هل الترويح في الإسلام من الضرورات؟

هل الترويح في الإسلام من الضرورات؟

التصنيف: ركن الشباب
الأربعاء، ١٢ شعبان ١٤٣٧ هـ - ١٨ أيار ٢٠١٦
2057

 

لا ريب أنَّ الترويح والترفيه المعتمد على الرؤية الإسلامية إنَّما هو من أهمِّ القضايا التي يوليها الإسلام عناية خاصة لما يشتمل عليه من آثار، وأهداف مهمة تعود على الفرد والأسرة والمجتمع بالخير والمنفعة العامَّة، وذلك أنَّ اللهو الحلال وإدخال السرور على النفس مطلب ديني ضروري لتلبية الحاجة التي ترغب بها، بل هو من كمالات هذه النفس الأساسيَّة لرعاية حقوق الخالق سبحانه والمخلوق.

وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عند أبي داود: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) أي: أحدث لدينا استرواحاً وراحة تُزيل التعب، ومن ناحية أخرى فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلو في الدين والعبادة وأعطانا مبدأ التوازن بين الحاجة النفسيَّة الدنيويَّة والأعمال الدينيَّة ففي صحيح البخاري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: ألم أُخبر أنَّك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: بلى، قال: (لا تفعل، صم، وأفطر وقم ونم فإنَّ لجسدك عليك حقاً ولعينك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً) فما أجدرنا أن نستغلَّ الوقت في العطلة الصيفية لجعل الترويح المفيد مُستثمراً فيه أنفع استثمار.. 

كما أشار إليه ابن القيم في المدارج بقوله: (إنَّ عمارة الوقت تكون بالاشتغال في جميع الآناء بما يُقرِّب إلى الله بنية القوة حتى المأكل والمشرب والمنكح والراحة فلا تحسب عمارة الوقت بهجران اللذات والطيبات، وهذا هو الذي نطق به القرآن: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ] {الأعراف:32}. 

هذا ولأنَّ مسألة الترويح والترفيه قد أصبحت في زماننا قضية مُلحَّة لها شأنها وقد أنشئت لها المراكز والمؤسسات وخصصت لها الميزانيات والنفقات، كما ذكر الأستاذ عمر عبيد حسنة في مقدمة كتاب الترويح وعوامل الانحراف، د. عبد الله ناصر السدحان ص 22 وبين اهتمام المدنية الغربية بها وخاصة في توظيف الإعلام لخدمتها بحسب هذه الأيديولوجية مما أصابنا بصدمة عمى الألوان وفقدان التوزان جراء التقنيات المتسارعة والتقليد المتهالك من جانبنا.

إنَّ هذا التذكير يجعلنا نقتنع مع الأستاذ بأنَّ علينا أن نحيي الترويح الإسلامي من جديد لأنه عملية بنائيَّة فعالة تثير الهمَّة والمنافسة وروح الفريق لأنها من أكثر الوسائل التربوية  تأثيراً لأنَّ فيها الاستجابة لفلسفة الإنسان والحياة ولأنها دين من الدين.. 

أقول: ولهذا يمكننا أن نجعلها تنطلق من عقيدتنا و عاداتنا ونحرض على بلورتها وصهرها حيوياً في ميدان الإيمان فهي نشاط هادف وممتع للإنسان بآن واحد لا ككثير من الأنماط الترويحيَّة التي فشلت بسبب كونها صورة تقليديَّة للغرب لا تُناسب تربيتنا ولا أخلاقنا ولا فطرتنا، بينما يستوعب ديننا الشامل لجوانب الحياة جميعها جانب الراحة، والاستجمام بشكل واضح حتى إننا نرى أبا الدرداء رضي الله عنه يؤكد: إنني لأستجم لقلبي بشيء من اللهو ليكون لي أقوى على الحق، وهو إنما يريد اللهو المباح المرغوب فيه؛ لأن الراحة فيه جد كما يقول ابن الجوزي، وهو محدد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرَّجه الدارمي: (كل لهو يلهو به الرجال باطلاً إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله) وفي رواية وتعلم السباحة، وهو بيان لقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، (يا حنظلة ساعة وساعة) ثلاث مرات.

