بسم الله الرحمن الرحيم
وكتبه صلاح الدين الإدلبي،
عضو رابطة العلماء السوريين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
ـ ذكر بعض الأفاضل ( هو الشيخ علي الطنطاوي في مقالته : علم التوحيد )، أن عددا من كبار علماء العقيدة وقع لهم الشك والحيرة في الاعتقاد، منهم إمام الحرمين الجُوَيْني والخسروشاهي والخونَجي وغيرهم، فهل هذا ثابت عنهم؟!.
ـ توضيح حول نسبة الحيرة لإمام الحرمين:
روى الإمام الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام" بسنده عن أبي جعفر الهمذاني أنه قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله تعالى :{الرحمن على العرش استوى} فقال: كان الله ولا عرش. وجعل يتخبط في الكلام، فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل للضرورات من حيلة ؟. فقال: ما تريد بهذا القول؟ وما تعني بهذه الإشارات؟. فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبْل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصْدٌ لا يلتفت يمنة ولا يسرة ـ يقصد الفوق ـ ، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت. وبكيتُ، وبكى الخلق، فضرب بكمه على السرير، وصاح بالحيرة، وخرَّق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا بِ "يا حبيبي، الحيرة الحيرة والدهشة الدهشة". فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمذاني.
قرائن النكارة والوضع لائحة على هذه الحكاية من كل جانب: إذ لا داعي لإمام أشعري كبير إذا سئل عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} أن يتخبط في الجواب، وإذا بدأ الجوابَ بما أجمع عليه السلف،وهو قوله :"كان الله ولا عرش" فمن السهل أن يتمِّم بقوله :"ثم خلق العرش واستوى عليه بعد أن لم يكن مستويا عليه"، وإذا سأل أبو جعفر الهمذاني الإمامَ سؤالا فلا داعي للسائل إلى أن يبكي، ولا داعي للحاضرين الذين سمعوا السؤال إلى أن يبكوا.
وإذا سئل الإمام عن القصد المنبعث من قلب الداعي إلى جهة الفوق فمن السهل أن يجيب عن السبب بأن الله تعالى استوى على العرش والعرش فوقنا واستواؤه عليه ليس استواء جسم على جسم، ولا داعي للصياح بالحيرة وتخريق ما عليه من الثياب !!.
هذا وقد علق تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى على هذه الحكاية بقوله: "أوَكان الإمام عاجزاً أن يقول له: إن العارف لا يحدث نفسه بفوقية الجسمية ؟".
إمام الحرمين أُوتي من الفصاحة والبلاغة حظاً وافراً، ومن قرأ كلامه في كتبه الفقهية والأصولية كـ "نهاية المطلب" و"البرهان" و"غياث الأمم" وجد أسلوبا عاليا مميَّزا مختلفا عن كل ما يقرؤه في كتب الفقه والأصول، وكان إذا شرع في حكاية أحوال أهل القلوب مع الله بكى وأبكى الحاضرين.
وأبو جعفر الهمذاني كان من كبراء الصوفية، وكان قد دخل بغداد وهو لا يعرف العربية، كما ذكره الذهبي في السير، فمهما تعلم من العربية بعد ذلك فلا يُتوقع منه فهْمُ كلام إمام الحرمين إلا بصعوبة بالغة، كيف ولا يرقى لفهم كلامه إلا من كان على درجة كبيرة من علوم اللغة والبلاغة؟ لذا فالمتوقع أن يكون إمام الحرمين قد تكلم في الجواب بكلام عال دقيق فبكى وأبكى الحاضرين، ولم يفهم منه أبو جعفر الهمذاني الصوفي الذي أدركته غفلة الصالحين إلا أنه تخبَّط في الجواب، ولعله تأثر بالحال الذي أصاب الناسَ فبكى لبكائهم، ثم تراءى له صياغة الواقعة بما ارتسم في خياله.
ولو كان الهمذاني معروفا بالكذب لقلت هذه الحكاية من اختلاقه، ولكن الذي يتصور تصوفه مع قلة علمه باللغة فلا بد أن يلتمس له العذر على قدر الإمكان.
ـ قال ابن أبي العز: "وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من أجلِّ تلامذة فخر الدين الرازي لبعض الفضلاء وقد دخل عليه يوما، قال له: ما تعتقد ؟. فقال: ما يعتقده المسلمون. فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به ؟. فقال: نعم. فقال: اشكر الله على هذه، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد. وبكى حتى أخضل لحيته".
