هدايات القرآن الكريم (الجزء الخامس والعشرين) (25)

هدايات القرآن الكريم (الجزء الخامس والعشرين) (25)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
23

من سورة فصلت إلى سورة الجاثية
الجزء الخامس والعشرون يبدأ من قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ سورة فصلت: 47
وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ سورة الجاثية: 37.
هذا الجزء من الأجزاء العظيمة في إقامة اليقين، وتهذيب النفس، وكشف أثر الوحي في القلب والحياة، وردّ الإنسان إلى مقام العبودية بعد فتنة النعمة، وبيان أن القوة، والعلم، والصحبة، والحضارة، لا قيمة لها إذا انفصلت عن التوحيد والإنابة. وهو جزء يتكرر فيه بوضوح معنى: أن الله هو المالك للغيب، والهادي إلى الصراط، والمنعم بالنعم، والمستحق وحده للحمد والكبرياء.



أولًا: هدايات بقيّة سورة فصلت


1) الغيب الأكبر مردّه إلى الله وحده
يفتتح الجزء بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
فسر السعدي أن جميع الخلق يردون علم الساعة إلى الله، ويقرون بالعجز عنها، وأن علمه سبحانه محيط بكل شيء: بخروج الثمرات، وحمل الإناث، ووضعها، فلا يخفى عليه شيء من دقائق الكون ولا من دقائق المصير. وفسر ابن كثير أن هذا العلم لا يعلمه أحد سواه.
الهدايات:
• من كمال التوحيد ردّ الغيب إلى الله، وعدم التعلق بأوهام البشر في ذلك.
• الذي يعلم أدق تفاصيل الثمرة في غلافها، والجنين في بطن أمه، هو وحده الذي يُرجع إليه أمر الساعة والحساب.
• من عرف سعة علم الله خفّ عنده اضطراب التوقعات، واستقام قلبه على التسليم.
تدبر:
السورة تبدأ هنا بربط أعظم غيب، وهو الساعة، بـ أدق المشاهد اليومية، كخروج الثمرات والحمل والوضع؛ ليعلمك القرآن أن من أحاط بالصغير لا يعجزه الكبير.


2) الشرك يتهاوى يوم القيامة، ويتبرأ أصحابه مما كانوا يزعمون
في الآيات التالية يأتي النداء: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾، فيقرّ المشركون: ﴿آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾.
وفسر الطبري ذلك بأنهم يخبرون الله يومئذ أنه لا أحد منهم يشهد أن له شريكًا، بعد أن ضلّ عنهم ما كانوا يدعون من قبل. فهذه لحظة سقوط الوهم كله: وهم الأنداد، ووهم الشفعاء الباطلين، ووهم القوة المتوهمة في غير الله.
الهدايات:
• كل تعلّق بغير الله تعلّق مهدد بالانكشاف يوم القيامة.
• الباطل قد يصنع لنفسه ضجيجًا في الدنيا، لكنه ينهار في ساعة الحقيقة.
• من أعظم النعم أن يطهّر العبد توحيده قبل يوم يتبرأ فيه المبطل من باطله.


3) طبيعة الإنسان إذا لم يربَّه الوحي: يطغى في النعمة ويجزع في الشدة
تصف الآيات حال الإنسان: إذا أنعم الله عليه أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض. وهذا المعنى متكرر في القرآن، لكنه هنا يأتي بعد تقرير العلم والبعث؛ ليبين أن مشكلة الإنسان ليست الجهل بالنعمة فقط، بل سوء التلقي لها، وأن قلبه إذا لم يتهذب بالإيمان صار متقلبًا بين الغرور والهلع. والمعنى العام في هذا السياق ظاهر في تفاسير السورة.
الهدايات:
• النعمة قد تكون فتنة إذا أورثت الإعراض.
• الشدة قد تكشف حاجة الإنسان الحقيقية إلى الله بعد غفلة طويلة.
• القلب السوي ليس الذي يدعو عند البلاء فقط، بل الذي يشكر عند الرخاء، وينيب في الحالين.
تدبر:
ليس العجيب أن يدعو الإنسان عند الشدة، بل العجيب أن ينسى هذا الافتقار بمجرد أن ترتفع عنه.