وهذه الساعة أشارت إليها صحف إبراهيم أنها الساعة التي يخلي فيها المرء بين نفسه ولذاتها فيما يحل ويجمل وأنها عون على سائر الساعات وكذلك فيها الأجر والصدقة كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) وما أقرَّ ذلك الإسلام إلا ليطرد الملالة عن النفس لأنها – كما قيل – تفسد المودة وتنغص اللذة بل قد توقفها عن العطاء؛ لأنَّها كالمطية إذا حملت أكثر مما تستطيع كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أو توصلها إلى شر غاية، كما قال الحسن البصري.

هذا ويحسن بنا أن ننقل بعض أهم النماذج الترويحيَّة في العصر النبوي حيث أوردها الدكتور عبد الله السدحان في كتابه الترويح من ص 94 فإنَّ فيها غنية عن الترفيه المحرَّم.

1 – المسابقة بالأقدام: حيث كان يزاولها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ففي حديث الإمام أحمد أنه قال لعائشة رضي الله عنها في سفر: (تعالي أسابقك) وكذلك سابق بين الأطفال مثل عبد الله وعبيد الله من بني العباس وكان يقول: (من سبق إلي فله كذا وكذا) كما حدث بين رجال الصحابة، ففي سنن البيهقي أن عبد الله بن الزبير سابق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فسبق ثم سبقه عمر.

2 – الفروسية: حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعْقد سباق الخيل بنفسه وينظم المسابقة ويعطي السابق جائزة على فوزه، أما عن سِباق الإبل فيورد البخاري أنَّه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العضباء لا تسبق فسبقتها قعود أعرابي فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ حقاً على الله أن لا يَرتفع من الدنيا شيء إلا وضعه).

3 – المصارعة: حيث كانت حَلبتها تدور في سوق عكاظ، وقد كان من أشهر المصارعين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل إسلامه، وقد مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم المصارعة كما جاء في سنن أبي داود: أن ركانة – وكان أقوى المصارعين المشركين – صارع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرعه الرسول صلى الله عليه وسلم فما كان منه إلا أن شهد شهادة التوحيد وأسلم، وكذلك صارع أبا الأسود الجمحي، وقد كان الحسن والحسين يتصارعان على مرآى منه صلى الله عليه وسلم.

4 – الرمي: ففي صحيح البخاري عن عقبة بن عامر قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ] {الأنفال:60}. ثم قال: ألا إن القوة الرمي ثلاث مرات، وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم رواه سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: (ارموا بني إسماعيل فإنَّ أباكم كان رامياً)، وفي صحيح مسلم بسنده أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا) وفي مسند الفاروق أن عمر رضي الله عنه بعث إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: (علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي) واعتبر الرمي – كما قال النووي -  من خير أنواع الترويح واللهو، لقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (عليكم بالرمي فإنه خير لهوكم).

5 – السباحة: فهي أيضاً من أهمِّ الرياضات البدنيَّة وقد صنَّف الإمام السيوطي كتاباً فيها سمَّاه الباحة في فضل السباحة، ذكر فيه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم سبح بنفسه في غدير مع أبي بكر تقدم إليه حتى اعتنقه، وكذلك عندما قال وهو في المدينة: (ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار).

6 – رفع الأثقال: حيث أورد ابن القيم في كتابه الفروسية ص 27 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شباباً يرفعون حجراً ليروا الأشد منهم فلم ينكر عليهم، وهذا يعني الإقرار لما في ذلك من تقوية العضلات والساقين واليدين والفخذين والبطن كرياضة ترويحيَّة.

7 – اللعب بالرماح والحراب، فقد أقرَّه الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنه قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو.

