة من خطب الجمعة بهذا العنوان، كانت الحلقة الأولى منها في خطبة الجمعة الأخيرة من رمضان من عام 1446 من الهجرة الشريفة.
وكان الباعث على تناول هذه القضية ظاهرة النهي باسم الشريعة، عن الاجتهاد بالزيادة في ركعات التراويح والقيام في ليالي العشر الأواخر من رمضان، بدعوى أن هذا ابتداع وضلالة.
واعجب ما وسعك العجب من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة باسم الشريعة، في أشرف الليالي التي تظاهرت الأخبار الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيها في الصلاة ما لا يجتهد في غيرها.
وكان لا بد من هذه المقدمة ليعلم القارئ البواعث الواقعية والملابسات الزمانية التي قيل فيها الكلام الذي في هذا البحث. وفيه أقول:
------
العنوان مقتبس من قوله تعالى في سورة الحج: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)}
وقد حفزني إلى الكلام تحت هذا العنوان، أننا نعيش أيام الليالي العشر الأخيرة من رمضان، حيث يُندب الجِد والاجتهاد في القيام والقرآن والإحسان، اتباعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قَالَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رواه مسلم
وفي الصحيحين عنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
وفي الصحيحين عَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
ومع كل هذه المحفِّزات في الهدي النبوي، إلى الاجتهاد في قيام وإحياء هذه الليالي المباركات، فإن في المسلمين المحسوبين على العلم الشرعي، مَن يُثبطون الناس عن ذلك، ويحرمونهم من هذا الخير، بذريعة اتباع السنة، والسنة من فعلهم براء.
فإن من المؤلم حقا أن هناك بدعة أصبحت تتسع وتنتشر في المساجد، على خلاف عمل الناس من قبل، فإن الناس كانوا يُصلون التراويح والوتر مع الأئمة في الليالي العشرين الأولى بإحدى عشرة ركعة، وبعضهم بإحدى وعشرين، فإذا دخلت العشر، صلى بهم الأئمة التراويح كالمعتاد، ثم واعدهم ساعة من الليل للقيام بثمان أخرى يطيلون فيها القراءة والركوع والسجود، ثم يوترون بثلاث..
ولكن البدعة التي جعلت تنتشر في المساجد بأخَرة، أنه إذا دخلت الليالي العشر، وأقبل الناس متحفزين للزيادة في القيام اغتناما للخير واتباعا للهدي النبوي، فإنهم يفاجَؤون بإمامهم يصلي بهم التراويح صلاة خفيفة كالمعتاد، ثم يلتفت إليهم بعد الركعة الرابعة معلنا انتهاء التراويح، ويواعدهم ساعة معينة لصلاة القيام.
فإذا جاؤوا للقيام في ميعاده، صلى بهم أربعا أخرى قريبة من المعتاد في خفتها، ثم أوتر بهم، ليخرجوا من العشر ولا حظَّ لهم من طول قيام ولا جِد ولا اجتهاد. كل ما في الأمر أنه جعل الثمانية على دفعتين، تحاشيا عن الزيادة على الثمان، وكأن الزيادة مأثم!
مع أن صلاة الليل من أعظم وأفضل وجوه الخير قربة وأجرا، والحق سبحانه يقول: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
فأين إذن ما تقدم في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم كان إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ؟ وأنه كَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.؟
وجوابهم الذي لا ينتهي العجب من سطحيته: أنهم يريدون بذلك اتباع السنة واجتناب البدعة في عدد الركعات، عملا - بزعمهم - بحديث عَائِشَةَ في الصحيحين: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
وهي شبهة تجوز على العوام، وعلى كل من اكتفى من العلم بقشوره، ويغتبط بها من يبحث عن الراحة مكتفيا بقيام ليل رمضاني لا يستغرق من الوقت إلا يسيرا.
والجواب على تلك الشبهة من أربعة أوجه:
الوجه الأول: نقول لهم: فهلا أتممتم حديث عائشة! فإن فيه: (يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا).
فما بالكم حرَصتم على اتباع السنة في عدد ركعات القيام دون صفة تلك الركعات؟!
فإن اتباع السنة في العدد ليس بأولى من اتباعها في الصفة. فلا يصح الانتقاء في ذلك بالتشهي والهوى.
فهلا إذ قصَّرتم في صفة الركعات وطولها، جبرتم ذلك بزيادة عدد ركعاتها!
الوجه الثاني: أنه قد صح أيضا الحديث عن عائشة وابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم قام بثلاثَ عشرةَ ركعة، فما بالكم تختارون الأقل مما صح؟
ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.. الحديث..
الوجه الثالث: أنَّ قيامه صلى الله عليه وسلم في بعض الليالي بإحدى عشرة، وفي بعضها بثلاث عشرة، دليل على أنه لا تحديد في العدد، ولا نهي عن الزيادة، لأن الصلاة معدودة من وجوه الخير بلا شك. والشريعة لا تنهى عن فعل الخير.
نقل النووي في شرح صحيح مسلم عن الْقَاضِي عياض قال: وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدّ لَا يُزَاد عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُص مِنْهُ، وَأَنَّ صَلَاة اللَّيْل مِنْ الطَّاعَات الَّتِي كُلَّمَا زَادَ فِيهَا زَادَ الْأَجْر. اهـ
ولاحظوا قول القاضي: "وَلَا خِلَاف" لتعلموا أن الناهين عن الزيادة في قيام الليل مخالفون لما لا خلاف فيه عند سلف الأمة علما وعملا.
