معاذ عبد المؤمن النشيواتي
أشرقت شمس هذا اليوم بشكل آخر غير الذي أعرفه،
أخبرتني برسالة وصلت قبل الثمان دقائق التي تستغرق فيها أشعتها عادة للوصول للأرض.
كان مفاد هذه الرسالة"لقد أتتمت واحدا وعشرين خريفا".ً
قلت في نفسي:خريفاً...؟!!
نعم،هو ذلك الصوت الذي وصلني من الخلف،أو من الأمام،أو ربما نزل من السماء .. لكن بالتأكيد كنت مؤمنا به،ومن أعماق ذاتي سمعت ذلك الصوت يكمل:"بادر،لم يعد هناك وقت للراحة"...
واحد وعشرون عاما،من التغني بحب الوطن،والعمل لرفعة الوطن،والشوق للوطن الذي لم أحظ به خلال هذه المدة إلا مائة وعشرين يوما...مرت كالواحد والعشرين،بل أسرع..!
فعلا،هي واحد وعشرون خريفا،فأنا في منتصف تشرين الجاف خرجت،ذابلا كأوراقه،هكذا أخبرتني أمي،ولكنها أيضا أخبرتني أن بعد الخريف شتاء،يعقبه ربيع...سنة كونية،الحاصل أن الربيع لم يأتِ بعد،أو أنه وصل الآن..
نعم،واحد وعشرون خريفا،تخللها ربيعان،أو شبههما،ومئات من الفصول الملتهبة، التي كادت تذيب معالم التحدي والإصرار والعزيمة،والتي ما زالت تنعم ببرود لا مثيل له،أخشى أن أوقظها،ومثلها من الأيام الباردة،الجليدية،كانت تحمل معها الكثير من الرياح العاتية،وسيولا تقودني إلى حيث شاءت...كنت أبحث من خلالها عن الدفء،عن الحرارة واللهب الذي كان يتقد في نفوس من صنعوا لنا مجدا أضعناه،في فصل الخريف..!
صوت آخر من الأعماق،انبعث مع تكبيرة المؤذن:ها هم المُجدون،استيقظوا قبل أن تستيقظ الشمس،صنعوا الربيع بأيديهم،ولم يتركوا للخريف مجالا للوجود في رزنامتهم السنوية،تجاهلوه عمدا أو قصدا،فأضحت أيامهم مزهرة.
رسالة ثالثة،لكنها الآن من الإمام،يتلوا: ((وقل اعملوا...))الآية،هذه الآية كانت نقطة يجب التوقف عندها،نعم،يجب أن نعمل،وإلا سيستمر الذبول،والتساقط،والجفاف،وسنموت عطشى،لكل شيء...وسيكتب على شواهدنا:"ولدوا وماتو ولم تسقَ أرضهم،إلا بدموع التباكي".. !
سأعمل من اليوم،ليكون "تشريني"ربيعا،وإن خالفت الفلكيين والمنجمين والمهتمين بالأبراج،ألم نتعلم يوما أنهم منجمون،يخطئون ويصيبون،إذا فليبق خريفا عندهم،وليكن ربيعا عندي...ولأمتي التي آمل أن أساهم يوما في نهوضها،أو على الأقل،منعها من التراجع.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