8 – الترفيه عن الأطفال بالأراجيح فعند الإمام أحمد في المسند أن عائشة رضي الله عنها لما قدمت المدينة للزواج برسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تلعب الأرجوحة.

9 – اللعب بالبنات لعب العرائس حيث روى البخاري أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تلعب بها مع صواحب لها، وفي سنن أبي داود أنَّ لعبها كان فيها فرس لها جناحان قال: ما هذا؟ قالت: أما سمعت أنَّ لسليمان خيلاً لها أجنحة، فضحك حتى بدت نواجذه.

10 – وهذا الذي ذكرناه مُضاف إليه إباحة الترويح بالقفز على الحواجز وعلى الظهور، وممارسة الزحلوقة وما أشبهها للأطفال، والمطاردة المشروعة وتسلق الجبال والنزول إلى الوديان، وركوب البحر بالزوارق والطرادات ما لم يكن البحر مائجاً هائجاً والريح تخيف.

وكذلك كرة القدم واليد والسلة والطائرة، وقد روى البخاري أنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال، على أنَّ ممارسة كل هذه الرياضات مشروط فيها عدم كشف العورة كالفخذ، وعدم اختلاط الجنسين ومراعاة أدب الدين.

11 – ولا ننسى الترويح والترفيه بالأفكار المعرفيَّة العلميَّة الأدبيَّة الثقافيَّة كالاشتراك في مُسابقات ومُباريات شعريَّة وثقافيَّة بين السؤال والجواب، وكالاشتراك والرؤية للمسرحيات والأفلام المشروعة الهادفة، وكذلك أفلام الطبيعة والبحار، والتجوُّل والتنزه والاصطياف مصحوباً بالبرامج والاحتفالات الهادفة تربوياً وخلقياً ومعنوياً...الخ.

ولا شك أنَّ هذه المُرَوِّحات الكثيرة المتنوعة المنبثقة عن التصور الإسلامي هي نوع من العبادة العامَّة فالبعد التعبدي فيها ظاهر، إضافة إلى إشباع النفس لحاجتها وترويضها على القدرة والابتكار والتطوير في المواقف المختلفة، فهل يبقى بعد ذلك لزاعم أن يدَّعي أنَّ الإسلام لا ترفيه فيه ولا ترويح، ولو أنفقنا وقتنا حول هذه النماذج وما شاكلها فهل يبقى لدينا أي فراغ آخر، اللهم إلا إذا أردنا الولوج إلى الترويح غير المشروع والضار غالباً دينياً ونفسياً ومالياً، مثل اللعب بالنرد، حيث ينهى عنه صلى وقال كما في صحيح مسلم: (من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) وكذلك الشطرنج فهو ميسر الأعاجم فهو من الكبائر إن قامر به لكنه عند الشافعي مكروه إذا لم يقامر كما في الفقه  وأدلته. وكذلك اقتناء الكلاب إلا كلب ماشية أو حراسة أو معلم للصيد، وكذلك اللعب بالقمار وورق الشدة (الكوتشينا) وكل لهو لا فائدة منه مثله، وكذلك الغناء الذي يصف النحور والشعور والصدور والخمرة إذا المقصود بالغناء المشروع الأناشيد، وإلا فهو ليس من المسليات كما حقَّق شاه ولي الدين الدهلوي في كتابه حُجَّة الله البالغة 2/192، ثم ما شابه هذه الأشياء من الترويح الممنوع شرعاً.

 وهكذا نفهم أنَّ الإسلام دين الترويح على النفوس وأنَّ الدين متين فلنوغل فيه برفق، كما في الحديث، ولابد للتعب من راحة وإعانة كما ذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر، ص 289 وأن يكون ذلك بقدر كما قال الشاعر: 

ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن = بمقدار ما يعطى الطعام من الملح.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

 

المصدر: (الشرق القطرية 29/يونيو 2008م).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...