الخُسْرَوْشاهي هو عبد الحميد بن عيسى المتوفى سنة 652، وقد أثنى عليه العلماء، ووصفه الصلاح الصفدي بأنه الشيخ الإمام العلامة.
هذه الحكاية لو صحَّت ففيها دلالة على أن بعض كبار علماء الأشاعرة أصابه الشك والحيرة في مسائل الإيمان، والمصدر في روايتها هو ابن تيميَّة رحمه الله وغفر له، فقد قال :"كما حدثني من حدثه ابن باده أنه دخل على الخسروشاهي ..."، وذكر تمام الحكاية.
وهذه الحكاية واهية الإسناد منكرة المتن، وكنت قد بيَّنت بطلانها في كتاب "عقائد الأشاعرة"، وذلك أن راويها ابنَ باده الذي ادعى أنه دخل على الخسروشاهي فسأله عما يعتقد: هو رجل لم أجد له ترجمة، والذي حدث ابنَ تيمية بالحكاية زاعماً أن ابن باده حدثه بها مبهم، فهو أشد إغراقا في الجهالة، والمجهول لا تـُعرف عدالته وضبطه فروايته ضعيفة، ورواية المجهول عن المجهول أشد ضعفا، ثم إن كتب التراجم طافحة بالثناء على الخسروشاهي، وقد رجعت إلى عدد منها فلم أجدها أوردت أية إشارة إلى هذه القصة أو ما يشبهها في الدلالة على أن الرجل كان شاكاً مرتاباً في عقيدته وإيمانه، وبعض تلك الكتب هي من مؤلفات من تتلمذوا على ابن تيمية، ولو بلغهم أي شيء من هذا عن الخسروشاهي لذكروه في ترجمته، سواء من يميل إلى تثبيت الحكاية أو إلى الشك فيها.
ـ قال ابن أبي العز: [وقال الخُونـَجي عند موته: "ما عرفت مما حصلته شيئا سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح، والافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئا"].
الخُونـَجي هو محمد بن ناماور المتوفّى سنة 646، وكان قاضي القضاة بمصر وأعمالها، وقد ترجم له مع الثناء عليه: أحمد بن القاسم بن خليفة بن أبي أصيبعة المتوفى سنة 668 في "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، والذهبي المتوفى سنة 748 في "سير أعلام النبلاء" وفي "تاريخ الإسلام" وفي "العبر"، والصفدي المتوفى سنة 764 في "الوافي بالوَفـَيَات"، وابن السبكي المتوفى سنة 771 في "طبقات الشافعية الكبرى"، وابن كثير المتوفى سنة 774 في" البداية والنهاية"، وأبو بكر بن أحمد بن محمد بن قاضي شهبة المتوفى سنة 851 في" طبقات الشافعية"، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 في "رفع الإصر عن قضاة مصر"، وابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089 في" شذرات الذهب".
هذه الحكاية لو صحت ففيها دلالة على أن بعض كبار علماء الأشاعرة أصابه الشك عند موته في معلوماته العقلية، ولو ثبت هذا فمعناه الحيرة، والمصدر في روايتها هو ابن تيمية رحمه الله وغفر له، فقد قال: [ولهذا حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخُونَجي أنه قال عند الموت :"أموت وما عرفت شيئا إلا علمي بأنَّ الممكن يفتقر إلى المؤثر، والافتقار وصف سلبي، فأنا أموت وما عرفت شيئا"]. وقال ابن تيمية في موضع آخر: "ولهذا حكى من كان حاضرا عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي أنه قال عند موته ...".
صرح ابن تيمية بأن سند هذه الحكاية متصل، وأنه سمعها من جماعة سمعوها ممن كان حاضرا عند موت الخونجي، والإبهام في الجماعة الذين حدثوه بها قد يُغتفر لكونهم جماعة، ولكن الذي كان حاضراً عند موت الخونجي رجل مبهم، فهو مجهول العدالة والضبط، فالسند ضعيف.
ومما يؤكد عدمَ ثبوت هذه الحكاية أن الذين ترجموا له وأثنوا عليه جماعة، ولو بلغهم عنه أي شيء من هذا لذكروه في ترجمته، سواء من يميل إلى تثبيت الحكاية أو إلى الشك فيها.
