(سورة المائدة: 82–120) و(سورة الأنعام: 1–110)
يمتاز هذا الجزء بترسيخ الولاء الإيماني، وإقامة الحجة على أهل الكتاب، وتقرير كمال الشريعة، ثم الانتقال إلى بناء التوحيد الخالص في مطلع الأنعام؛ حيث تُفصَّل أدلة الربوبية، وتُفنَّد شبهات الشرك، وتُرسَّخ أصول الدعوة.
أولًا: سورة المائدة (82–120)
1) تفاوت مواقف أهل الكتاب من الإسلام
قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ (المائدة: 82)
الهدايات:
• الآية تقرر واقعًا تاريخيًا في زمن النزول لا حكمًا عامًا على الأعيان في كل زمان؛ إذ العبرة بعموم المعنى مع مراعاة السياق.
• سبب القرب المذكور: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي تواضعهم وقبولهم الحق.
قال ابن كثير: “أي لما فيهم من الرقة واللين وقبول الحق” (تفسير ابن كثير 3/131).
وقال الطبري: “هذا خبر عن قوم بأعيانهم في زمن النبي ﷺ” (جامع البيان 10/526).
2) أثر سماع القرآن في قلوب أهل الإنصاف
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (المائدة: 83)
الهدايات:
• القرآن يُخاطب الفطرة السليمة فتخضع له القلوب.
• العلم الصادق يقود إلى الإيمان لا إلى الجدل العقيم.
قال القرطبي: “فيه دليل على صحة الإيمان إذا قارنه البكاء والخشوع” (الجامع 6/256).
3) كفر من قال بالتثليث
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (المائدة: 73)
الهدايات:
• تقرير التوحيد ونقض عقيدة التثليث.
• الدعوة إلى التوبة قبل نزول العذاب: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾.
قال الطبري: “هذا تكذيب لمن قال إن الله أحد ثلاثة” (10/492).
وقال السعدي: “فيها بيان بطلان التثليث من جهة العقل والنقل” (ص 236).
4) مشهد القيامة: سؤال عيسى عليه السلام
قال تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ﴾ (المائدة: 116)
الهدايات:
• تبرؤ عيسى عليه السلام من الغلو فيه.
• إبطال عبادة غير الله ولو كان نبيًا كريمًا.
قال ابن كثير: “هذا تقريع للنصارى” (3/144).
وقال القرطبي: “فيه إقامة الحجة على من غلا في الأنبياء” (6/367).
5) ختام السورة: ملك الله المطلق
قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ (المائدة: 120)
الهدايات:
• تقرير كمال القدرة والملك.
• مناسبة الختام لما سبق من بيان التشريع والجزاء.
تفسير الطبري (10/566).
ثانيًا: سورة الأنعام (1–110)
6) افتتاح السورة بتقرير التوحيد
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الأنعام: 1)
الهدايات:
• الجمع بين خلق النور والظلمات لإبطال الشرك.
• السورة مكية تُعنى بأصل الأصول: توحيد الله.
قال ابن كثير: “هذه السورة كلها في تقرير التوحيد” (3/159).
وقال الطبري: “افتتحها بالحمد لبيان استحقاقه وحده العبادة” (11/146).
7) إنكار الشرك مع وضوح الآيات
قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ… إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (الأنعام: 4)
الهدايات:
• الإعراض أخطر من الجهل.
• كثرة الدليل لا تنفع مع قسوة القلب.
تفسير السعدي (ص 255).
8) منهج الدعوة بالحجة لا بالإكراه
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (الأنعام: 19)
الهدايات:
• أعظم شاهد على الرسالة هو الله بوحيه.
• إقامة البرهان أصل في منهج الأنبياء.
تفسير الطبري (11/210).
9) خطورة تحريم ما لم يحرمه الله
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ (الأنعام: 59–59 في المعنى العام، وأصل التحريم في 59–60 وما بعدها)
الموضع الأوضح في السورة: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (الأنعام: 150)
الهدايات:
• التشريع حق خالص لله.
• تحريم الحلال أو تحليل الحرام افتراء على الله.
قال القرطبي: “فيها رد على من شرّع بغير إذن الله” (7/95).
وقال ابن كثير: “أي هاتوا حجتكم إن كنتم صادقين” (3/222).
10) رؤية الله يوم القيامة
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ ليس في هذا الجزء (هذه في القيامة)
لكن في الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (الأنعام: 103)
الهدايات:
• لا تدركه الأبصار في الدنيا إدراك إحاطة.
• الآية لا تنفي الرؤية يوم القيامة؛ بل تنفي الإحاطة.
قال ابن عباس: “لا تحيط به الأبصار” (رواه الطبري 11/353).
وقال ابن كثير: “يرى في الآخرة ولا يُحاط به” (3/266).
11) عدل الله في إرسال الرسل
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ (الأنعام: 105)
الهدايات:
• إقامة الحجة قبل المؤاخذة.
• التفصيل رحمة لقطع الأعذار.
تفسير السعدي (ص 268).
المقاصد الجامعة للجزء السابع
1. تقرير التوحيد الخالص ونقض الشرك.
2. إقامة الحجة على أهل الكتاب وبيان انحراف الغلو.
3. أن التشريع حق لله وحده.
4. أن القرآن يخاطب الفطرة السليمة.
5. أن الدعوة تقوم على البرهان لا العاطفة المجردة
بقلم: مصطفى عرفة
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


