قال أحدهم في مقاله (العلم الذي لا ينفع): (فإن العلم النافع في النظرة الإسلامية في أغلب تعريفاته هو حصراً للعلم الشرعي (تفسير، حديث، فقه... إلخ) ).
أقول: العلم النافع في النظرة الإسلامية ليس مقتصراً على العلوم الشرعية، فكل علم ينفع الناس هو علم مطلوب شرعاً، وعلى المسلمين أن يبادروا لتعلمه وتعليمه.
قال الإمام الغزالي (المتوفَّى: 505هـ) في كتابه الشهير"الإحياء" 1: 16 وهو يذكر العلوم التي هي من فروض الكفايات:
(فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى ما هو مباح.
فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا، كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة.
أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما.
وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين.
فلا يتعجب من قولنا : إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة، فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك.
فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ، وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله.
وأما ما يعدّ فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه.
وأما المذموم فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعبذة والتلبيسات.
وأما المباح منه فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها وتواريخ الأخبار وما يجري مجراه) .
وواضح من هذا النص أنه جعل هذه العلوم وأصول الصناعات من فروض الكفاية، وليس من العلم الذي لا ينفع.
وأقوال العلماء كثيرة في أهمية هذه العلوم ونفعها.
وقال في المقال عن العلوم الشرعية:
(إن أخطر ما اجتاح هذه العلوم هو استعصاؤها على النقد أو التعديل أو الإضافة أو الإلغاء، بصبغها صبغة القداسة، ما جعلها غير صالحة واقعياً لتواكب المتغيرات المتسارعة).
أقول: ما زال العلماء والمجتهدون والمجددون ينقدون ويضيفون، والعلماء لم يدَّعوا القداسة لأنفسهم في اجتهاداتهم، ويرد بعضهم على بعض ردوداً يزينها الأدب ويحكمها العلم، والأمثلة على ذلك كثيرة مشهورة.
وقال: (فإن الطرح الأهم الذي يجب أن يتداول، هو مدى نفعية هذه "العلوم" -التي تدرس- سواءً للدارس، أو مردودها النفعي لاحقاً للمجتمع).
أقول: العلوم الشرعية تستمد قيمتها وأهميتها من كونها العلوم التي نفهم بها ديننا، وهل يشك مؤمن في نفع دين الإسلام في الدنيا والآخرة!
وكيف سنفهم ديننا الذي هو سبب سعادتنا وصلاحنا في الدنيا ونجاتنا في الآخرة دون معرفة هذه العلوم!
فالمسلم لا يمكنه أن يفهم القرآن الكريم والسنة النبوية دون الاستفادة من هذه العلوم (الفقه، أصول الفقه، الحديث، التفسير، وغيرها).
ومن ظن أنه قادر على تجاوز هذه العلوم وفهم القرآن والسنة دون الرجوع لأهل العلم فسيظن بهذه العلوم وأهلها التناقض والاضطراب، ولن يفهم أسباب الخلاف بين العلماء، كما ظن كاتب هذا المقال حين قال: (مع أن نظرة متفحصة لتلك "العلوم" تخلص إلى كون "معظمها" مجرد آراء وتصورات ونقولات شخصية، وتتسم في كثير من الأحيان بالتضارب، ويفسر ذلك ضمن الوسط الإسلامي على أنه نوع من الاختلاف الفكري الذي مؤداه التيسير والتسهيل! ولعل نظرة إلى "علوم القرآن" أو "علم مصطلح الحديث" أو "القواعد الفقهية" أو كتب "الفقه" أو إلى الأحكام الفقهية بشيء من التجرد وبعيداً عن التبريرات اللامنطقية قد يخلص إلى تلك النتيجة، فالأمر الواحد -على سبيل المثال- قد يكون حراماً "يأثم فاعله"، وقد يكون هو نفسه وفي نفس المذهب جائزاً أو حلالاً "يثاب فاعله"، وقد يكون مكروهاً أو لا شيء فيه).
أقول: من يدرس مبادئ (علم أصول الفقه) الذي يشكك صاحب المقال في نفعيته، يعلم أن اختلاف العلماء قد يكون سببه: الخلاف في ثبوت النص أو عدم ثبوته، وقد يكون سببه الخلاف في فهم النص.
وكل مجتهد من أهل العلم مأجور على اجتهاده إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.
والله لم يتعبد العلماء بإصابة الحق في المسائل الظنية، وإنما تعبدهم بالاجتهاد فيها، والعمل بما توصل إليه اجتهادهم، وهم مأجورن في ذلك.
وقال: (فأحاديث مثل أكل العجوة ووقايتها من السم والسحر، وماء زمزم وبركته، والذباب داؤه ودواؤه، والرعد وأحاديث الغيب وتفسير "ويعلم ما في الأرحام" مثلاً، لا بد أن تخضع للتجربة العلمية لإثباتها).
أقول: ما ثبت بالقرآن أو السنة الصحيحة، يجب على المؤمن أن يصدقه ولا يتوقف تصديقه به على التجربة العلمية. وهذا ما يميِّز المؤمن، فهو يسلِّم بقول الله تعالى ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى.
ولو وجد نفسه عاجزاً عن فهم ما جاء عنهم اتَّهم عقلَه ولم يتَّهم ربَّه ودينَه.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


