هدايات القرآن الكريم (الجزء السابع والعشرين) (27)

هدايات القرآن الكريم (الجزء السابع والعشرين) (27)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
38

من سورة الذاريات إلى سورة الحديد
الجزء السابع والعشرون يبدأ من قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ سورة الذاريات: 31
وينتهي عند قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ سورة الحديد: 29

هذا الجزء من الأجزاء العظيمة في ترسيخ اليقين، وتعظيم الوحي، وكسر الغفلة، وبناء القلب الخاشع الشاكر، وردّ الإنسان إلى حقيقة العبودية. ففيه يتكرر بوضوح: أن الوعد حق، والجزاء واقع، والقرآن ميسر للذكر، والرحمة الإلهية ظاهرة في الخلق والوحي والرزق، وأن النجاة ليست بالاغترار ولا بالدعاوى، بل بالتقوى والصدق والإنفاق والخشية. وتكاد سوره كلها تنقل القلب بين مشاهد القدرة، ومواطن الخوف، ومواضع الرجاء، ومقامات الشكر والتسليم.



أولًا: هدايات بقيّة سورة الذاريات


1) إبراهيم عليه السلام يعلّمنا فقه السؤال بعد الاطمئنان إلى أصل الرسالة
يبدأ الجزء بسؤال إبراهيم عليه السلام للملائكة: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.
فسر الطبري والسعدي معنى الخطب بالشأن العظيم أو الأمر المهم، وأن إبراهيم عليه السلام لما استشعر أنهم رسل علم أن وراء مجيئهم مهمة عظيمة. ففي الآية أدب نبوي رفيع: لا فضول، ولا اضطراب، بل سؤال منضبط بعد تبين الأصل.
الهدايات:
• إذا بان أصل الحق، صار السؤال بعده سؤال فهم لا سؤال تشغيب.
• النفوس المؤمنة لا تستغرب سنن الله في إرسال الرسل والملائكة، لكنها تتأدب في الاستفسار عنها.
• في القصة انتقال لطيف من الضيافة إلى الوحي إلى القضاء الإلهي، وكأن السورة تعلم أن حياة المؤمن مفتوحة دائمًا على معنى الرسالة.
تدبر:
ليس كل سؤال نابعًا من الشك؛ فقد يكون السؤال من تمام اليقين، لأن القلب المطمئن بالحق يطلب مزيد الفهم لا أصل الإثبات.


2) في الأرض والسماء آيات رزق وتوحيد، لكن الغفلة تحجبها
من أعظم آيات السورة في هذا الموضع قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
وهذه الآيات تجمع بين التفكر في الكون، والتفكر في النفس، واليقين بأن الرزق والوعد بيد الله. فالوحي هنا لا يفصل بين العقيدة والمعاش؛ بل يجعل الرزق نفسه بابًا من أبواب التوحيد.
الهدايات:
• اليقين يزداد كلما اتسع بصر القلب في الأرض والنفس والسماء.
• من أعظم ما يهدئ القلق على الرزق أن يعلم العبد أن خزائنه عند الله لا عند الخلق.
• القرآن يربي المؤمن على أن لا يرى الوقائع المادية منفصلة عن التدبير الإلهي.
لطيفة:
جمعت السورة بين الآيات والرزق والوعد؛ لتعلم أن من رزقك هو نفسه من وعدك، فكيف تطمئن للأولى وتضطرب من الثانية؟


3) الغاية الكبرى من الخلق: العبودية لا اللهو ولا الاستكثار
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
هذه من الآيات الجامعة في القرآن، تبين أن أصل وجود الإنسان ليس العبث ولا الاستهلاك ولا زخارف الحياة، بل العبودية لله. ثم عقب بقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾، فالله لا ينتفع بطاعتهم، إنما هم المنتفعون بها.
الهدايات:
• حين تضيع الغاية تضيع معها معايير النجاح كلها.
• العبادة في القرآن ليست طقسًا معزولًا، بل حقيقة الوجود الإنساني.
• من عرف أنه مخلوق للعبودية خف عنده كثير من صراع المقارنات الدنيوية.
تدبر:
الآية لا تقول فقط: اعبدوا الله، بل تقول ضمنًا: افهموا لماذا خُلقتم أصلًا.



