كان المقصود من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب هو تنزيل أحكام شرعية معينة على واقع كان هذا التقسيم يُسهِّل هذا التنزيلُ عليه ، كحكم البيعة للخليفة المسلم وحقوقه وواجباته ، وكأحكام الجهاد وما يجري مجراه كالجزية ، وكحكم الهجرة من البلد أو إليه ، ونحو ذلك من الأحكام .
فكان هذا التقسيم إلى دار إسلام ودار حرب مما يعين على تنزيل تلك الأحكام على هذا الواقع .
ولما تغير هذا الواقع ، أو برز إشكاله على الأحكام : جاء شيخ الإسلام ابن تيمية ، واخترع حالة وسطا لذلك الواقع المتجدد ، وهي حالة البلد الذي ليس بلد إسلام صرفا ولا بلد حرب صرفا ، وذلك في فتواه الماردينية الشهيرة .
والحقيقة أن هذا التقسيم لا حاجة له أصلا ، لا الثنائي القديم ، ولا الثلاثي المستحدث ؛ لأنه لم يُنص عليه في الكتاب والسنة ، وإنما هو اجتهاد من العلماء .
ولو كانت لهذا التقسيم قداسة الوحي الثابت لما اضطرنا الواقعُ إلى اكتشاف عدم صحة تناوله لصور بلدان العالم الإسلامي ( كما في بلد ماردين قديما ، وكما في واقعنا المعاصر) ، ولو كانت له قداسة لما خالفه شيخ الإسلام ابن تيمية بزيادة الصورة الجديدة التي أضافها .
والصحيح أن يكون الحكم على البلدان مجزأ ، بحسب حالها وحال المسلم الخاص .
فمثلا : رب بلد إسلامي تجب فيه الهجرة على أحد أفراد شعبه أوبعضهم ، إذا تعرضوا لاضطهاد جائر يمنعهم من القيام بشعائر دينهم . مما يعني أن الهجرة ليس خاصا وجوبها ببلاد الكفر .
ورب بلد حاكمه كافر ، لكن غالبيته مسلمون ، وشعائر الإسلام فيه ظاهرة ، كما قد يحصل في ظل النظام الديموقراطي الحديث ، ولا يكون للحاكم سلطة مطلقة ، مادام محكوما بمجلس النواب ( البرلمان ) وبقوانين ودساتير ، كما أنه ليس حاكما دائما ، وإنما هو حاكم مؤقت . فمثل هذا البلد لا يمكن أن يُقاتَل بحجة كفر الحاكم ، ولا أن تُفرض الجزية عليه ، ولا تجب الهجرة منه .
وفي ظل المعاهدات الدولية لم تعد هناك دولة حربية ؛ إلا دولة بيننا وبينها عداء خاص أو لها علينا عدوان خاص باحتلال واغتصاب .
وفي ظل الدول القطرية ، لم يعد هناك خليفة عام للمسلمين تجب طاعته والخضوع له ، وإنما هناك حاكم قطري ، تجب طاعة أنظمة بلده الذي يحكمه ، ومنها طاعته فيما له من صلاحيات يحددها النظام (مما لا معصية لله فيه) ، وهي طاعة واجبة على جميع أفراد شعبه وعلى من دخل بلده من غير شعبه .
ولذلك قلت : إننا لم نعد في حاجة إذن إلى فكرة تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب ، و إنما نحن في حاجة إلى معرفة الأحكام التي قادت إلى هذا التقسيم ، ومحاولة تنزيل تلك الأحكام على الواقع ، بحسب ما يليق به شرعا .
وكمثال آخر لذلك : لن نكون بحاجة للحديث المطول عن جهاد الطلب مثلا ؛
- لا لأننا عاجزون عن جهاد الدفع ، فكيف بجهاد الطلب ؟! بدليل احتلال العدو الصهيوني لقلب عالمنا الإسلامي منذ نحو مائة عام ، دون أن نحرك ساكنا !! لا لذلك فقط .
- ولا لأننا لم نعد للجهاد عُدته ، وهي القوة التي ترهب عدو الله وعدونا . وهي بلغة العصر : القوة العلمية والتقنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والإعلامية ؛ لأنها هي القوة التي تجعلنا أمة لها هيبتها بين الأمم . لا لذلك أيضا فقط .
= بل لأن جهاد الطلب فُرض لتبليغ شرع الله ، وما دمنا قادرين على البلاغ بدونه ، فلا داعي لإراقة دماء المسلمين المحرمة ، مع إمكاننا القيام بما وجبت إراقتها لأجله ، دون إراقتها .
أما الحرب الوقائية والاستباقية ، فإن كانت هي جهاد الطلب ، فهي حرب مشروعة عند منتقدي فكرة جهاد الطلب في الغرب ومن تأثر بهم ، فكيف لا تكون مشروعة عندنا ؟! لكنها تحتاج إعداد قوة تقدر على القيام بتلك الحرب الاستباقية .
وبذلك تنحل مشكلة جهاد الطلب ، ومشكلة افتئات شرذمة من الأمة على الأمة به .
ولقد كنت أسير ذلك التقسيم الشهير للعالم إلى دار إسلام ودار حرب غالب حياتي العلمية ، وكان استئساري له معيقا لتنزيل الحكم الشرعي على كثير من صور العصر الحديث ، حتى حاكمت التقسيم لأدلته ، ولواقع لا ينسجم معه ، فعلمت أن استمرار التقيد به لا يحقق للفقيه تنزيل الحكم على واقعه ، بل يجعل أحكامه لا علاقة لها بمراد الله تعالى فيه .
وصرت إذا سألني سائل عن ضابط دار الإسلام ودار الحرب ؟ أقول له : مضى زمن هذا التقسيم ، وصار عليك أن تسأل :
- من هو الحاكم الذي تلزم طاعته في المعروف .
- ما هو البلد الذي تجب أو لا تجب الهجرة منه ؟
- ما هو البلد الذي يجوز قتاله أو يجب قتاله ؟
- إذا قوي المسلمون وعادت لهم عزتهم وتركوا أن يدفعوا هم (الجزية) لغير المسلمين باسم اتفاقيات أمنية وصفقات عسكرية وتجارية ومشتريات استهلاكية ! ما هو البلد الذي يجب أن يدفع لهم مثل هذه الجزية ، تعبيرا عن خضوعه لدولة الإسلام ، ذلك الخضوع الذي يسمونه صداقة !!
نعم .. لم نعد بحاجة إلى ذلك التقسيم ، الذي ورط بعض أبناء المسلمين في عثرات مالها من مقيل ، وورطوا معهم العالم الإسلامي كله : باسم الجهاد تارة ، وباسم التكفير أخرى ، وباسم الهجرة مرة ، وباسم أنه لا طاعة لحاكم غير الخليفة الذي بويع بالخلافة على شروطه تامة !
إننا نعيش واقعا مختلفا تماما عن واقع تقريرات فقهنا السابق ، فلا داعي للغياب في واقع لم يعد موجودا ، مع أننا قادرون أن نجعل فقهنا يعيش حاضرنا !!
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


