هل كتابة الأقدار على الإنسان من سوء الظن بالله ؟

هل كتابة الأقدار على الإنسان من سوء الظن بالله ؟

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ١٤ رمضان ١٤٣٧ هـ - ١٩ حزيران ٢٠١٦
1955

قرأت كلمات كتبها بعضهم دون أن يتبصر بعواقبها ويدرك خطرها ويفهم مدلولاتها تدل على زيغ وانحراف في مسألة القدر  إلا إذا كان قائل هذه الكلمات جاهلا بمدلولها ،وينقلها تقليدا لغيره دون فهم  تظاهرا بالعلم والفهم والتجديد في فهم الدين . 

يقول : إن الرزق و العمر يحدده عمل الإنسان وفلسفته وليس مكتوبا عليه ولا محكوم( كذا)  به ...

 

نحن من نكتب باعمالنا قصة حياتنا  ...

ولسنا نعيد تميثل حياة كتبت لنا او علينا. 

وعلق آخر : 

الكثير من الأمور التي نسميها مسلَّمات، هي ليست بمسلَّمات، بل هي أفهام البعض وضعت موضع التقديس،

لا يكتب الله الفقر على إنسان 

ولا يكتب المرض على آخر 

ولا يكتب الشقاء على أيّ انسان 

هذا من المفاهيم المغلوطة، ومن سوء الظن بالله.

الله جعل الأسباب متاحة للجميع ...

من أخذ بها: رزق أو شفي أو سعد، 

ومن لم يأخذ بها: أصابه الفقر والمرض والشقاء،

الأمر بالعلم ، العلم الذي قال الله عنه :( وما أوتيتم من العلم الا قليلا ) وهي آية تحفز على التعلم والبحث والاستقصاء ، حتى يكشف الإنسان أكثر عن الأسباب التي وضعها الله في كونه، وهي ليست كما يفهمها غالب المسلمين ، ونتيجة فهمها حالهم الآن ،

ومن باب الاختيار المطلق الذي وهبنا الله وميزنا به ، جعل سعة العلم بابا لحسن الاختيار والوصول إلى أفضل النتائج...

 والأعمار جعلها الله بيد الانسان ، كلما سما علمه ، كلما استطاع اكتشاف الآفات والأمراض ، فأطال بعلمه -الذي منحه الله إياه نتيجة سعيه - عمره ، وكذلك هي قضية الأرزاق.انتهى.

 

ويبدو لي  أن هذا الشخص الذي كتب الفقرتين هو شخص واحد، يتبنى فكرة فلسفية قديمة جددت بالطريقة الفيزيائية الفلسفية الحديثة، تقول النظرية: ان الله بعلمه وقدرته صنع الكون وبرمجه في الأزل وفق ترتيبات كونية مترابطة، مثل: الساعات القديمة المكونة من عدة أجزاء مترابطة مع بعضها بالمسنَّنات، فيقوم صاحب الساعة بتدوير المفتاح الخارجي عدة تدويرات تكفي لتشغيل المجموعة المترابطة إلى مدة، وهي نهاية الكون في تمثيلنا.

فإذا فرضنا أن عقارب الساعة عند اقترانها بأرقام معينة تكون سببا لحدوث كارثة أو مرض، فيكون بإمكاننا تجنب هذه الكوارث قبل وصول مؤشر العقرب إلى الرقم المعين.

فهل يمكن ان نعرف المرض والزلزال والحروب..... قبل ان يحدثها الله، وبالتالي نتهيأ للمرض قبل حدوثه، فنصنع له الدواء، ونغير المكان قبل حدوث الزلزال ......؟

 

أقول هذا مستحيل لأسباب لا تحصى نذكر منها سببين علميين هما:

السبب الاول:- وهو أن الظاهرة لابد ان تحدث لكي نعرفها.

إن الوصول الى الأسباب التي تحكم الظاهرة لابد من التجربة، والتجربة تعتمد على إعادة تمثيل الحادثة نفسها بأدواتها، وهذا يعني أنه يستحيل على الإنسان معرفة سبب الظاهرة قبل حدوثها، ومعرفة كيفية الإصابة بهذا المرض قبل وقوعه، فلابد إذا من حدوث الحادثة ووقوع الكوارث والأمراض، قبل العلم بكيفية أسبابها.