4) آيات الآفاق والأنفس طريق إلى اليقين
تختم السورة بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾.
وهذا من أوسع الأبواب في القرآن: أن الله لا يترك عباده بلا بينات، بل يريهم من الآيات الكونية، والتاريخية، والنفسية، ما يبين أن هذا القرآن حق. فالوحي لا ينفصل عن الكون، ولا عن النفس البشرية، بل يشهد كل منهما للآخر. والمعنى العام مقرر عند المفسرين في هذا الموضع.
الهدايات:
• المؤمن كلما اتسع نظره في الآفاق والأنفس ازداد يقينه بالوحي.
• الحق لا يقوم على مطالبة مستمرة بآية جديدة، لأن الآيات مبثوثة في كل شيء.
• من أعظم الغبن أن يعيش الإنسان محاطًا بالبراهين ثم يظل مترددًا في أصل الحق.



ثانيًا: هدايات سورة الشورى


1) هذا الوحي امتداد لوحي واحد، وطريق الأنبياء واحد
افتتحت السورة ببيان أن الله أوحى إلى محمد ﷺ كما أوحى إلى من قبله، ثم قالت: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا… أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.
فسر السعدي والطبري أن المعنى: اعملوا بالدين كله، أصوله وفروعه، واجتهدوا في إقامته، ولا تجعلوا المسائل سببًا للتفرق والتحزب بعد الاتفاق على أصل الدين. وفسر ابن كثير أن هذا يبين وحدة طريق الرسل ووحدة أصل الرسالة.
الهدايات:
• إقامة الدين أوسع من المعرفة؛ إنها عمل، ودعوة، وتعاون على البر.
• الخلاف إذا مزق الأمة بعد اتفاقها على أصل الدين خرج عن مقصود السورة.
• من أعظم فقه الدين أن يميز الإنسان بين حفظ الأصول وتحويل الفروع إلى معارك هدم.
تدبر:
السورة لم تقل فقط: آمنوا بالدين، بل قالت: أقيموا الدين؛ لأن الحق لا يراد له أن يبقى أفكارًا معلقة، بل حياة قائمة.


2) لله مقاليد السماوات والأرض، فالسعة والضيق بيده لا بيد الخلق
في السورة تقرير واضح أن له مفاتيح السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وهذا المعنى يبني في القلب توكلًا وطمأنينة، ويهدم أوهام الاستقلال البشري. فمن عرف أن الرزق والتقدير بيد الله لم يبالغ في الخوف من الناس، ولم يغتر كثيرًا بما في يده. والمعنى العام في أوائل الشورى ظاهر في التفسير.
الهدايات:
• القلوب تضطرب حين تنظر إلى الأسباب وحدها.
• من أعظم أسباب السكينة أن يعرف العبد أن مفاتيح الأمور بيد الله.
• الرزق قد يبسط وقد يقدر، لكن المالك واحد، والمدبر واحد، والعبد في الحالين مأمور بحسن الصلة بربه.


3) ما عند الله خير وأبقى، وهذه قاعدة لتحرير القلب من فتنة الدنيا
قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
فسر السعدي وابن كثير أن هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وأن مهما جمع الإنسان من ملك ورياسة ومال وصحة فهو متاع منقطع، بينما ما عند الله خير وأبقى.
الهدايات:
• ليست المشكلة في وجود النعمة، بل في تحويلها إلى الغاية القصوى.
• القلب إذا استقر فيه أن ما عند الله أبقى صار أهدأ عند الفقد، وأقل اغترارًا عند الوجود.
• من أعظم فقه المعاملة مع الدنيا أن تُستعمل ولا تُعبد.


4) من صفات أهل الإيمان: اجتناب الكبائر، وكظم الغيظ، والاستجابة للشورى
في هذا المقطع من الشورى يجمع القرآن بين صفات شخصية وجماعية: اجتناب كبائر الإثم والفواحش، والعفو عند الغضب، والاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة، وأمرهم شورى بينهم. فالسورة تبني نموذج المؤمن الكامل: قلب نقي، وعبادة قائمة، وأخلاق راقية، ومجتمع يتشاور ولا يستبد. وفسر السعدي الفرق بين الكبائر والفواحش في هذا الموضع، كما شرح معاني الصفح والعفو.
الهدايات:
• الإيمان ليس تدينًا فرديًا منقطعًا عن الخلق والنظام الاجتماعي.
• الشورى في القرآن ليست مجرد آلية إدارية، بل خلق إيماني ضد الاستبداد بالرأي.
• من علامات نضج النفس أنها لا تُقاد سريعًا بالغضب.