ثانيًا: هدايات سورة الطور


1) التثبيت يبدأ من اليقين بأن العذاب حق والنعيم حق
سورة الطور تبني القلب على مشاهد القيامة والجزاء: وعيد شديد للمكذبين، ونعيم كريم للمتقين. وهي من السور التي تجعل المآل حاضرًا بقوة حتى لا يذوب الإنسان في حاضره العابر. ومن أبرز مقاصدها تثبيت النبي ﷺ والمؤمنين أمام استهزاء المكذبين وتهمهم المتكررة.
الهدايات:
• من أقوى ما يثبت القلب أن يرى نهاية الطريق لا بدايته فقط.
• لا يجوز أن تُقرأ الحياة بلا آخرة؛ لأن هذا يخلّ بكل موازين العدل.
• كثرة حديث القرآن عن الجنة والنار ليست تكرارًا، بل حفظٌ للبوصلة.


2) اصبر لحكم ربك، فالعين الإلهية ترعاك
في السورة معنى عظيم للنبي ﷺ: أن يصبر لحكم ربه، وأن يسبحه حين يقوم، ومن الليل، وإدبار النجوم. فهذا يربط الصبر بالذكر، ويجعل العبادة وقود الاحتمال والثبات. ومن أعظم دروسها أن من كان تحت عين الله ورعايته لا ينبغي أن تكسره تهم الناس ولا بطء النتائج.
الهدايات:
• الصبر في القرآن لا يُفصل عن الذكر والعبادة.
• من أعظم أسباب الثبات أن يعلم العبد أنه يعمل تحت نظر الله لا تحت تصفيق الناس.
• الليل في القرآن موطن تجديد القوة الإيمانية لا مجرد وقت راحة.
تدبر:
كثير من الناس يطلبون الصبر من غير زاد، بينما القرآن يربط الصبر بـ التسبيح والقيام.



ثالثًا: هدايات سورة النجم


1) الوحي حق، والرسول ﷺ ما ضل وما غوى
سورة النجم من أعظم السور في تثبيت مصدر الوحي، وبيان أن ما جاء به النبي ﷺ ليس هوى ولا ظنًا، بل وحي صادق. ولهذا كان افتتاحها حاسمًا في رد شبهات المشركين حول القرآن والرسالة. فالمؤمن هنا يتعلم أن علاقته بالوحي ينبغي أن تقوم على الثقة الكاملة في مصدره وصدقه.
الهدايات:
• اليقين بالوحي أصل كل بناء إيماني بعده.
• من لم يحسم قضية المصدر عاش مترددًا في قبول الأحكام والهدايات.
• القرآن لا يطلب من المؤمن تعليق عقله، بل يطلب منه أن يسلم بعد قيام البرهان.


2) اجتناب الكبائر مع ترك تزكية النفس من أعلام الاستقامة
من أعظم آيات السورة قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ… فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾.
فسر السعدي أن هؤلاء يفعلون الواجبات ويتركون المحرمات الكبار، وأن اللمم من الصغائر التي لا يُصرّ عليها، ثم نهى عن تزكية النفس لأن الله أعلم بمن اتقى. وفسر ابن كثير المعنى نفسه مع التأكيد على سعة مغفرة الله.
الهدايات:
• الاستقامة لا تعني العصمة المطلقة، بل تعني اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر.
• من فساد القلب أن يشتغل بتزكية نفسه أمام الناس بدل إصلاحها بين يدي الله.
• الرحمة الإلهية واسعة، لكنها لا تصلح ذريعة للتساهل المتعمد.
لطيفة:
جمعت الآية بين العمل والمغفرة ونفي تزكية النفس؛ لتبني مؤمنًا يعمل، ويرجو، ويتواضع.


3) السجود ختام المعرفة الصادقة
تختم السورة بقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾.
وهذا ختام بديع بعد عرض الوحي، والبعث، وحال من ضحكوا ولم يبكوا، وأعرضوا واستكبروا. فكأن السورة تقول: بعد كل هذا البيان لا يبقى إلا أن يترجم العلم إلى سجود.
الهدايات:
• العلم الحق في القرآن ينتهي إلى عبادة لا إلى جدل مجرد.
• السجود ترجمة عملية لليقين، لا مجرد حركة بدنية.
• من أجمل الخواتيم أن يأمر الوحي بما يلائم كل ما قبله: خضوعًا بعد بيان.