ـ قال ابن أبي العز: [وقال آخر: "أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء"].
هذه الحكاية كذلك لو صحَّت ففيها دلالة على أن بعض كبار علماء الأشاعرة أصابه الشك في معلوماته العقلية، ولو ثبت هذا فمعناه الحيرة، والمصدر في روايتها هو ابن تيمية رحمه الله وغفر له، فقد قال: [حدثني من قرأ على ابن واصل الحَمَوي أنه قال: "أبيت بالليل وأستلقي على ظهري وأضع الملحفة على وجهي، وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء" كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة].
ابن واصل الحمَوي هو قاضي حماة محمد بن سالم بن نصر الله المتوفى سنة 697، وقد ترجم له مع الثناء عليه: أبو الفداء في" المختصر في أخبار البشر"، والذهبي في "العبر"، والصفدي في "الوافي بالوفيات" وفي" أعيان العصر"، وأبو بكر بن أحمد بن محمد بن قاضي شهبة في" طبقات الشافعية"، والمقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك"، والسيوطي في "بغية الوعاة"، وابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب".
لم يذكر ابن تيمية من حدّثه بهذه الحكاية وأبهمه، والمبهم مجهول العدالة والضبط، فالسند ضعيف. ومما يؤكد عدم ثبوت هذه الحكاية أن الذين ترجموا لابن واصل وأثنوا عليه جماعة، ولو بلغهم عنه أي شيء من هذا لذكروه في ترجمته، سواء من يميل إلى تثبيت الحكاية أو إلى الشك فيها.
ـ ومما يتصل بهذا المقام ما ذكره ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: [وكذلك الأصبهاني اجتمع بالشيخ إبراهيم الجعبري يوما ، فقال له: "بتُّ البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالمٍ عن المعارض فما وجدته"]. ولم يبين مَن الأصبهاني ؟ ولا من حدثه بها؟
الظاهر أن الأصبهاني هو شمس الدين محمد بن محمود بن محمد المتوفى سنة 688 شارح " المحصول في أصول الفقه"، وأن الجعبري هو الشيخ الصالح الواعظ إبراهيم بن معضاد المتوفى سنة 687.
شمس الدين الأصبهاني ترجم له مع الثناء: الصفدي في" الوافي بالوفيات"، والسبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، ومما قاله السبكي في ترجمته: [وكان من دينه أن الطالب إذا أراد أن يقرأ عليه الفلسفة ينهاه ويقول: "لا، حتى تمتزج بالشرعيات امتزاجا حقيقيا جيدا" فلله دره]. ولم يذكروا عنه قدحا في عقيدته، ولو بلغهم عنه شيء من ذلك لذكروه في ترجمته، سواء من يميل إلى تثبيت الحكاية أو إلى الشك فيها.
ـ وههنا تساؤل لا بد أن يُثار، وهو: لمَ ينفرد ابن تيمية رحمه الله وغفر له بمثل تلك النقول عن الخُسْرَوْشاهي والخُونَجي وابن واصل الحمَوي وشمس الدين الأصبهاني دون سواه ؟! ودون أية إشارة إليها من أحد ممَّن ترجموا لهؤلاء ؟! وهل كانت هنالك جهة تُروِّج مثل هذه الشائعات عن أولئك العلماء الكبار وتتعهد بإيصالها إليه دون سواه ؟!.
ليس من المستبعد أن تكون هناك جهة خفيّة تريد أن تروِّج بين المسلمين أن عددا من كبار علماء العقيدة عندهم ليس لديهم الأدلة العقلية الصحيحة على صحة الأصول الإيمانية، وأن عقائد المسلمين ليست في هذا بأحسن حالا من عقائد النصارى وغيرهم، ولعلهم أوصلوا مثل تلك الحكايات المفتراة إلى ابن تيمية رحمه الله عبر المجاهيل، فكان يرويها عنهم وقد يرسلها إرسالا، ولو كان قد سمع مثل هذا من الثقات لكان له معهم شأن آخر.
هذا مما كتبته في كتابي "عقائد الأشاعرة "في الجولة الثانية من الحوار، وهو الذي تمت طباعته باسم "عقائد الأشاعرة وجولة جديدة من الحوار" في دار الفتح بعمَّان، سنة 1433/ 2012.
{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم}.