5) الصبر على الأذى مع القدرة على الانتقام من عزم الأمور
قال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
فسر الطبري والقرطبي والسعدي أن المقصود: من صبر على الإساءة وغفر للمسيء مع قدرته على الانتصار ابتغاء وجه الله، فإن هذا من الأمور التي ندب الله عباده إليها وعزم عليهم العمل بها، وهي شاقة على النفوس لكن ثمرتها عظيمة.
الهدايات:
• العفو ليس عجزًا، بل رتبة عالية تظهر خصوصًا عند القدرة.
• لا يبلغ هذه المرتبة إلا من جاهد نفسه واستعان بالله.
• من ذاق حلاوة العفو لله هان عليه كثير من الصراع الشخصي.
تدبر:
السورة لا تلغي حق الانتصار المشروع، لكنها تفتح بابًا أعلى: أن تغفر طلبًا لما عند الله لا خوفًا من الناس.



ثالثًا: هدايات سورة الزخرف


1) النعم الدنيوية يجب أن تقود إلى الشكر والتسخير لله
في أوائل السورة يذكر الله تسخير الأنعام والمراكب ويقول: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾.
فسر الطبري هذه الآية بذكر النعمة عند الركوب، وفسر السعدي أن المقصود بيان أن الرب الذي أفاض هذه النعم هو المستحق أن يعبد ويشكر. فالسورة لا تذكر الوسائل من أجل الترف الذهني، بل لتربط الحركة اليومية بالمنعم سبحانه.
الهدايات:
• من مقاصد النعمة أن تذكرك بالله لا أن تنسيك إياه.
• التسخير باب من أبواب التوحيد؛ لأن من سخر لك هو المستحق للشكر والخضوع.
• المسلم لا يمر على المراكب والوسائل مرورًا غافلًا، بل يربطها دائمًا بمعنى النعمة.


2) زخارف الدنيا قد تكون فتنة، ورحمة الله تمنع من انفتاحها المطلق على الكافرين
تذكر السورة أن الله لو شاء لجعل للكفار من الزخارف والفضة والبيوت المزخرفة ما يبهر الأبصار، لكنه لم يفعل ذلك رحمة بعباده لئلا يتسارع الناس إلى الكفر بسبب الافتتان بالدنيا. وفسر السعدي هذا المعنى صراحة.
الهدايات:
• البريق الدنيوي ليس دليل كرامة عند الله.
• من رحمة الله أن لا يفتح زخارف الدنيا للكفر فتحًا يفسد فطر الناس جميعًا.
• كثرة المتاع قد تحجب البصيرة إذا لم يصحبها إيمان.
تدبر:
كم من الناس يقيسون النجاح بما يلمع، بينما السورة تذكرك أن اللمعان نفسه قد يكون باب اختبار لا باب رضى.


3) الإعراض عن ذكر الرحمن يورث قرينًا من الشياطين
قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
فسر السعدي أن من أعرض عن القرآن، وهو أعظم رحمة، قيض له الرحمن شيطانًا مريدًا يقارنه ويصاحبه ويؤزه إلى المعاصي ويزين له الباطل حتى يظن أنه على هدى. وهذه من أخطر سنن الإعراض في السورة.
الهدايات:
• الفراغ من ذكر الله لا يبقى فراغًا؛ بل غالبًا يملؤه الشيطان.
• من أعظم العقوبات أن يحرم الإنسان نور الهداية حتى يرى الضلال هدى.
• علاج هذا الخطر يبدأ بإحياء الصلة بالقرآن، لا بمجرد مقاومة بعض العوارض السلوكية.