رابعًا: هدايات سورة القمر


1) اقتراب الساعة يوجب الجد لا التسويف
تبدأ السورة بقول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
ومقصد السورة واضح في ضرب الغفلة عن الناس بتكرار مشاهد المكذبين من الأمم السابقة، وكيف جاءهم الإنذار ثم ردوه، ثم أخذهم الله. فهي سورة تكرارها مقصود لإيقاظ القلب من البلادة.
الهدايات:
• قرب الساعة في القرآن ليس خبرًا زمنيًا فقط، بل رسالة تربوية: لا تؤجل التوبة.
• من أكبر أوهام النفس أن تتعامل مع المصير كأنه بعيد.
• تكرار مصارع الأمم في السورة يربي على الاتعاظ بالتاريخ لا الاكتفاء بسرده.


2) لقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟
تتكرر في السورة أربع مرات الآية: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.
فسر السعدي أن الله يسر ألفاظ القرآن للحفظ والأداء، ويسر معانيه للفهم والعلم، وأن كل من أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه. وفسر الطبري أن معنى يسرناه: سهلناه وبيّناه للاتعاظ.
الهدايات:
• القرآن أقرب إلى القلب والعقل مما يتوهم كثير من الناس.
• الصعوبة الكبرى ليست في القرآن، بل في ضعف الإقبال عليه.
• من أعظم البشارات لطالب العلم أن القرآن ميسر لمن صدق في طلبه.
تدبر:
التحدي في الآية ليس: هل يوجد قرآن واضح؟ بل: هل يوجد من يريد أن يتذكر فعلًا؟


3) تكرار القصص في القمر ليس تكرارًا لفظيًا بل تثبيت لسنن الله
قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون؛ كلهم مروا في السورة بمشهد متكرر: إنذار، تكذيب، أخذ. وهذا يعلّم أن صور الفساد قد تختلف، لكن العاقبة إذا أصر الناس على رد الحق واحدة.
الهدايات:
• التاريخ في القرآن مدرسة سنن لا مجرد سجل أحداث.
• إذا تشابهت المقدمات الباطلة فلا تستغرب تشابه النهايات.
• أعظم ما يمنع تكرار الهلاك هو الاتعاظ لا مجرد المعرفة المجردة بالماضي.



خامسًا: هدايات سورة الرحمن


1) الرحمة هي عنوان السورة ومنبع نعمها كلها
افتتحت السورة بكلمة واحدة مهيبة: ﴿الرَّحْمَٰنُ﴾.
وفسر السعدي أن السورة افتتحت بهذا الاسم الدال على سعة الرحمة وعموم الإحسان، ثم ذكرت آثار هذه الرحمة في النعم الدينية والدنيوية والأخروية، وأن تكرار ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تنبيه للثقلين إلى شكر النعم. وذكر الطبري معنى قريبًا حين قال: برحمته علّمكم القرآن.
الهدايات:
• أعظم نعمة في السورة ليست نعمة مادية، بل تعليم القرآن.
• الرحمة في القرآن ليست عاطفة مجردة، بل نظام نعم شامل للدين والدنيا والآخرة.
• التكرار في السورة ليس ترديدًا فنيًا فقط، بل مطرقة تذكير على قلب الغافل.
تدبر:
بدأت السورة بـ الرحمن قبل ذكر الإنسان والبيان والميزان؛ لتعلم أن الأصل الذي تنبثق منه النعم كلها هو رحمة الله.


2) الميزان في الكون والشريعة والحياة
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾.
فالسورة تربط بين ميزان الكون وميزان العدل في حياة الإنسان؛ كأن الاعتداء في الأخلاق والمعاملات خروج على نظام كوني رباني.
الهدايات:
• العدل ليس قيمة اجتماعية فقط، بل امتداد لنظام أودعه الله في الكون.
• الطغيان يبدأ حين يختل الميزان في القلب قبل أن يختل في السوق والقضاء.
• من أجمل ما في السورة أنها تنقل العدل من كونه حكمًا فقهيًا إلى كونه مبدأ وجوديًا.


3) مشاهد الجنتين تربي القلب على طلب الأعلى
تصف السورة جنتين للمقربين، ثم جنتين دونهما، وفي ذلك تفصيل بديع للنعيم الأخروي. وهذا التفصيل لا يراد منه مجرد تصوير النعيم، بل تربية النفس على التنافس والرجاء وحسن الاستعداد.
الهدايات:
• القرآن لا يكتفي بتخويف النفس، بل يفتح لها آفاق الرجاء والجمال.
• تنوع درجات الجنة يربي على عدم القناعة بأدنى مقامات الطاعة.
• من عرف شيئًا من نعيم الجنة صغرت في عينه كثير من شهوات الدنيا.



