أ.سميرة بيطام
أستيقظ على ذكرك...أنام على تسبيحك..حاضر يا رب في قلبي أينما ذهبت و أينما حللت بوقار الخطى اقرارا لفضلك و جودك و كرمك..أقرأ كلامك فأزداد تعظيما لأسمائك العلى..خير المعمورة أعطيته لنا نزرعه و نحصده...الله ..الله ما أجودك .
كانت لي سنوات في معيتك ازددت فيها يقينا أنك عظيم..كبير..واسع الرحمة..
لم تظلم يا الله الناس في شيء مثقال ذرة فالناس لا يظلمون نقيرا ،قلت في محكم تنزيلك " و خلق الله السموات و الأرض بالحق و لتجزى كل نفس و هم لا يظلمون " سورة الجاثية الآية 22.
و للنفس الورعة التقية أن تتساءل:هل يصح أن يحرم الله الناس حرياتهم و يوجه حياتهم بأدق تفاصيل التوجيه ؟.
إن محمدا صلى الله عليه وسلم أنشأ دعوته على التوبة و الندم و الخضوع لما يمليه علينا الإسلام الحنيف..إنها التبعية في أن يكون فيها اليقين من أن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد و لم يكن له كفؤا احد..و الخليفة على الأرض هو الإنسان لتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية حتى ينمي شخصيته على تعاليم الدين و المستقاة من القرآن و السنة النبوية..
هو المعطي و المتعالي ..هو المنان..هو القهار و المتكبر و الغفار..فالشكر و الحمد على فضلك علينا يا رب..
خلقتنا في أحسن صورة و زدت بكرمك فضائل لا تعد و لا تحصى..هي النعم غارقون نحن فيها...الله..الله..اسمك ساكن في قلبي..الله ..الله..ندائك يرطب لساني بأجمل اسم هو الله.
عيناي تبكيان من خوفك و خشيتك من يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون إلا من أتاك بقلب سليم..حواسي تدرك أنك يا الله أبدعت في صنعك و في كل شيء..قلبي بين يديك تقلبه كيفما تشاء...هو التأكيد من أن نواصينا بيدك..فكان التركيز عليها في السجود و كلنا تذلل إليك و انكسار أمام قوتك..فالضعف جبلنا عليه و العجل منا له مستقر..فكيف لا نزداد خوفا و رهبة من مشهد يوم عظيم..فالكبرياء لك في السموات و الأرض.
نسبحك و نكبرك و نسألك ، و تكون لنا أحوالا مترادفة ،و قد تكون مستقرة ،فيتكرر السؤال و يتكرر الدعاء لغاية فينا من مرض لنشفى و من هم لينفرج و لحاجة لتقضى و لغائب ليعود و لميت لترحمه ، حاجات و منايا هي لنا مطالب ، فمقامك رفيع و الكلمات لن تفي بغرض الثناء و الشكر.
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، فقال رجل من القوم : إذا نكثر ن قال :الله أكثر" رواه الترمذي.
و عن بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم" لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ن فان كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، و إن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي" رواه الترمذي.
و لنا في هذا المقام تطويع اللسان و تعويده على الذكر و قول الكلام الطيب الذي يزينه الصدق و تمام الغرض باختصار القول و الانصراف عن مجامع اللغو و النميمة و الغيبة ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا أصبح بن آدم فان الأعضاء كلها تكفر اللسان ، تقول: اتق الله فينا ، فإنما نحن بك ، فان استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا" رواه الترمذي.
انه طلب العدل و الاعتدال فيما بين الأعضاء التي خلقتها يا رب لتؤدي وظيفتها على النحو الذي خلقت لأجله ، و من العيب و التقصير أن تسترق الأذن أقوال المجالس بدل الإنصات لقول الحق ، و أن تنظر العين في غير ما أمرت به ، و أن تذهب الأرجل إلى مواضع محرمة و فيها الإثم الكبير، و أن تسرق اليدين مالا مملوكا للغير أو تأخذ آمانات هي لأهلها أحق و أولى..إنها النواهي بأوامر منك يا رب و لا يتم الصلاح لها إلا بصلاح مضغة القلب، فان صلحت صلح الجسد و إن فسدت فسد الجسد..هي الحكمة و الإشارة على الصلاح .