4) براءة إبراهيم من الشرك تبني هوية المؤمن عبر التاريخ
تعرض السورة موقف إبراهيم عليه السلام من قومه وآلهتهم، وأنه جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه. وهذا يربط المؤمن بجذره العقدي الأصيل: البراءة من الشرك، والولاء لله وحده، وعدم الافتتان بتقاليد الآباء إذا خالفت الحق. والمعنى العام ظاهر في السورة وتفسيرها.
الهدايات:
• الانتماء الحقيقي في القرآن هو انتماء التوحيد لا انتماء العادة الموروثة.
• من أعظم الوفاء لإبراهيم أن تحيا كلمته في القلب والسلوك.
• لا تملك التقاليد قوة شرعية إذا ناقضت أصل الدين.


5) الصحبة التي لا تقوم على التقوى تنقلب يوم القيامة عداوة
قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.
فسر السعدي وابن كثير أن الأخلاء المتحابين على الكفر أو المعصية تنقلب خلتهم يوم القيامة عداوة، أما أهل التقوى فتدوم مودتهم لأن أصلها كان لله.
الهدايات:
• ليست كل علاقة نافعة، بل العلاقة تقاس بما تؤسس عليه.
• الصحبة التي تبعد عن الله مؤقتة النفع، دائمة الحسرة.
• من أجمل ما يطلبه المؤمن أن تكون موداته ممتدة إلى الآخرة لا منتهية عند حدود الدنيا.
تدبر:
كم من صداقة تُضحك في الدنيا وتُبكي في الآخرة، وكم من صحبة تقية تبدو قليلة الصخب لكنها أبقى أثرًا.

6) دعوى الولد باطلة عقلًا ونقلًا
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
فسر السعدي أن المعنى: لو كان ذلك حقًا لكنت أول مثبت له، فلما كان باطلًا علم فساد دعواهم عقلًا ونقلًا. وذكر القرطبي وجوهًا في الآية كلها تدور على إبطال دعوى الولد عن الله وتعظيم تنزهه سبحانه.
الهدايات:
• التوحيد في القرآن لا يكتفي بالنفي المجرد، بل يردّ الشبهات بأقوى بيان.
• تعظيم الله يقتضي تنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله.
• من صفاء العقيدة أن يقف القلب مع النص الصحيح وقفة تسليم وتعظيم.



رابعًا: هدايات سورة الدخان


1) القرآن نزل في ليلة مباركة، والإنذار رحمة قبل وقوع العذاب
افتتحت السورة بالقسم بالكتاب المبين، ثم قالت: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾.
ثم جاء قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾.
فسر السعدي أن المراد: انتظر فيهم العذاب فقد قرب أوانه، وذكر القرطبي أن هذا وعيد للمكذبين. فالسورة تجمع بين شرف الوحي وخطر الإعراض عنه.
الهدايات:
• كلما عظمت نعمة الوحي عظمت تبعة الإعراض عنه.
• الإنذار في القرآن رحمة قبل أن يكون عقوبة؛ لأنه يوقظ قبل أن يفجأ.
• لا تؤمن القلوب القاسية من العذاب لمجرد طول الإمهال.


2) إرسال موسى إلى فرعون يكرر سنّة الرسالات: البلاغ، ثم الإصرار، ثم الأخذ
تعرض السورة قصة موسى مع فرعون وقومه بإيجاز قوي، مبينة أنهم كذبوا، وأن الله أنجى بني إسرائيل وأورثهم من الآيات ما تقوم به الحجة. وهذا يرسخ أن طريق الرسالات واحد: دعوة واضحة، وحجة قائمة، واستكبار من أهل الطغيان، ثم أخذ إلهي بعد الإصرار. والمعنى في السورة ظاهر.
الهدايات:
• لا ينبغي أن يضطرب المؤمن من تكرر سنن الطغيان؛ فالقرآن يقرر أنها متشابهة عبر العصور.
• النجاة للمؤمنين قد تتأخر لحكمة، لكنها لا تضيع.
• أعظم ما يثبت القلوب أن ترى وحدة سنن الله في التاريخ.


