هل أنا هو السبب أم الجراثيم؟

هل أنا هو السبب أم الجراثيم؟

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٢ جمادى الآخرة ١٤٣٧ هـ - ٢١ آذار ٢٠١٦
777

 

 

أصبح اليوم من المؤكد أن المرض سببه الأساسي ليس وجود الجراثيم بل ضعف الجسم وانخفاض مناعته، فالجراثيم موجودة 24 ساعة في اليوم من حولنا، ولكنها لا تستطيع إمراض الجسم إلا حين تنخفض مناعته وتضعف دفاعاته التي خلقها سبحانه له لتحميه، فتستطيع عند ذلك الجراثيم استغلال لحظات الضعف هذه، فتدخل وتعمل عملها في إتعابه وتفريخ المشاكل في جسده، وبنفس الوقت لا يستعيد الجسد صحته بسبب اختفاء الجراثيم، بل بسبب استعادته للقوة والمناعة اللازمة للتعافي

فكرت كثيرا بهذه الحقيقية العلمية التي تثبت أن العامل الداخلي هو السبب الأساسي فيما يصيبك من أمور خارجية وهو أيضا السبب الأساسي لو أردت الخلاص منها، وبدأت أقيسها على واقع البشر اليوم، 

فهل السبب في كل ما يصيب الإنسان من مشاكل وأزمات وحروب ودمار وفقر ومجاعات وأمراض جسدية ونفسية سببه هو الواقع المحيط به، والذي تنتشر فيه كل أنواع الجراثيم البشرية من المنظمات والافراد التي تدعم الشر والظلم وتعين إبليس على مهمته ؟ 

أم السبب الرئيسي والوحيد هو ظلم هذا الإنسان لنفسه وإخلاله بالمناعة التي يجب أن يتمتع بها حتى تقيه هذه الأمراض والظلم الواقع عليه ؟

وحين يحار الإنسان لابد أن يلجأ إلى شيء ينير له الطريق من نصوص سماوية ثابتة، بشرط أن تكون منزهة عن أهواء البشر وتزويرهم بسبب ولعهم الفطري في ممارسة حالة ودور المظلومية والتمسكن والشكوى، فترى الإنسان يحاول أن يغطي هذا الأمر بروايات وتفسيرات تطمئنه أن السبب الأساسي هو المؤامرة الخارجية فهي السبب لكل مشاكلنا، وتداعي الأمم علينا والطمع بما عندنا هو السبب لما حل بنا، وبالتالي تراهم يحشدون الناس والأموال والموارد لتسخر في رفع المظلومية بمقاومة الآخر والطرف الخارجي، بينما المنطقي هو إزالة السبب الحقيقي الداخلي لوقوع هذه المظلومية وهو ظلم النفس وكسب اليد، فإبادة الجراثيم أمر مستحيل ومعركة خاسرة لأنهم سيبقون موجودين فهم من قدر الله في هذا الكون ليبقى التوازن بين الخير والشر، والفعل الصحيح هو رفع مناعة الجسم وتحصين دفاعاته وتسخير الموارد لهذا الهدف، وستحل عند ذلك كل المشاكل الأخرى تلقائيا

ولو تأملنا التاريخ نرى أن هناك من الشيعة والسنة واليهود والأكراد والأرمن وكثير من شعوب الأرض وطوائفها قد مارست لعب دور المظلومية وأنهم هم الضحية للآخر، وتمتلئ أدبياتهم وتراثهم بعبارات تؤيد هذا التوجه، وتستخدم المظلومية بشكل فعال في تجييش الناس والموارد لمقاومة الآخر، وترى أن الرسالة في كل خطابهم هي شيء واحد: "نحن لسنا السبب بل هو الآخر المتآمر علينا والذي قرر أن يأخذ حقوقنا ويظلمنا بدون أي ظلم منا، والحل لكل مشاكلنا هو أن نتغلب على هذا الآخر" ولا يوجد في خطابهم أي مراجعة للسبب الأساسي ولماذا وقع عليهم هذا الظلم بالأصل ؟

ولو أردنا التأمل في إجابة هذا السؤال وهل نجده في كلام الله تعالى، سنجد أن القرآن تكلم بشكل واسع وركز بشكل دائم أن المشكلة هي في نفوس البشر، وليست في أي شيء خارجي، وظلم نفسك هو السبب في وقوع أي ظلم خارجي عليك

قال الله تعالى:

{ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }[البقرة : 57]

{ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ }[آل عمران: 135].

{ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }[آل عمران: 182].

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ }[النساء: 64].

{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ }[النساء : 97].

{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }[النساء:153].

{ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }[النساء: 160].

{ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً }[الأنفال: 25].

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }[يونس: 44].

{ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ }[هود: 101].

{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا }[الكهف:35]

{ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا }[الكهف: 59].

{ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ }[آل عمران: 165].

{ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }[النساء: 62].

{ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ }[النساء: 79].

{ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }[النحل: 34].

{ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }[القصص: 47].

{ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }[الروم:36].

{ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ }[الزمر:51].

{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }[الشورى: 30].

{ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48)}[الشورى:48].

فهل يجب علينا اليوم أن نقر أن كل ما وقع علينا من ظلم، هو بسبب أفعالنا ونفوسنا وما عملته أيدينا، ونتوقف عن لعب دور الضحية والمظلومية؟.

القرار في ذلك يعود لكل واحد منا وحده منفردا

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...