نهيتنا عن عظام الأمور من موبقات ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا: يا رسول الله و ما هن؟ قال: الشرك بالله ، و السحر،و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، و أكل الربا ، و أكل مال اليتيم ، و التولي يوم الزحف ، و قذف المحصنات المؤمنات الغافلات" متفق عليه.
هو لباس على كل مسلم أن يرتديه ليتقي الله فيما نهى عنه، ففي الكف عن الإقبال عن هذه الأمور منجاة للإنسان من عذاب سعير ، يقول تعالى " و إما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله" سورة فصلت الآية 36، و يقول تعالى أيضا " و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون ، أولئك جزائهم مغفرة من ربهم و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، و نعم أجر العاملين " سورة آل عمران الآيتين 135،136.
و قوله أيضا " و توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" سورة النور الآية31.
يا لها من رحمة ، و يا لها من حظوة فرص منحنا إياها الله لنحيد عن مسار الخطأ إلى المسار الصحيح من الأفعال و الأقوال، يا له من مجال فسيح من الاستذكار و مراجعة الذات قبل فوات الأوان ، فبعضنا قد لا يمنح فرصة لغيره ليراجع نفسه بل قد يقصي بعضنا البعض من مجال الرحمة ...و لذلك سمت رحمة الله فوق رحمات البشر..الله..الله ما أعظمك.
فما هو الموضع الموالي لفضل الله؟ إنها مواضع كثير لا تحصى و لا تعد ، و في حب الله مجال واسع و غاية في الروعة ،فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، و من كره لقاء الله كره الله لقاءه ، فقلت: يا رسول الله أكراهية الموت ؟ فكلنا نكره الموت ، قال: ليس كذلك ، و لكن المؤمن إذا بشر برحمة الله و رضوانه و جنته أحب لقاء الله ، فأحب الله لقاءه" رواه مسلم..انه الحث على الطاعات للظفر بالجنة ، ففي الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على بال بشر ، فلما نضيع هذا الكنز الغالي بتهور منا و عن غفلة آيلة إلينا و بنوم من ضمائرنا عن نصرة هذا الدين السمح؟ و لما لا تكون فيه عودة إلى الله حال كل كرب و حال كل ضائقة بل حتى حال الفرح و حال تفريج الهموم لشكره على هداياه و لطفه بنا ؟.
و أظنه لا يوجد مقام أعظم من مقام حب لقاء الله عز وجل ،و بالاستغفار مفاتيح كثيرة مصداقا لقوله تعالى " فسبح بحمد ربك و استغفره انه كان توابا" سورة النصر الآية 3 ،و قوله أيضا " و من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما" سورة النساء الآية 110.و قوله أيضا " و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون" سورة آل عمران الآية 135.
يا لها من بركة ، و يا له من خير ، فلما التكاسل في الإسراع للظفر بهذا الفضل؟ فالحجة قائمة و البرهان موجود من أن الله لا يضيع اجر من أحسن عملا.
أين نحن من مساحة النجاة و النجاح ؟ ، أين نحن من معية الله لنزداد علما لفضائله؟ أين نحن من سيرة الحبيب المصطفى و أخذه قدوة و أسوة في السلوك و العبر ؟ ،أين نحن من درب السلف الصالح في الإحاطة بالنبي صلى الله عليه وسلم فكانت شموعا نيرة و سندا متينا و نموذجا مثاليا للأخوة الحقة ؟ أين نحن من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، زوجاته ، بناته ، حفيداته ؟..فلكل منهن أسطورة لمكارم الأخلاق من طاعة و شجاعة و قوة الشخصية في العمل بتعاليم الدين أين نحن من سيرة الأبطال حمزة بن عبد المطلب ، خالد بن الوليد ، عمار بن ياسر ، زيد بن حارثة و غيرهم ؟ ثم أين نحن من الإحساس بالغيرة على ديننا و أوطاننا و لغتنا و مبادئنا التي تربى عليها أجدادنا و تركوها فينا مشعلا ينضخ بالكرامة و العزة و الأصالة؟.
و حتى يعم الخير كل من يقر بوحدانية الله عز وجل أتضرع إلى الله بهذا الدعاء :ربي لاتكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، و تجاوز يا رحمن عن أخطائنا و زلاتنا و تقصيرنا في أمرنا ، ربي أصلح حال المسلمين و أجبر كسرهم ووحد صفهم.. انك على كل شيء قدير.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