3) ما خُلق الكون لعبًا، بل لحكمة وحق وجزاء
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾.
فسر السعدي وابن كثير أن الله لم يخلق ذلك عبثًا ولا لهوًا ولا سدى، بل بالحق وللجزاء والاختبار وإقامة العبودية. وهذا من أعمدة العقيدة في السورة.
الهدايات:
• من أكبر أسباب الضياع الوجودي أن يظن الإنسان أن حياته بلا غاية.
• الإيمان يرد الإنسان إلى معنى الرسالة والامتحان.
• إذا كان الكون مخلوقًا بالحق، فلا يليق بالإنسان أن يعيش بالباطل.
تدبر:
كل عبث في حياة الإنسان سببه غالبًا نسيان هذه الحقيقة: أن الله لم يخلق شيئًا لعبًا.


4) المتقون في مقام أمين: النجاة ليست مجرد نجاة من العذاب بل دخول في الكرامة
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾.
فسر السعدي أن هذا جزاء المتقين الذين اتقوا سخط الله بترك المعاصي وفعل الطاعات، فثبت لهم الرضا والنعيم والظل والعيون واللباس والرزق الكريم. وفسر ابن كثير أن هذا عطف لحال السعداء بعد ذكر الأشقياء.
الهدايات:
• التقوى ليست حرمانًا، بل طريق إلى الأمن الحقيقي.
• أعظم أمن هو الأمن من سخط الله وعذابه.
• الجزاء الأخروي في القرآن ليس فقط نفي العذاب، بل ثبوت الرضا والكرامة.



خامسًا: هدايات سورة الجاثية


1) الكون كلّه معرض آيات، لكن المنتفعين يتفاوتون بحسب إيمانهم ويقينهم
افتتحت السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ… لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
فسر السعدي أن الله أيّد تعظيم القرآن بذكر الآيات الأفقية والنفسية من خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان والدواب والمنافع المختلفة. فالسورة تبني اليقين من خلال مستويات متدرجة من النظر: إيمان، ثم يقين، ثم تعقل.
الهدايات:
• لا ينتفع بالآيات بنفس الدرجة كل الناس؛ فصفاء القلب يزيد الانتفاع.
• اليقين يزداد بالنظر في الخلق لا بالانشغال عن الخلق.
• من أعظم أبواب التربية القرآنية أن ترى كل شيء في الكون بوصفه شاهدًا لا مشهدًا فقط.


2) تسخير ما في السماوات والأرض دعوة إلى الشكر والخضوع
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾.
هذا المعنى في الجاثية يأتي بعد تقرير الآيات، ليعلّم أن الكون ليس فقط دالًا على الله، بل هو أيضًا مسخر لمصلحة الإنسان، وكل ذلك من الله وحده. فالسؤال الذي تثيره السورة: كيف يُسخَّر لك هذا كله ثم لا تخضع للمنعم؟ والمعنى مقرر عند المفسرين في هذا السياق العام.
الهدايات:
• كل منفعة كونية ينبغي أن تزيد العبد معرفة بالله وشكرًا له.
• الشعور بالاكتفاء بالكون دون المنعم جهل بحقيقة التسخير.
• الإنسان حين ينسى “مِنْهُ” يفسد نظره إلى الحياة كلها.


3) أخطر الانحرافات: اتخاذ الهوى إلهًا
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
وهذا من أشد التعابير القرآنية؛ لأنه لا يصف صاحب الهوى بمجرد معصية، بل يصفه بأن هواه صار في موضع الأمر والنهي والتعظيم والطاعة. فالسورة تحذر من عبودية خفية أخطر من كثير من الصور الظاهرة: أن يتحول الإنسان إلى تابع لشهوته ورأيه بلا ضابط من وحي أو عقل منير. والمعنى مشهور في التفسير.
الهدايات:
• ليست الأصنام من حجر فقط؛ قد يكون الصنم شهوة أو رغبة أو نزوة.
• من أخطر ما يفسد العقل أن يصبح الهوى معيار الحق والباطل.
• التحرر الحقيقي يبدأ حين يقود الوحي الهوى، لا العكس.
تدبر:
كل معصية أُصِرَّ عليها بعد وضوح الحق فيها تحمل شيئًا من هذا المعنى: اتخاذ الهوى إلهًا.