سادسًا: هدايات سورة الواقعة


1) الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، لا منزلة واحدة
تقسم السورة الناس إلى: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
وهذا التقسيم يربي النفس على أن النجاة درجات، وأن المطلوب ليس فقط الفرار من الخسران، بل السعي إلى السبق.
الهدايات:
• لا تجعل هدفك النجاة الدنيا فقط، بل اطلب مراتب القرب.
• التفاوت الأخروي ثمرة تفاوت السير في الدنيا.
• من أعظم فقه السورة أنها لا تساوي بين الجميع في المآل.


2) هذا القرآن كريم، فلا يليق أن يعامل معاملة النصوص العادية
في وسط السورة يأتي الثناء على القرآن: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.
ثم تربط السورة بين التكذيب به وبين الغفلة عن آيات الله في الخلق والموت والرزق. فهي ترفع مقام الوحي، ثم تكشف تهافت من أعرض عنه.
الهدايات:
• تعظيم القرآن جزء من تعظيم الله.
• من إكرام القرآن أن يُتدبر ويُعمل به، لا أن يقتصر على التلاوة المجردة.
• لا يليق بكلام الله أن يعامل في القلب كمعلومة إضافية أو عادة موسمية.


3) مشهد الاحتضار يكسر الغرور كله
من أبلغ مقاطع السورة وصفها لحظة خروج الروح: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾.
وهنا ترد السورة الإنسان إلى ضعفه التام؛ لا يملك لنفسه شيئًا عند النهاية، ولا يقدر الخلق على رد الروح. فكيف يغتر بعد ذلك بقوته وعلمه وماله؟
الهدايات:
• أعظم ما يكسر كبرياء النفس تذكر ساعة الاحتضار.
• الإنسان في نهاية الطريق أحوج ما يكون إلى الله.
• من عقل هذه الآيات عاش أكثر استعدادًا للموت، وأقل تعلقًا بوهم السيطرة.



سابعًا: هدايات سورة الحديد


1) تسبيح الكون كله يردّ القلب إلى التعظيم
افتتحت السورة بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
فسر السعدي أن جميع ما في السماوات والأرض يسبح بحمد الله وينزهه، وأن في ذلك بيان عظمته وجلاله وعموم افتقار المخلوقات إليه، وعموم عزته وحكمته. وذكر ابن كثير المعنى نفسه في افتتاح السورة.
الهدايات:
• إذا كان الكون كله مسبحًا، فلا يليق بالإنسان أن يعيش في غفلة عن التسبيح.
• التعظيم لله ليس شأنًا فرديًا محدودًا، بل هو لغة الوجود كله.
• من أعظم آثار هذه الآية أنها تخرج العبد من سجن نفسه إلى رحابة الملكوت.
تدبر:
حين يسمع المؤمن أن كل ما في السماوات والأرض يسبح، يشعر أن الغفلة شذوذ، وأن الذكر هو الأصل.


2) المعية الإلهية تبعث المراقبة والطمأنينة معًا
في السورة تقرير لعظمة الله وملكه وعلمه، ثم قوله: وهو معكم أينما كنتم. وهذه المعية في القرآن تثمر أمرين عظيمين: مراقبة تمنع الانفلات، وطمأنينة تمنع الوحشة. فالله مع عباده بعلمه وإحاطته ونصره وتدبيره بحسب ما يليق بجلاله.
الهدايات:
• لا يعيش المؤمن في فراغ روحي إذا استحضر معية الله.
• المراقبة الحقيقية لا تحتاج إلى كثرة الناس إذا كان القلب حيًا بهذه المعية.
• الخلوة مع الله ترفع عن القلب كثيرًا من قلق الوحدة والخوف.