وحتى إذا وصلنا إلى معرفة سبب الحادثة، وشروط وقوعها بعد حدوثها أول مرة، فقد وقع العلماء أمام إشكالية، وهي أن أسباب وشروط الحادثة الواحدة على مستويات، فنحتاج إلى تجدد معرفة السبب، لأنه لا تنفع معه معرفة السبب الاول.

 فمثلا: في مجال الأمراض عرف الانسان أن مصدر مرض السل العدوى من كائن آخر مريض، فتفادى هذا المرض بالابتعاد عن المعدي، ثم عرف الإنسان المسبب نفسه باكتشاف الجراثيم، فاخترع منها اللقاح، ثم عرف ما تفرزه هذه الجرثومة من مواد ممرضة وتركيبها البروتيني والملحي يتغير حسب الوسط فتوصل إلى علاج إفرازها..... وهكذا ننتقل من معرفة سبب للظاهرة إلى معرفة سبب آخر ادق منه، وذلك كله بالعلم، حتى وصل الأمر إلى تراكم أسباب كثيرة ، فظهور السبب الأدنى لا يغني عن معرفة السبب الأعلى منه، فيجب بذل جهد لمعرفة آخر الأسباب.

تنوع الأسباب للظاهرة الواحدة: 

كما وقعوا في إشكالية تنوع الأسباب للظاهرة الواحدة حيث يحكمها سبب فيزيائي وآخر رياضي وآخر حيوي..... فلابد من علاج الظاهر بعلاجات متنوعة.

ثم وقع العلماء امام صعوبة فهم السبب غير المادي للظواهر الحيوية، فاحتاروا مثلا في المولود الجديد الذي وضعته أمه في الغابة وغادرته لستر عارها، فلم يقرب إليه وحش أو هامة، فهل هذا الرضيع أبطل سنة الوحشيه في المفترس وأبدلها وداعة، أو أبطل طبع أذية الهامة فصنع نجاته ومستقبله...

فقد توصل العلماء الى وجود عدد لا متناه من الاسباب التي تحكم عالمنا،

حتى آل الامر بالعلماء كانشتاين إلى البحث عن السبب الأدق الذي ليس بعده سبب، وقالوا : إن هذا السبب هو الذي يحكم جميع الحوادث في الكون وسموها : "نظرية معرفة كل شيء" وقد بحثها انشتاين في آخر سنوات عمره للوصول إلى معادلتها، ونازعه غريمه نيلز بور بنظرية الاحتمالات لكل ظاهرة، وقد اعترف انشتاين ان البحث فيها مضيعة للوقت.

ومنه نستنتج من هذه النقطة الاولى- وهو أنه لا بد أن تحدث الظاهرة لكي نعرفها-: أن الامراض والمصائب أقدار الله فلابد منها لمعرفة كيفية وشروط حدوثها،فكل الأدوية واللقاحات جاءت بعد ظهور المرض ومعرفته.... وقس على ذلك..

 

السبب الثاني:- العلاج للظاهرة بعد معرفتها غالبا ما يكون من مادتها، فالتطعيم ضد مرض السل هو عبارة عن جرثومة السل نفسها، وعلاج سم العقرب مصنوع من سمها نفسه، والزلزال يكون بصنع نوابض اهتزازية ذات مرونة مساوية لاهتزاز الزلزال ....... الخ

وهذا يعني انه يستحيل الوصول إلى علاج المرض وتطعيمه إلا بعد حدوثه، واستخراج مادته، فكل الأدوية واللقاحات جاءت بعد ظهور المرض وإصابته للانسان.

ومن هذا النقطة نصل إلى أن الدواء من مخلوقات الله، لأنه لولا هذه المخلوقات من مكروبات وغيرها والتي أحدثها الله لما استطعنا أن نصنع منها العلاج،

فالله حقيقة خلق الجرثومة، وخلق مادة العلاج الأولية من أدوية وغيرها لأنها مصنوعة مما خلق الله من سموم وجراثيم ووووو

فلم يبق الا حركتنا وسعينا للوصول الى النسبة بينهما، وهذا يرجع إلى ما منحنا الله من عقول  نفكر بها وقوى بدنية نسعى بها لصنع هذا الدواء أو المعالجة للظاهرة، والعقول والأجسام مكونة من البروتين والأملاح الفيتامنات والماء وتعمل هذه العقول والعضلات بالطاقة المستمدة من السكر والاكسجين، وهذه المواد كلها من خلق الله، فيكون جهدنا وحركة عضلاتنا من خلق الله:

والى هذين النقطتين اشار الله بقوله :{والله خلقكم وما تعملون}.