4) يوم القيامة تجثو الأمم، ويظهر أثر الكتاب والعدل الإلهي
سميت السورة الجاثية لقول الله فيها: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾.
وهذا تصوير عظيم لمشهد الخضوع والانتظار والحساب، ثم يقال: ﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾. فالسورة تربط بين العمل في الدنيا، وكتابة الآثار، والوقوف الجماعي يوم القيامة، والعدل الكامل الذي لا يضيع معه شيء. والمعنى في ختام السورة ظاهر في كتب التفسير.
الهدايات:
• استحضار مشهد الجثو يوم القيامة يقتل كثيرًا من غطرسة الدنيا.
• الكتاب الذي “ينطق بالحق” يذكّر أن لا شيء يضيع عند الله.
• أعظم ما يخفف رعب ذلك اليوم: أن يعيش العبد في الدنيا مستعدًا له لا غافلًا عنه.


5) ختام السورة بالحمد والكبرياء يعيد القلب إلى مقام التعظيم
تنتهي السورة بقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ… وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
فسر السعدي أن الكبرياء هي العظمة والجلال، وأن الحمد هو الثناء عليه بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه. وهذا ختام بديع بعد عرض الآيات والخلق والتسخير والهوى والبعث والحساب: كأن السورة تردّ كل شيء إلى حقيقة واحدة، وهي أن الحمد والكبرياء لله وحده.
الهدايات:
• إذا رأيت الآيات حقًا انتهيت إلى الحمد.
• وإذا شهدت الملك والخلق والتدبير حقًا انتهيت إلى تعظيم الكبرياء لله وحده.
• ختام الجزء بهذا المعنى يطهّر القلب من تعظيم النفس والخلق بعد أن ملأه بتعظيم الرب.

المحاور الكبرى للجزء الخامس والعشرين
المحور الأول: العلم بالغيب، والرزق، والخلق، والحساب كلها بيد الله
من أول فصلت إلى آخر الجاثية يتكرر أن الله وحده هو العالم، الخالق، المدبر، المحيي، المميت، والحاكم يوم القيامة.
المحور الثاني: إقامة الدين تقتضي اجتماع القلب والخلق والمجتمع
سورة الشورى خاصة تربط بين إقامة الدين، وعدم التفرق، والشورى، والعفو، واجتناب الكبائر، فتقدم صورة متوازنة للدين في النفس والجماعة.
المحور الثالث: النعمة لا تصلح إلا بالشكر، والصحبة لا تبقى إلا بالتقوى
في الزخرف والدخان يظهر أن التسخير والرزق والزخارف والصحبة كلها قد تنفع أو تفسد بحسب صلتها بالله.
المحور الرابع: الدعاء والإنابة والعفو من أعظم أبواب النجاة
في الزمر وغافر والشورى يظهر بجلاء أن باب الله مفتوح بالتوبة، والدعاء، والصبر، والعفو، وأن الاستكبار عن ذلك من أعظم أسباب الهلاك.
المحور الخامس: القرآن واضح، لكن الانتفاع به يحتاج قلبًا حيًا
سورة فصلت خاصة تقرر أن القرآن مفصل مبين، وأن الإعراض هو الذي يحجب أثره، لا غموض البيان.

خلاصة تدبرية جامعة
الجزء الخامس والعشرون يقول للمؤمن بوضوح:
• ردّ علم الغيب كله إلى الله، ولا تفتنْك دعوى المتخرصين.
• أقم الدين في نفسك وحياتك، ولا تجعل الخلاف سببًا لتقطيع الأصل.
• لا تنخدع بزخارف الدنيا؛ فكل نعمة إن لم تصل بالشكر انقلبت فتنة.
• احذر الإعراض عن الذكر، فإنه قد يورث قرينًا من الشياطين.
• الزم الدعاء، فإنه عبادة وافتقار ونجاة.
• اجعل أخلاقك أرقى، حتى تبلغ رتبة ولمن صبر وغفر وادفع بالتي هي أحسن.
• لا تجعل هواك إلهك، ولا تنسَ أن الأمم ستجثو يوم القيامة بين يدي الله.
• اختم نظرك في الكون والحياة بالحمد لله وتعظيم كبريائه.
فهذا الجزء يبني في القلب: يقينًا أرسخ، وتوحيدًا أوضح، ونظرًا أصحّ إلى النعم والدنيا، وروحًا أكثر دعاءً وإنابةً، وخلقًا أعلى، واستعدادًا أعمق ليوم الجثو بين يدي الله.


بقلم: مصطفى عرفة

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...