هدية الرحمن وسر الاطمئنان

هدية الرحمن وسر الاطمئنان

التصنيف: ركن الشباب
الجمعة، ٢٦ جمادى الآخرة ١٤٤٦ هـ - ٢٧ كانون الأول ٢٠٢٤
322

ما رأيت شيئًا يُهذِّب النفوس ويُصفِّي الأرواح، ويرتقي بها إلى معارج القدس والقرب من الله، مثل كتاب الله الكريم، الذي هو النور الهادي والروح المُحيية. إنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميد، هو غذاء القلوب وشفاء الصدور. يا لَه من كلامٍ عجيب، تهتزُّ له الجبال، وتخشع عند سماعه القلوب القاسية، فهو قول الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

إذا وقفتَ على حروف القرآن وتأملتَ آياته، شعرتَ كأنك تغترف من بحرٍ لا ساحل له، وتشرب من معينٍ لا ينضب. كيف لا، وهو كلام ربِّ العالمين، الذي وصفه الإمام الشافعي بقوله: "إنه علم الأولين والآخرين". فتجد في آياته الوعد والوعيد، والرحمة والعذاب، والأحكام والمواعظ، والقصص التي تحرك القلوب وتبعث فيها الأمل، وتعيد إليها البصيرة بعد العمى.

يا الله! أيُّ نعمةٍ أعظم من أن يُؤذن لهذا العبد الضعيف بقراءة كلام ربه؟! أيُّ شرفٍ أجلُّ من أن يُفتح لك الباب إلى مجالسة كلام الخالق العظيم؟! حين تجلس مع القرآن، فأنت تجلس مع كلام الله الذي جعله نورًا يُستضاء به في ظلمات الحياة، وجعله موعظةً تهدي الضالين إلى سواء السبيل.

القرآن، دواء الأرواح وشفاء العقول
ما أجمل أن ترى القلوب التائهة وقد وجدت سبيلها في كتاب الله، والنفوس الحائرة وقد استقرَّت بعد أن ضمَّها حضن الآيات. إنه مصداق قول الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. فالقرآن دواءُ العليل، ونورُ السالك، وصاحبُ الوحيد. يقول الإمام ابن القيم: "إنَّ القرآن هو الغيثُ الذي به حياةُ القلوب كما أنَّ المطرَ غيثٌ به حياةُ الأرض". فمن شاء أن يُحيي قلبه، فليُقبل على كلام ربه، ومن شاء أن تُجلى همومه، فليُداوِها بآيات الله.

كم من إنسانٍ كان ضائعًا في أودية الظلمات، فلما فتح قلبه للقرآن، أضاءت حياته بأنوار الهداية! وكم من روحٍ كانت مشحونة بالهموم والآلام، فلما تلت آيات الرحمن، سكنت واطمأنَّت. إنه القرآن الذي جعل الله فيه {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، فهو دستور الحياة ومنارة السائرين.

تأثير القرآن في النفوس
إذا قرأت القرآن بخشوعٍ، شعرت أنَّ حروفه تخترق حجب النفس، فتُطهرها من أدرانها، وتُنقيها من شوائب الدنيا. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من أحب أن يعلم أنه يحب الله، فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحبَّ القرآن، فهو يحب الله، فإنما القرآن كلام الله".

كل آية تقرأها هي رسالةٌ خاصةٌ لك، تُخاطب قلبك وتُهديك إلى الصراط المستقيم. أليس الله يقول: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}؟ فهو الهداية الحقة، والنور الذي لا يَخبُو. يقول الإمام مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، وما صلح أولها إلا بالقرآن.

بين بشارات القرآن وتحذيراته
القرآن الكريم مليءٌ بالبشارات التي تبعث الأمل، والتحذيرات التي توقظ الغافلين. فإذا قرأتَ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، شعرتَ وكأنك تُبشَّر مباشرةً بجنات الخلد. وإذا تأملت قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}، أحسست بثقل الأمانة التي تحملها على عاتقك.

إنَّ القرآن يأخذك من الدنيا إلى الآخرة، يُريك من مشاهد القيامة ما يُحيي فيك الخوف والرجاء، ويُذكرك بأنَّ حياتك رحلة قصيرة تُمهِّد للقاء الله. قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "لو طهرت قلوبكم، ما شبعتم من كلام الله". فالقلب الذي يطهره القرآن، لا يمل من تلاوته ولا يُشبِع من تدبره.

القرآن، شفاءٌ للمجتمعات
ليس تأثير القرآن مقتصرًا على الأفراد، بل هو شفاءٌ للمجتمعات أيضًا. إنه الكتاب الذي يوحد القلوب، ويجمع الأمة تحت راية التوحيد. عندما تطبق أمةٌ ما تعاليم القرآن، تجد فيها العدل والسلام والرخاء. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره، أذلنا الله". والإسلام لا يستقيم إلا بكتاب الله، فهو مصدر التشريع، ومنبع الأخلاق.

هدي السلف مع القرآن
لقد كان السلف الصالح يُعلِّمون أبناءهم حب القرآن قبل أن يعلموهم الحروف. كانوا يُوقرون كلام الله ويعظمونه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "تذاكروا القرآن فإنه يُحيي القلوب". وكان الإمام أحمد يقول: "رأيتُ أهل القرآن في كل خير، وأهل غيره في كل نقصان".
كانوا إذا مروا بآية فيها ذكر الجنة، تمنوها وسألوا الله من فضله، وإذا مروا بآية فيها ذكر النار، استعاذوا بالله منها، وإذا قرأوا آية أمرٍ أو نهيٍ، وقفوا عندها يسألون أنفسهم: هل نحن من المطيعين أم من العاصين؟

هدي الإمام النووي والقرطبي مع القرآن
الإمام النووي رحمه الله كان يوصي بقراءة القرآن بتدبر وخشوع، ويقول: "ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتفكر عند القراءة، فهذا أدعى لتأثير القرآن في النفس". أما الإمام القرطبي فقال في تفسيره: "القرآن هو الكنز الذي لا تفنى عجائبه، ولا تُحصى فوائده، هو شفاءٌ من الضلال، وهدى للحق، فمن عمل به فاز، ومن أعرض عنه خسر".

هل نحن مستعدون لتلقي هدية الرحمن؟
يا أيها العبد الذي أكرمه الله بالإسلام، هل أنت مستعد لتلقي هدية الرحمن؟ هل فتحت قلبك لاستقبال كلام الله؟ إنَّ القرآن هو حبل الله المتين، من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك. قال الإمام الحسن البصري: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن".

فلنحرص على أن نكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. لنُخصص أوقاتنا لتلاوته، ولنُزين حياتنا بتدبره والعمل به. إنه الطريق إلى السعادة الحقيقية، وإلى الخلود الأبدي في جنات النعيم. يقول الإمام السيوطي: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فليكن لك منه حظ دائم، ولا تهجره وإن كنت في أشد الانشغالات". نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، ودليلنا إلى جناته. آمين


أحمد بلال بيانوني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...