 

وبعد هذه الجولة العلمية الموجزة يظهر أن قول الكاتب:

"إن الرزق والعمر يحدده عمل الإنسان وفلسفته وليس مكتوبا عليه ولا محكوما به ... نحن من نكتب باعمالنا قصة حياتنا  ... ولسنا نعيد تميثل حياة كتبت لنا او علينا..................

لا يكتب الله الفقر على إنسان

ولا يكتب المرض على آخر

ولا يكتب الشقاء على أيّ انسان........."

كلام إنشائي عاطفي لا يمت للعلم بشيء ولا يعترف به الواقع، فهو "كضراط الإبل في الربيع" على حد مثلنا الصحراوي؛ وقد كذبه أذكى علماء الكون في العصر الحديث.

اما قول الكاتب ان اثبات القدر هو: "من سوء الظن بالله............."

فهو ضلال كبير؛لأن من يسلب الله كمال قدرته على مخلوقاته ومصنوعاته هو من اساء الظن به

اما قوله: "الله جعل الأسباب متاحة للجميع."

فهو حق ولكنها جملة مقحمة لتزيين باطله بإنكار قدر الله تعالى، وإلا فما من أحد ينكر ان الله جعل  لكل شيء سببا نسعى لمعرفته والاستفادة منه، بل إن الله بكرمه سهل معرفة الأسباب للمومن ووفقه لها باقل جهد.

ولا ينبغي تحريض الناس على العلم ومعرفة الاسباب بهذه الطريقة المفضية للإلحاد ، وشقاء الانسان؛ لأن هذه الدعوة  المزعومة بقدر ما تحرك همم أصحاب النيات الحسنة للعلم، فهي تحرك شهوات التجبر والسطو في بني آدم، فالقدر هو الكاسر لها والمحافظ على توازنها.  

فإصلاح نفوس والأمم والأفراد يكون بالاعتراف بأقدار الله:

فلولا القدر لظهر آلاف القارونيين المتجبرين، الذين يقولون : {إنما أوتيته على علم} ، وما اكثرهم اليوم.

كما ان كمال العبودية لله وإتقان العمل يتحققان بمدافعة أقدار الله تعالى،  وذلك بمحاولة فهمها وتجنبها، فإن قيمة الحياة أن يخلق الله الأمراض والأوبئة والكوارث ويخلق ابليس ليغرينا  .... ثم نجتهد في طاعة أمر الله، بإصلاح أجسادنا من المرض والخلل، وإصلاح نفوسنا من الشهوة والزلل، وذلك مما وفره الله لنا في مخلوقاته؛ وهذا معنى قوله تعالى: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"

اما امثال الكاتب- هداه الله- فانه يستقبل المصائب بإنكار الايمان بالقدر والسخط على من يصبر عليها؛ لأنها من مقادير الله، فيحرم نفسه بهذا العمل الصبر وسعادة الرضا بقضائه.

أما السعي لمعالجة المصائب فهي شيء آخر،  وقد كان للصحابة رضي الله عنهم الايمان بالاقدار مع الأخذ بالأسباب في أعلى الدرجات.

وما انتكست الامم الا بافكار منكري القدر بطرفيه الجبري والإلحادي 

كان انشتاين ذكيا مسالما، يدعو للسلام، لكن أصابه الله بعكس ذكائه وسلميته، ليظهر غباؤه وشره فكانت معادلته في الطاقة هي الطريق المباشر لصنع القنبلة الذرية التي دمرت البشرية، وكذلك كثير من الأسلحة كالقنبلة الهيروجينية، كما أن الله أصابه بالجهل في آخر حياته حيث انغمس في بحث "نظرية كل شيء" حتى فاقه زملاءه وتقدمت الفيزياء بعده جدا ولولا مكانته السياسية لوصف بين زملائه بالجهل بسبب تاخره في بحث ما لا يعنيه أي "كيف الله يفكر" كما قال، فأوصله الله إلى عكس ارادته.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...