أوّاب إبراهيم
وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر قال في مقابلة مع قناة "CNN" إن الصراع في سوريا يتجاوز الموقف من الرئيس بشار الأسد ليصل إلى النزاع الطائفي بين السنة والشيعة، كما رأى أن الخروج الفوري للأسد من السلطة قد يؤدي إلى فوضى. أهمية كلام كيسنجر لاتتعلق فقط بأنه من بين الشخصيات الأكثر اطلاعاً على خفايا الدبلوماسية الدولية، بل بالحقائق والأدلة التي تدعم وجهة نظره وتؤيدها.
فيما يتعلق بالنزاع الطائفي في سوريا، فهذا أمر لم يعد سراً، رغم كل المحاولات التي يبذلها النظام من جانب والمعارضة السورية من جانب آخر لإخفائه وإجراء محاولات تجميلية له. فالصراع في سوريا أحد أوجهه الأساسية طائفي مقيت، وتحديداً في مواجهة الطائفة العلوية التي ينتمي إليها جميع الشخصيات النافذة في هذا النظام. أما الشخصيات التي تنتمي لطوائف أخرى كالسنّة والمسيحيين، فالعالم يدرك أن وجودهم لايتجاور ديكور شكلي. ولعلّ أحد الأسباب التي ساهمت في دمغ الصراع في سوريا بالصبغة المذهبية، هو مساندة القوى الشيعية في المنطقة للنظام في ظلمه وقتل شعبه. فالرواية التي يشيعها حزب الله بأن مساندته للنظام السوري دافعها دعم محور الممانعة والمقاومة التي يحمل لواءها النظام لا تُقنع أفراد الحزب أنفسهم فكيف بمناصريه، كما أن مشاركة ميليشيات عراقية شيعية وضباط إيرانيون في مساندة النظام في مواجهة المعارضة أكد على الوجه الطائفي للصراع في سوريا.
ما يستحق التوقف عنده في كلام هنري كسنجر هو الشق الثاني من حديثه، الذي يشير فيه أن رحيل الأسد السريع لن يحل الأزمة بل سيزيدها فوضى. يأتي كلام كيسنجر على مسافة أيام قليلة من مؤشرات تدعم هذا التحليل.
فقد أصدر رئيس هيئة أركان ميليشيات الجيش الحر سليم إدريس بياناً أعلن فيه الحرب على الكتائب الاسلامية التابعة للقاعدة في سوريا، لاسيما "الدولة الاسلامية في العراق والشام" و"جبهة النصرة" وبعض الكتائب والألوية "الجهادية" الأخرى.
من جانبه، وصف مؤسس الجيش السوري الحر العقيد رياض الأسعد في مقابلة صحفية سياسيو المعارضة السورية بالشبيحة واللصوص، واتهم الائتلاف والمجلس الوطني بمحاولة اغتياله، وأعلن ندمه لعدم الإطاحة بالمجلس الوطني وتشكيل حكومة عسكرية.
الخلافات بين المعارضة ليست جديدة، والتباينات فيما بينها لم تعد خافية على أحد، وهي أدت في كثير من المحطات إلى مواجهات مسلحة لتنازع مناطق النفوذ في المناطق المحررة في سوريا، لاسيما بين القوى الإسلامية المتشددة والقوى الأخرى المنضوية تحت راية "الجيش السوري الحر". في حين يجهد النظام لتأجيج هذه الخلافات من خلال جواسيسه المندسين في صفوف المعارضة. هذه التباينات بين الفصائل المجاهدة على الأرض أوجدت فجوة بينها وبين التشكيلات السياسية التي تمثلها خارج سوريا. فبات لكل فصيل مرجعيته، وإذا التزم فصيل بموقف ربما لاتلتزم الفصائل الأخرى به، مما أضعف موقف المعارضة، ودفع المجتمع الدولي للاستمهال في دعمها وترجيح كفتها. فالسؤال الذي يُطرح دائماً ويتلعثم الجميع في الإجابة عليه هو، ماذا لو سقط نظام الأسد، ما هو البديل، من الذي سيستلم السلطة، وما الضمانة أن لايحصل صراع دموي على السلطة بين فصائل المقاومة يدفع أبناء الشعب إلى الترحم على زمن نظام الأسد؟!.
التشكيلات السياسية التي يفترض أنها تمثل المعارضة السورية موقفها ليس أفضل حالاً من الفصائل المجاهدة على الأرض. ففي البداية تشكل المجلس الوطني السوري ليكون ممثلاً للمعارضة السورية، لكن يبدو أن السَمت الإسلامي الذي طبع المجلس، دفع من ساءهم الأمر إلى "اختراع" تشكيل جديد حمل اسم الائتلاف الوطني السوري، مع الإبقاء على المجلس، وبات للائتلاف رئيس ومجلس، وللمجلس الوطني رئيس ومجلس، بالإضافة إلى اختيار رئيس وزراء المؤقت للحكومة السورية، دون وجود أي تحديد أو ضابط لصلاحيات ومهام كل جهة وكل رئيس.
جرت العادة أن تكون المعارضة موحدة في مواجهة من تعارضه، فإذا ما تحقق هدفها اختلفت فيما بينها، المفارقة في المعارضة السورية أن الخلاف وقع فيما بينها قبل انتصارها على النظام. كل الخشية أن يتحقق ما قاله هنري كيسنجر، ويخرج علينا من أبناء الشعب السوري من يتمنى لو بقي نظام الأسد!!.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