وفي مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ أنه سأل رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصَّلَاة؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرٌ مَوْضُوعٌ، فَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ وَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ.
فإذا عرفنا أن نافلة الصلاة من الخير، فإنه لا نهي عن فعل الخير، بل قد جاء الأمر به في قوله تعالى في آية الحج المتقدمة: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
الوجه الرابع: أن العلماء عبر الأجيال، من لدن عهد الراشدين، لم يفهموا من حديث عائشة تحديدا لازما في عدد الركعات، ويرون أن العبرة بمدة القيام، لا بعدد الركعات.
فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما جمع الناس في التراويح على أبي بن كعب، لم يُلزمهم بعدد معين من الركعات، وإنما كانوا يطيلون الصلاة، ويقرأ إمامهم بالمائتين من الآيات في الركعة الواحدة، وكانوا يقومون على العصي من طول القيام، كما رواه مالك في الموطأ، حتى إذا اقترب الفجر أوتر بهم، ثم ينصرفون للسحور.
وقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري أقوالا في عدد الركعات التي كان يقوم بها أُبَيُّ بن كعب في الناس في عهد عمر، منها: أنها إحدى عشرة. ومنها أنها ثلاث عشرة. ومنها أنها إحدى وعشرون. ومنها أنها ثلاث وعشرون، وهو المشهور.
ثم قال الحافظ: والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات، وبالعكس. اهـ
أقول: فأين تلمس أو تشمُّ في هذا الكلام، النهيَ عن الزياد في عدد ركعات قيام رمضان؟
والمختار عند الإمام أحمد أن يكون عدد ركعات قيام رمضان ثلاثا وعشرين، كما نقله ابن قدامة في المغني، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي، عملا بالمشهور من صلاة أبَيّ بن كعب في عهد عمر. رضي الله عنهما.
أما الإمام مالك فذهب إلى أنها تسع وثلاثون ركعة، احتجاجا منه بعمل أهل المدينة، فقد كانوا يُصَلّون ستا وثلاثين، ثم يوترون بثلاث.
جاء في المغني لابن قدامة: إنَّمَا فَعَلَ هَذَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا مُسَاوَاةَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَطُوفُونَ سَبْعًا بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَكَانَ كُلِّ سَبْعٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. اهـ
ونقل الحافظ في فتح الباري، عن الشافعي قال: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق. وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقَلُّوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخَفُّوا القراءة فحسن، والأول أحب إليَّ. اهـ
فقارنوا رحمكم الله، بين ذلك العلم النقي والفهم الراقي، وبين هذه السطحية الساذجة التي نشهدها اليوم من بعض المنتسبين إلى العلم، التي أفضت بهم إلى تثبيط الناس عن الخير، ليس في قيام رمضان فحسب، بل في ميادين شتى كما سنرى إن شاء الله تعالى في ثنايا هذا البحث.
وأرى أن تناول هذا البحث قد أصبح من الأهمية بمكان، في هذه الأيام التي أكثر فيها بعض المتعجلين في الفهم، المقلين في العلم، من الصد عن كثير من وجوه الخير القولية والعملية، بذريعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعلها، فهي عندهم بدعة وضلالة.
ولو كانت القضية محصورة في ميدان تدارس العلم وتبادل الرأي ومقابلة الأدلة، لهان الخطب؛ ولكن المشكلة أن الصد عن الخير صار يُفرض بالقوة أحيانا، من قِبَل بعض من يملك القوة.
وقائع مؤسفة:
وقد تناقلت وسائل التواصل في رمضان المنصرم 1446 هـ، بالصوت والصورة، بعض الوقائع المؤسفة، في بعض مساجد المدن الشامية.
من تلك الوقائع: مجموعة من الشباب الذين يَصدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم للخوارج في حديث الصحيحين: (حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام) دخلوا بالسلاح مسجدا يصلي فيه أهله التراويح عشرين ركعة.. ويترَضَّون عن أحد الصحابة العشرة المبشَّرين بالجنة بعد كل تسليمة، يستعينون بذلك على ضبط عدد الركعات، ويقرؤون جماعة سورة (قل هو الله أحد) في كل ترويحة، ليشغلوا استراحتهم بالذكر.
فما كان من هؤلاء السفهاء إلا أن أنكروا على أهل المسجد بفظاظة، وأثاروا الشغب، ورموا الجماعة بالبدعة، وسبوهم سبا قبيحا، بذريعة أن عدد الركعات العشرين، والترضي عن العشرة، وقراءة سورة الإخلاص.. كل ذلك بدعة وضلالة.
وتعطلت الصلاة، وأغلق المسجد بالقوة، وارتفعت الأصوات خارجه، وأطلق المسلحون النار في الهواء ترويعا للناس ليتفرقوا.!
وفي واقعة أخرى: كان جماعة من الناس يحيون إحدى ليالي العشر الأواخر من رمضان بمجلس ذكر في أحد مساجد الحواضر الشامية، حصَلوا فيه على ترخيص من الجهات الرسمية، فجعلوا يذكرون الله قياما على هيئة أنكرها بعض من رآها، فتداعى إليهم ثلة من سفهاء الأحلام، ودخلوا عليهم بالعصي والسياط، واعتدوا عليهم بالضرب والسب، وأثاروا الشغب داخل المسجد، وفضوا مجلس الذكر، وأخرجوا الذاكرين بالقوة. وإلى الله المشتكى.
وللحديث إن شاء الله صلة.
والله أعلم.
وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور.
في السابع عشر من شهر الله المحرم لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 12/7/2025
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