3) الإنفاق هنا ليس تفضلاً منك، بل أداء أمانة استخلفك الله فيها
قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
فالسورة تصحح نظرة الإنسان إلى المال: ليس ملكًا ذاتيًا مطلقًا، بل مال استخلاف واختبار. ومن هنا جاء الحث على المسارعة بالإنفاق قبل أن يفوت زمن البذل.
الهدايات:
• حين يفهم العبد أنه مستخلف يخفّ تعلّقه المرضي بالمال.
• الإنفاق في القرآن ليس خسارة، بل ترجمة لفهم صحيح للملكية.
• أعظم ما يمنع البذل هو وهم الاستحقاق الذاتي المطلق لما في اليد.


4) لا يستوي من سبق في البذل والجهاد مع من جاء بعد الفتح
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
وهذا يربي النفس على فقه الزمن والمبادرة؛ فالأعمال في أوقات الشدة والسبق أعظم وزنًا من الأعمال بعد استقرار الأحوال.
الهدايات:
• المبادرة في أوقات الحرج أثمن من المشاركة بعد زوال الصعوبة.
• ليس المهم أن تعمل فقط، بل متى تعمل، وفي أي ظرف، وبأي صدق.
• فقه الأولويات والسبق من معاني هذه الآية العظيمة.


5) قسوة القلب بعد طول الأمد آفة تهدد المتدينين أيضًا
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾.
هذه الآية من أوجع آيات المراجعة؛ لأنها تخاطب المؤمنين أنفسهم، وتحذرهم من مشابهة من طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. فالسورة لا تكتفي بمدح الإيمان، بل تلاحق أمراض الجمود والفتور.
الهدايات:
• الإيمان يحتاج تجديدًا دائمًا حتى لا يتحول إلى عادة خالية من الخشوع.
• طول الزمن بلا تذكر قد يقسو معه القلب ولو بقيت بعض الظواهر الدينية.
• من رحمة الله أن نداء المراجعة يأتي قبل أن يستحكم الداء.
تدبر:
في هذه الآية سؤال يهزّ القلب: ألم يأن؟ وكأن المشكلة ليست في فقد الوسائل، بل في تأخر الاستجابة.


المحاور الكبرى للجزء السابع والعشرين
المحور الأول: اليقين بالوعد والجزاء
من الذاريات إلى الواقعة يتكرر أن ما توعدون لصادق، وأن الدين لواقع، وأن الناس سيرجعون إلى أصنافهم ومآلاتهم.
المحور الثاني: القرآن ميسر، والرحمة به سابقة
في القمر يتكرر تيسير القرآن، وفي الرحمن يبدأ التعليم به قبل خلق الإنسان، وكأن الوحي هو أعظم الرحمة وأقربها إلى القلوب.
المحور الثالث: القلب السليم والخشوع والتسبيح
من إبراهيم في الصافات، إلى السجود في النجم، إلى خشوع المؤمن في الحديد، يظهر أن صلاح القلب هو مركز الطريق كله.
المحور الرابع: النعمة تحتاج شكرًا والمال يحتاج بذلًا
في الرحمن والواقعة والحديد يتكرر أن النعم ليست للاغترار، بل للشكر، وأن المال والرزق أمانة يختبر بها العبد.
المحور الخامس: الثبات ليس بالادعاء بل بالسبق والمجاهدة
الحديد خاصة تبين أن السبق في البذل والجهاد له منزلته، وأن القلوب لا تثبت إلا بذكر الله وخشيته والإنفاق في سبيله.


خلاصة تدبرية جامعة
الجزء السابع والعشرون يقول للمؤمن بوضوح:
• لا تعش في الدنيا بعقل الغافل؛ فالوعد حق، والجزاء واقع.
• أقبل على القرآن، فإنه ميسر للذكر، ورحمة للعقول والقلوب.
• اهتم بسلامة قلبك، فالقلب السليم هو الذي يحمل التوحيد والخشوع والصدق.
• لا تغتر بالنعم؛ فكل نعمة لا تقود إلى الشكر قد تتحول إلى حجة على صاحبها.
• تذكر أن الموت والاحتضار يكشفان حقيقة الضعف الإنساني كله.
• الزم التسبيح والذكر والقيام والاستغفار، فهذه زاد المتقين.
• أنفق مما استخلفك الله فيه، ولا تؤخر البذل حتى يفوت زمن السبق.
• وراجع قلبك دائمًا: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم؟
فهذا الجزء يبني في النفس: يقينًا أرسخ، وخشوعًا أعمق، وشكرًا أوفى، وزهدًا أبصر، واستعدادًا أصدق للقاء الله.


بقلم: مصطفى عرفة

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...