هل هناك دار إسلام ودار حرب ؟

هل هناك دار إسلام ودار حرب ؟

التصنيف: ركن الشباب
الأربعاء، ٥ جمادى الآخرة ١٤٣٦ هـ - ٢٥ آذار ٢٠١٥
1187

 

كان المقصود من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب هو تنزيل أحكام شرعية معينة على واقع كان هذا التقسيم يُسهِّل هذا التنزيلُ عليه ، كحكم البيعة للخليفة المسلم وحقوقه وواجباته ، وكأحكام الجهاد وما يجري مجراه كالجزية ، وكحكم الهجرة من البلد أو إليه ، ونحو ذلك من الأحكام .

 

فكان هذا التقسيم إلى دار إسلام ودار حرب مما يعين على تنزيل تلك الأحكام على هذا الواقع .

 

ولما تغير هذا الواقع ، أو برز إشكاله على الأحكام : جاء شيخ الإسلام ابن تيمية ، واخترع حالة وسطا لذلك الواقع المتجدد ، وهي حالة البلد الذي ليس بلد إسلام صرفا ولا بلد حرب صرفا ، وذلك في فتواه الماردينية الشهيرة .

 

والحقيقة أن هذا التقسيم لا حاجة له أصلا ، لا الثنائي القديم ، ولا الثلاثي المستحدث ؛ لأنه لم يُنص عليه في الكتاب والسنة ، وإنما هو اجتهاد من العلماء .

 

ولو كانت لهذا التقسيم قداسة الوحي الثابت لما اضطرنا الواقعُ إلى اكتشاف عدم صحة تناوله لصور بلدان العالم الإسلامي ( كما في بلد ماردين قديما ، وكما في واقعنا المعاصر) ، ولو كانت له قداسة لما خالفه شيخ الإسلام ابن تيمية بزيادة الصورة الجديدة التي أضافها .

 

والصحيح أن يكون الحكم على البلدان مجزأ ، بحسب حالها وحال المسلم الخاص .

 

فمثلا : رب بلد إسلامي تجب فيه الهجرة على أحد أفراد شعبه أوبعضهم ، إذا تعرضوا لاضطهاد جائر يمنعهم من القيام بشعائر دينهم . مما يعني أن الهجرة ليس خاصا وجوبها ببلاد الكفر .

 

ورب بلد حاكمه كافر ، لكن غالبيته مسلمون ، وشعائر الإسلام فيه ظاهرة ، كما قد يحصل في ظل النظام الديموقراطي الحديث ، ولا يكون للحاكم سلطة مطلقة ، مادام محكوما بمجلس النواب ( البرلمان ) وبقوانين ودساتير ، كما أنه ليس حاكما دائما ، وإنما هو حاكم مؤقت . فمثل هذا البلد لا يمكن أن يُقاتَل بحجة كفر الحاكم ، ولا أن تُفرض الجزية عليه ، ولا تجب الهجرة منه .

 

وفي ظل المعاهدات الدولية لم تعد هناك دولة حربية ؛ إلا دولة بيننا وبينها عداء خاص أو لها علينا عدوان خاص باحتلال واغتصاب .

 

وفي ظل الدول القطرية ، لم يعد هناك خليفة عام للمسلمين تجب طاعته والخضوع له ، وإنما هناك حاكم قطري ، تجب طاعة أنظمة بلده الذي يحكمه ، ومنها طاعته فيما له من صلاحيات يحددها النظام (مما لا معصية لله فيه) ، وهي طاعة واجبة على جميع أفراد شعبه وعلى من دخل بلده من غير شعبه .

 

ولذلك قلت : إننا لم نعد في حاجة إذن إلى فكرة تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب ، و إنما نحن في حاجة إلى معرفة الأحكام التي قادت إلى هذا التقسيم ، ومحاولة تنزيل تلك الأحكام على الواقع ، بحسب ما يليق به شرعا .

 

وكمثال آخر لذلك : لن نكون بحاجة للحديث المطول عن جهاد الطلب مثلا ؛

 

- لا لأننا عاجزون عن جهاد الدفع ، فكيف بجهاد الطلب ؟! بدليل احتلال العدو الصهيوني لقلب عالمنا الإسلامي منذ نحو مائة عام ، دون أن نحرك ساكنا !! لا لذلك فقط .

 

- ولا لأننا لم نعد للجهاد عُدته ، وهي القوة التي ترهب عدو الله وعدونا . وهي بلغة العصر : القوة العلمية والتقنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والإعلامية ؛ لأنها هي القوة التي تجعلنا أمة لها هيبتها بين الأمم . لا لذلك أيضا فقط .

 

= بل لأن جهاد الطلب فُرض لتبليغ شرع الله ، وما دمنا قادرين على البلاغ بدونه ، فلا داعي لإراقة دماء المسلمين المحرمة ، مع إمكاننا القيام بما وجبت إراقتها لأجله ، دون إراقتها .

 

أما الحرب الوقائية والاستباقية ، فإن كانت هي جهاد الطلب ، فهي حرب مشروعة عند منتقدي فكرة جهاد الطلب في الغرب ومن تأثر بهم ، فكيف لا تكون مشروعة عندنا ؟! لكنها تحتاج إعداد قوة تقدر على القيام بتلك الحرب الاستباقية .

 

وبذلك تنحل مشكلة جهاد الطلب ، ومشكلة افتئات شرذمة من الأمة على الأمة به .

 

ولقد كنت أسير ذلك التقسيم الشهير للعالم إلى دار إسلام ودار حرب غالب حياتي العلمية ، وكان استئساري له معيقا لتنزيل الحكم الشرعي على كثير من صور العصر الحديث ، حتى حاكمت التقسيم لأدلته ، ولواقع لا ينسجم معه ، فعلمت أن استمرار التقيد به لا يحقق للفقيه تنزيل الحكم على واقعه ، بل يجعل أحكامه لا علاقة لها بمراد الله تعالى فيه .

 

وصرت إذا سألني سائل عن ضابط دار الإسلام ودار الحرب ؟ أقول له : مضى زمن هذا التقسيم ، وصار عليك أن تسأل :

 

- من هو الحاكم الذي تلزم طاعته في المعروف .

 

- ما هو البلد الذي تجب أو لا تجب الهجرة منه ؟

 

- ما هو البلد الذي يجوز قتاله أو يجب قتاله ؟

 

- إذا قوي المسلمون وعادت لهم عزتهم وتركوا أن يدفعوا هم (الجزية) لغير المسلمين باسم اتفاقيات أمنية وصفقات عسكرية وتجارية ومشتريات استهلاكية ! ما هو البلد الذي يجب أن يدفع لهم مثل هذه الجزية ، تعبيرا عن خضوعه لدولة الإسلام ، ذلك الخضوع الذي يسمونه صداقة !!

 

نعم .. لم نعد بحاجة إلى ذلك التقسيم ، الذي ورط بعض أبناء المسلمين في عثرات مالها من مقيل ، وورطوا معهم العالم الإسلامي كله : باسم الجهاد تارة ، وباسم التكفير أخرى ، وباسم الهجرة مرة ، وباسم أنه لا طاعة لحاكم غير الخليفة الذي بويع بالخلافة على شروطه تامة !

 

إننا نعيش واقعا مختلفا تماما عن واقع تقريرات فقهنا السابق ، فلا داعي للغياب في واقع لم يعد موجودا ، مع أننا قادرون أن نجعل فقهنا يعيش حاضرنا !!

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...